رياضة

هدم ملعب بولوغين.. الحقيقة الكاملة

بين العاطفة والواقعية.. تقارير الخبرة تحسم الأمر.

  • 4387
  • 3:41 دقيقة
صورة: ملعب عمر حمادي ببولوغين
صورة: ملعب عمر حمادي ببولوغين

أثار قرار هدم ملعب عمر حمادي ببولوغين وتعويضه بحديقة نباتية موجة واسعة من الجدل، منذ أن نشر موقع "الخبر" تفاصيل المشروع ومعه مشروع إعادة تأهيل وتهيئة الملاعب العاصمية الأخرى، حيث تحول الموضوع إلى ما يشبه الحملة التي قادها لاعبون وصحفيون رفضوا الفكرة بدافع التاريخ والعراقة.

غير أن العودة إلى المعطيات التقنية تكشف أن خيار الهدم لم يكن قرارا عاطفيا، بل نتيجة مسار طويل من الدراسات المعمقة والخبرات التقنية.

أشغال توقفت أمام واقع خطير

في سنة 2022 انطلقت عملية إعادة تهيئة وتأهيل ملعب عمر حمادي، وأسندت الأشغال إلى شركة متخصصة. غير أنه وبعد الشروع في العمل، تم اكتشاف فراغات وتشققات كبيرة أسفل المدرجات الشمالية والجنوبية، ما استدعى اللجوء إلى خبرة الهيئة الوطنية للرقابة التقنية للبناء CTC. الهيئة أجرت ثلاث خبرات متتالية، آخرها في أوت 2024، وانتهت إلى تصنيف ثلاثة مدرجات من أصل أربعة في "الخانة الحمراء"، بسبب اهتراء الأساسات والخرسانة وتآكل حديد البناء بفعل الرطوبة والعوامل الطبيعية عبر سنوات طويلة.

بالتوازي مع ذلك، لجأت إدارة اتحاد العاصمة إلى مكتب الدراسات المختص "بيريق"، الذي استعان بتقنيات متطورة وقام بمسح شامل بالأشعة تحت الحمراء للمدرجات، ليصل إلى نفس النتيجة: ضرورة هدم المدرجات بالكامل. المدرج الوحيد الذي ثبتت سلامته هو ذلك الذي شيد سنة 1995 ويحتضن حالياً مكاتب النادي.

وعلى ضوء هذه التقارير، تم اتخاذ قرار غلق الملعب أمام المنافسة الرسمية منذ 2022، والاكتفاء بالحصص التدريبية ومباريات الفئات الشبانية فقط.

لماذا لن يعاد بناء ملعب جديد في نفس الموقع؟

تكفلت ولاية الجزائر بالملف وأطلقت عدة دراسات حول مستقبل هذا المعلم والصرح الرياضي العتيق.

في البداية طرح خيار هدم المدرجات وإعادة تشييد ملعب عصري على أنقاض القديم، غير أن هذا الخيار سقط لأسباب موضوعية:

- السعة الأخيرة والرسمية للملعب لم تتجاوز 9 آلاف متفرج (جالس).

- المساحة الإجمالية للملعب لا تتعدى 2,5 هكتار، دون أي احتياطي عقاري جانبي يسمح بالتوسع.

- الدراسة أثبتت أن أقصى سعة يمكن بلوغها في حال إعادة البناء لن تتجاوز 17 ألف متفرج، وهو رقم غير كافٍ لاستيعاب قاعدة أنصار اتحاد العاصمة.

- التكلفة المالية للمشروع كانت ستكون مرتفعة جداً مقارنة بالعائد الرياضي والوظيفي.

إضافة إلى ذلك، فإن تشييد ملعب جديد يتطلب أعمال حفر كبرى في منطقة معقدة تقنيا، خاصة بعد تجارب سابقة في العاصمة أثبتت حساسية التربة. يكفي التذكير بما حدث خلال إنجاز ميترو ساحة الشهداء، حيث تم اكتشاف آثار رومانية، ما فرض تعديلات وتأخيرات كبيرة، أو في مشروع ملعب فرحاني الذي تم اكتشاف فالق زلزالي أمامه.

كما أن ضيق المساحة وموقع الملعب بمحاذاة طرق رئيسية، خصوصاً الطريق الوطني رقم 11 المؤدي إلى عين البنيان، كان سيفرض غلق محاور حيوية لفترات معتبرة، وهو خيار غير ممكن عملياً في منطقة مكتظة.

لماذا حديقة نباتية؟

بعد تثبيت حتمية هدم المدرجات، طرحت عدة بدائل لاستغلال الأرضية قبل أن تقع في أيدي المرقين العقاريين، من بينها إنشاء ملاعب جوارية. غير أن هذا المقترح تم التراجع عنه، ليستبدل بخيار إنشاء حديقة نباتية مفتوحة لسكان بولوغين والمناطق المجاورة.

القرار استند إلى معطى مهم: المنطقة تفتقر إلى المساحات الخضراء والمتنزهات، باستثناء حديقة مالاكوف المجاورة، ما يجعل المشروع الجديد ذا بعد بيئي واجتماعي مباشر يخدم آلاف العائلات.

القرار تم المصادقة عليه وتم فعليا الشروع في الإجراءات، والبداية بإخلاء المحال والمتاجر التابعة للملعب بعد الاتفاق مع مستخدميها، والذين لا يملك جلهم وثائق قانونية لاستغلال تلك المحال.

ولماذا لا يُطبق نفس القرار على ملاعب أخرى؟

يتساءل كثيرون عن سبب التكفل بتهيئة وعصرنة ملاعب قديمة أخرى في العاصمة، مقابل هدم بولوغين. الرد يكمن في الخصائص التقنية لكل ملعب.

- ملعب 20 أوت 1955 بالعناصر يمكنه التوسع جنوبا على حساب أحد المسابح التابعة له كما ينص المشروع، وشمالا على حساب مدرسة مجاورة متضررة منذ زلزال 2003.

- ملعب بن حداد بالقبة يملك هو الآخر مساحات قابلة للاستغلال لتشييد مدرجات إضافية يمين ويسار الملعب.

- ملعب 1 نوفمبر بالمحمدية مدرجاته "بدائية" وسهلة الهدم وغير مكلفة، كما يملك مساحات جانبية تسمح بإعادة بنائه وفق معايير عصرية.

بالمقابل ملعب بولوغين محاصر عمرانيا ولا يملك أي مجال للتوسع، ما جعله حالة استثنائية.

بين العاطفة والواقعية

الرافضون للقرار بمنطق ومن غير منطق بدافع أو بركوب الموجة يبررون ذلك بالتاريخ والرمزية، وهو موقف يبدو مفهوما عاطفيا، لكن الواقع يفرض أحيانا قرارات صعبة.

الأمر ليس سابقة عالمية والأمثلة كثيرة على ذلك لعل أبرزها ما حدث قبل سنوات مع ملعب "هايبوري" بإنجلترا، الذي احتضن أبرز إنجازات أرسنال، تم هدمه بالكامل وتحويله إلى مجمع سكني، رغم قيمته التاريخية الكبيرة.

في النهاية، خيار هدم ملعب بولوغين لم يكن قراراً ارتجاليا، بل نتيجة تقارير تقنية متطابقة ودراسات عمرانية ومالية مفصلة أثبت أنه صار خطرا حقيقيا على سلامة الجمهور، وبعد أن تم التأشير عليه بالأحمر صار حتى من الناحية المعنوية بالنسبة للمسؤولين مصدر قلق، خاصة بعد الذي حدث مع مأساة السبت الأسود في ملعب 5 جويلية العام الماضي.