الوجه الذي انتصرت به برلين

روبورتاجات
17 أكتوبر 2014 () - برلين: مبعوث ”الخبر”: نوار سوكو
0 قراءة
+ -

 الزائر للعاصمة الألمانية برلين ومن تلقاء نفسه، سيشكل انطباعا حسنا عند تنقله على متن السيارة (طاكسي) أو الحافلة، لأنها تمر عبر عدد من الشوارع الراقية من من غير أن تشعر أنك كائن مضغوط عندما يضيق صدرك من فرط الازدحام الذي نستيقظ عليه وننام عليه في العاصمة الجزائر، كما لو أنه ظل يتبعنا وهاجس يطاردنا أينما حللنا.
الوقت أولا..
بل إن ما تستنتجه في مدينة برلين هو احترام دقة المواعيد عند التنقل على خطوط المواصلات العامة كالطائرات، القطارات، الحافلات وغيرها، لأن عامل الوقت يشتغل في اتجاه (الزمن التاريخي)، أي أن المستقبل الحقيقي يبدأ باستغلال اللحظة الراهنة بتعبير الفيلسوف الألماني (فريدريك نيتشه)، والتنقل بين الأحياء والشوارع يتم في غاية السهولة والأمان، مثل شارع (كارفور ستندام) الراقي وحي حديقة الحيوانات التي تنتظم فيه مختلف أبنية السفارات الحديثة وصولا إلى قلب المدينة برلين وبالضبط في وسط شارع (فريدريك شتراسه) وأمامها ساحة (جندارمن ماركت) التي تحيط بها دار الموسيقى (كونسرت هاوس)، وقبالتها تقع الكاتدرائية الألمانية والكاتدرائية الفرنسية.
كل شيء من أجل السياحة..
في العاصمة برلين كل شيء مسخر لخدمة السياح، بينها مؤسسات حكومية. فالزائر عند عبوره بوابة براندنبورغ التاريخية يصل إلى مبنى البرلمان (رايشستاغ) الواقع بجوار نهر (سبريه)، ومن قبته الزجاجية التي صممها (نورمان فوستر) بوسعه أن يصعد إليها لأخذ صورة لأي منظر في المدينة من غير مراقبة أو المرور على دوائر بيروقراطية أو بروتوكولات معينة. كما يمكن للسائح أن يصعد أيضا إلى برج التلفزيون الواقع بساحة (الكسندر بلاتس)، وهو واحد من أكثر ميادين المدينة شهرة ويوجد به العديد من العروض الجذابة، وهو أعلى مبنى في ألمانيا على ارتفاع (368 متر)، بل هو واحد من معالم الجذب الرئيسية للسياح في برلين. ففي قبة البرج يقع المطعم البانورامي الذي منه يمنك القيام بإطلالة على هرج ومرج الحياة في العاصمة. ويقول بعض من زار المطعم، إنه بينما تتناول طعامك في راحة تامة، يدور المطعم حول محوره مرة كل نصف ساعة، وهو برج افتتح يوم الـ3 من شهر أكتوبر من العام 1969. هذا البرج في الحقيقة هو أحد الرموز التي تكشف مزاعم تفوق المجتمعات الاشتراكية، قبل سقوط جدار برلين. وتشير واحدة من المجلات الصادرة باللغة الفرنسية في برلين، إلى أن البرج تحول مع الوقت إلى واحد من المعالم البارزة في ألمانيا، خاصة أنه كل عام يصعد إليه أزيد من مليون زائر قادم من أزيد من 80 بلدا. وما لحظناه في ميدان (الكسندر بلاتس) أن هذه الساحة لاتزال تجلب إليها آلاف السياح من كل الجنسيات، بل وتحولت إلى ساحة عرض لمختلف اللوحات التي يبدع فيها مختلف الرسامين، ناهيك عن الفرجة التي تصنعها مختلف الفرق الموسيقية من أوروبا ومن آسيا والشرق الأوسط وأمريكا وغيرها، بل إن ما وقفنا عليه أن الساحة تحتضن أيضا عشرات الأشخاص الباحثين عن اللجوء السياسي من آسيا ومن أمريكا اللاتينية ومن إفريقيا، فيما فضل بعضهم جاؤوا من مدينة غزة بفلسطين توجيه انتقادات للحكومات الأوروبية نظير مواقفها السلبية إزاء ما تقوم به إسرائيل من حرب إبادة في الأراضي الفلسطينية. وإلى جانب ذلك، هناك معلم آخر يتمثل في (عمود النصر) (زيغيس زويله)، وهو رمز من الرموز الشهيرة في برلين، تم تشييده سنة 1873، يتواجد بساحة الجمهورية. هذا المعلم الذي يأخذ شكل تمثال برونزي كانت نية تشييده، تبعا لما تشير إليه بعض الخطاطات التاريخية، التذكير بانتصارات الحملات العسكرية ضد الدانمارك والنمسا وفرنسا، ففي الجزء العلوي من هذا المعلم تقف فكتوريا التي تمثل آلهة النصر في الأساطير الرومانية. والزائر بوسعه أن يصعد إلى برجه عبر درج حلزوني مؤلف من 285 درجة، ومن هناك يكتشف الزائر متعة التمتع بمناظر مذهلة من أعلى المدينة.
وإذا زرت العاصمة برلين ستكتشف أن بوابة (براندنبورغ تور) المتواجدة إلى الجهة الغربية للعاصمة، تعد من أبرز معالم العاصمة، تم بناؤها في القرن الثامن عشر، تستقطب من حولها مئات السياح من كل بقاع العالم لأخذ صور تذكارية. ففوق البوابة توجد عربة برونزية يزيد علوها على 5 أمتار، وضع فوقها تمثال فيكتوريا، وتحولت البوابة بعد سقوط جدار برلين إلى رمز للوحدة الألمانية. بينما لايزال جدار برلين الذي سقط سنة 1989 يغذي فضول السياح القادمين من جميع أنحاء العالم ويشكّل نقطة جذب رئيسية لهم، على أمل اقتناص لحظة تاريخية يأخذون من خلالها صورا تذكارية بجانبه، فسقوطه كان إيذانا بتوحيد الألمانيتين بعد سنوات طويلة من الفراق، ولو أن بعض الألمان يعترفون بأن هذا الحاجز أو الجدار وإن سقط نهائيا في الواقع، فهو لايزال قائما في الأذهان لأن تنقل أي ألماني من الجهة الغربية لبرلين إلى ميدان (ساحة ألكسندر بلاتس) هو في مخيلته يعتبر تنقلا نحو الشرق. ووصل عدد سكان مدينة برلين سنة 2006 إلى 3 ملايين و395 ألف و185 شخص، بينهم 466 ألف شخص من جنسيات مختلفة جاؤوا من 189 بلد.
هذه المعالم التاريخية والسياحية تكتمل وتشكل انسجاما مع الساحات والشوارع الفخمة والحدائق والمساحات الخضراء والمنتزهات، لتمارس علي وعليك تأثيرا جماليا يجعلني ويجعلك في كل مرة تحلم بالعودة إليها، إنها المدن التي قال عنها عالم الأنثربولوجيا (كلود ليفي ستروس) ”إنها المدن التي تتصرف وكأنها كائن حي يمارس تأثيره اللاشعوري على الآخرين”.
مدينة الحدائق والمساحات الخضراء..
وبفضل توفر العاصمة برلين على العديد من الحدائق والمساحات الخضراء التي تأخذ شكل منتزهات عامة فضلا عن الغابات الشاسعة، يجد السائح نفسه أمام خيارات عديدة للحصول على مكان مفضل بين مجموعة من المناطق المثالية التي تمنحه فرصة التنزه والترفيه والتسلية وممارسة الرياضة والاسترخاء وحتى التزحلق على الثلج والتمتع بأوقات من الراحة والهدوء. إذ تشير إحدى المجلات المتخصصة في السياحة في هذه المدينة إلى أن برلين تحصي أزيد من 2500 مساحة خضراء بينها حدائق متنوعة وغابات. وبوسع الزائر إلى برلين أن يلحظ كيف تتحول المساحات الخضراء الممتدة على طول نهر (سبريه)، كل مساء، إلى مسارح للموسيقى والرقص واللهو وشرب أنواع الجعة والتشمس وذلك حتى ساعة متأخرة من الليل، بل إن منتزه (تير غارتن) أيضا يبدو كأنه جزيرة داخلية لأنه يتحول خلال أيام الصيف، خاصة عطلة نهاية الأسبوع، إلى ملتقى شعبي يستقطب إليه سكان المدينة وزوارها، فهناك يقوم الناس بممارسة مختلف الرياضات، الجري، المشي ولعب كرة القدم والتشمس والتزحلق، مرفقة بحفلات موسيقية. كما يمكن للسائح أن يزور حديقة (تمبلهوفر بارك) التي كانت عبارة عن مطار ثم حولت إلى حديقة واسعة جدا، إلى جانب حديقة ”مارتسان” التي أنشئت بعد سقوط جدار برلين وتوحيد الألمانيتين، هذه الحديقة تضم حدائق متعددة، بل لو يتم جمع كامل حدائق العاصمة الجزائرية، فلن تضاهيها في الكبر والتنوع. واستنادا لمراجع سياحية، فإن الحديقة افتتحت بها سنة 2000 واحدة من أكبر الحدائق الصينية في أوروبا، ليصبح عدد الحدائق في ”مارتسان” اليوم 6 حدائق عالمية، بينها الصينية، اليابانية، الكورية، الأوروبية، العربية.. وقيل إن الحديقة الشرقية العربية هي نتاج عربي ألماني مشترك ولاسيما مع ما تتميز به من هندسة مستوحاة من الطراز العربي الإسلامي، وهي متنوعة في زهورها ونباتاتها وأشجارها زيادة على نوافير الماء والجداول. وإلى ذلك، يمكن للسياح أن يكتشفوا حديقة (بوثانيشرغارتن) التي تعرض فن البستنة بطريقة مثالية. أما حديقة (بريستر غارتن)، فهي ممتدة على مساحة تفوق 90 هكتارا، تتواجد بها بحيرة كبيرة وأماكن للعب المائي زيادة على مجموعة من الأراجيح ومعدات اللهو. وتشتمل الحديقة على طاحونة شكلت في الواقع نقطة جذب لآلاف السياح إلى محيطها ممن يجتهدون في محاولات أخذ صور تذكارية بجانبها. وتشير مراجع أخرى إلى أن هذه الحديقة اختيرت سنة 2002 ضمن أجمل 10 حدائق في ألمانيا، فيما لاتزال حديقة الحيوانات (تسولو غيشه غارتن) تستقطب إليها الزوار على نحو مدهش، فهي مكان طبيعي بامتياز يستحق الزيارة، كونها الحديقة الأقدم على الإطلاق في ألمانيا والأكثر تنوعا في العالم. وإلى ذلك، فإن الأنهار والمجاري المائية وضعت هي الأخرى في خدمة السياحة، إذ فتح مجال الاستثمار أمام مختلف شركات النقل البحري التقليدية، وأصبح بمقدور الزائر أن يخوض مغامرة ممتعة على متن باخرة سياحية صغيرة، يشاهد من خلالها منظر المدينة من على سطح السفينة.
والحقيقة أن الكمّ الهائل من الحدائق والمنتزهات التي تزخر بها برلين، يعود أيضا إلى وعي المواطن الألماني بضرورة الحفاظ على البيئة والمناطق الخضراء، لأن برلين هي أيضا مدينة إيكولوجية.


من أجل عاصمتنا..
هذه الأبعاد السياحية الجميلة التي تأخذها العاصمة الألمانية برلين، تقود إلى طرح مزيد من الأسئلة عن مصير العاصمة مدينة الجزائر التي تحولت إلى سجن حقيقي يكبر من يوم لآخر بفعل الازدحام، بفعل زحف الإسمنت على المساحات الخضراء المتبقية وبفعل عجزنا إزاء دفن قمامتنا والتحكم في أوساخنا وكذا غياب سياسة وثقافة صنع المدينة، وعدم نجاحنا في إشاعة أجواء الهدوء والطمأنينة والأمان بفعل إفراطنا في مراقبة المجتمع، ولو أن السياحة هي قبل كل شيء إحساس بالأمان ينتاب الإنسان وهو ”يسيح” في الأرض. بل إن الحكومة احتارت في إيجاد الوصفة الملائمة لبعث مزيد من الحياة والحركة في مدينة الجزائر والصيغة اللازمة لتسييرها وتنظيمها، وربما أن الحكومة في الجزائر لا تعرف أن رجل السياسة أو المسؤول في الحكومة الألمانية له جسور تواصل دائمة مع المهندس المعماري والمدني مع كل علماء اجتماع المدينة وفلاسفتها، مع الأستاذ الجامعي الذي ينتج المقولات النظرية حتى تتم ترجمتها في الواقع إلى تطبيق يخدم المدينة، مع القائمين على إنتاج المسرح والسينما، مع القائمين على تسيير الشأن العام، فكل الأفكار والمقولات هناك هي في خدمة المدينة حتى أضحت هي نفسها كتابا مفتوحا يتعلم منه الكبير والصغير.
عاصمة الموضة..
بل إن مثقفي برلين يقولون إنه لا توجد مدينة ألمانية يمكنها منافسة مدينة برلين في ميدان الأنشطة والفعاليات من جانب تنوع نشاطات المسرح والحفلات الموسيقية والملتقيات الثقافية والفلسفية وباقي العروض المختلفة، بدليل أن (مبادرة الامتياز للجامعات الألمانية) أسفرت سنة 2012 عن فوز 11 جامعة بجائزة (جامعات النخبة) واقتسمت فيما بينها غلافا ماليا قدره  2 ,7مليار أورو على مدى الـ5 سنوات المقبلة. وإلى ذلك، تزخر العاصمة برلين بـ5 متاحف ذات شهرة عالمية وهي ”المتحف القديم”، ”المتحف الجديد”، ”المعرض الوطني القديم”، ”متحف بودة” و”متحف برغامون”.
والحقيقة أن الزائر لهذه المدينة يجدها تحولت إلى مدينة (كوسموبوليتية) (عالمية)، بالنظر لمظاهر الموضة العالمية وتوافد مختلف نجوم السينما والمشاهير والمبدعين والمصممين، فضلا عن متاجر ومراكز تسوق مشهورة كمتجر  ”kadewe” ومركز ”آركادن”، بينما يضم كل من شارعي ”فريدريش” و«كورفورستندام” علامات تجارية عالمية.
برلين تسهر حتى الصباح..
وموازاة مع ذلك، يأخذ الليل في برلين حقوقه كاملة، إذ تحفل منطقة (هاكيشه هوفه) بالحياة لأنها تضم أماكن على درجة من الحيوية والحركة، فهناك تجد مزيجا من المطاعم المختلفة الجنسيات (سنغافورة، المكسيك، الهند، إيطاليا، الأرجنتين، تركيا، بولونيا وغيرها) والحانات والمقاهي وقاعات الرقص والملاهي التي يمكن للسياح ارتيادها، فضلا عن ساحاتها وسطوحها المغرية. بل إن ليل العاصمة يقدم إغراءات لا تعد لعشاق السمر والسهر، فهي مدينة أقسمت أنها لا تنام لأن نومها يعني موت مئات الملاهي والنوادي الليلية وهي التي لا تغلق أبوابها حتى الساعات الأولى من الصباح وكل هذه الأماكن تقع في قلب المدينة.
وهكذا، فإن المدينة تجمع بين عدة متناقضات تجعل الحياة متواصلة بعدة أشكال في غاية الهدوء والطمأنينة والأمان، ودور الدولة هناك هو التدخل فقط لحماية الفضاء العمومي وليس خوصصة الحياة لتصبح مقتصرة على نوع من الأنواع فقط، ما جعل مدننا يتيمة غير قادرة على صنع الفرحة والبهجة واللهو والسهر والسمر، ما جعل العنف يتناسل ويكبر من يوم لآخر، فهل جربت المدينة يا ابن أخي.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول