أقلام الخبر

حوار على طريقة تبون

  • 189
  • 2:08 دقيقة

عندما أعلن الرئيس عبد المجيد تبون، قبل أكثر من عام، عن نيته إطلاق حوار مع الطبقة السياسية وربط ذلك بالانتهاء من بعض الورشات الاقتصادية والاجتماعية ذات الصلة المباشرة بيوميات المواطن وانشغالاته التي ظلت مكدسة على مكاتب الإدارات الحكومية منذ عقود، اعتقد كثير من المراقبين أن الأمر لا يعدو أن يكون اجتماعا في قاعة المؤتمرات بقصر الأمم، يتخلله غداء على مأدبة رئاسية، تتعاقب خلاله الكلمات على المنصة، لينتهي بإعلان توصيات وأمنيات.

غير أن ما حدث مع تبون كان مغايرا تماما، فقد أرسى أسس مشاورات سياسية واقعية تتناول ملفات محددة، لا مجال فيها للاستعراض الإعلامي أو التوظيف الحزبي أو الحشد الانتخابي. لقاءات مركزة ودقيقة تقوم على تعصيف الذهن والتسابق لتقديم أفضل المقترحات والأفكار، إثراء للنصوص والقوانين التي تخص مجال تحرك الأحزاب السياسية والفواعل الاقتصادية والاجتماعية، من تكتلات رجال الأعمال إلى النقابات.

لهذا شاهدنا كيف تمت معالجة ثغرات قانون المرور وقانون تجريم الاستعمار الفرنسي وكيف نالت مسودة قانون الأحزاب السياسية ذلك الاهتمام والتشاركية من طرف الطبقة السياسية، عندما التقت بمسؤولين حكوميين ومستشاري رئيس الجمهورية، فنال النص حقه من الإثراء، كما مر إلى المصادقة دون كثير لغط أو استغلال حزبي، تحت قبة البرلمان وخارجها.

والأمر نفسه ينطبق على مشروع قانون الدوائر الانتخابية، حيث قطع تبون الطريق أمام من حاولوا استغلال النقاش الدائر حوله لتغليط الرأي العام الوطني وزرع الشكوك حول نوايا السلطة تجاه المعارضة والموالاة تحسبا للانتخابات المقبلة، سواء تعلق الأمر بانتخابات البرلمان أو المجالس المحلية.

وقد تبددت هذه الشكوك بعد إعلان تبون، خلال اجتماع مجلس الوزراء، إحالة الملف على مستشاريه والحكومة مع إشراك الطبقة السياسية الممثلة في المجالس المنتخبة من أجل إثراء النص. وأين؟ في قصر المرادية، مقر رئاسة الجمهورية. وبذلك قدم الرئيس درسا آخر لمن يحاولون الاصطياد في المياه العكرة.

وبعيدا عن الطوباوية والشعبوية والسياسوية، تعرف الجزائر اليوم مسارا يرمي إلى إرساء تقاليد سياسية جديدة من طرف السلطات العمومية، تقوم على احترام كل طرف دوره، دون تجاوز ما يمكن أن يعد مساسا بهيبة الدولة ومؤسساتها أو بمكانة الطبقة السياسية والفواعل الاقتصادية والنقابية التي تتحرك في المشهد الوطني. وهي رؤية تستحق التنويه، رغم النقائص التي قد تظهر خلال الممارسة الميدانية.

كما أن الابتعاد عن الاستعراض السياسوي والتقليل من التسويق السياسوي الفارغ من المضمون يبعث برسالة واضحة إلى الرأي العام والمجتمع السياسي، مفادها أن خطوات فعلية تقطع في اتجاه تكريس التغيير. وقد لا ينتبه كثير من المتابعين إلى هذه التحولات في بداياتها، غير أنها تصبح قابلة للقياس مع مرور الوقت.

فالمناخ العام الذي يحدث فيه التغيير لا يخلو من المنغصات والمطبات والضجيج الذي يحاول التشويش على المسار ويغذي خطاب اليأس والتشكيك. غير أن تجاوز هذه المرحلة يظل رهانا على وعي المجتمع وقدرة مؤسساته على ترسيخ ثقافة العمل الجاد، بعيدا عن الكسل السياسي والضجيج الذي لا ينتج سوى الإحباط.