ربورتاجات

عين الدفلى مرشحة لريادة الصناعات الغذائية

عندما زرنا الشريط الغربي لعين الدفلى، مرورا بالعامرة والعبادية، وصولا إلى العطاف، اكتشفنا الوجه الآخر لولاية مخفية عن الأضواء ولكنها تسهم على نحو فعال في إنتاج غذاء الجزائريين.

  • 183
  • 13:09 دقيقة
الصورة: "الخبر"
الصورة: "الخبر"

عين الدفلى: مبعوث "الخبر" نوار سوكو

يجري الترتيب حاليا بولاية عين الدفلى، الواقعة على بعد نحو 140 كلم إلى غرب العاصمة، في أعقاب تصدرها موقع الريادة في إنتاج الحبوب والبطاطا والطماطم الصناعية والخضر وبعض الفواكه والحليب، لجعلها قطبا وطنيا للصناعات الغذائية على نحو يعزز الأمن الغذائي، ذلك في ظل ما يجري حاليا لتطوير البنية التحتية لقدرات التخزين والتبريد لضمان استمرارية التموين على مدار السنة، خصوصا أنها ولاية قريبة من موانئ شمال البلاد، بل وحتى قربها من العاصمة يجعلها منطقة بديلة للمشاريع الصناعية الكبرى.

عندما زرنا الشريط الغربي لعين الدفلى، مرورا بالعامرة والعبادية، وصولا إلى العطاف، رفقة رئيس القسم الفرعي للفلاحة لدائرة العطاف، عمار فقير، وهو مهندس في الفلاحة، اكتشفنا الوجه الآخر لولاية مخفية عن الأضواء ولكنها تسهم على نحو فعال في إنتاج غذاء الجزائريين.

سهل الشلف العملاق..

ففيما يختص القسم الفلاحي لدائرة عين الدفلى في الأشجار المثمرة والحمضيات والحبوب بأنواعها كالقمح الصلب واللين والشعير والخضروات بأنواعها، لاسيما البطاطا والبصل، ثم الخضروات الموسمية مثل الدلاع والطماطم والطماطم الصناعية، يكشف سهل الشلف، واحد من أكبر السهول في الجزائر الممتد على أزيد من 8000 هكتار، عن الوجه الآخر لعين الدفلى، وجه يجعلها ويؤهلها دوما لتكون سلة غذاء الجزائريين في كل الأوقات.

يستوي هذا السهل ذي الخصوبة العالية على زراعة الخضروات العامة، بينها الخضروات المحمية (داخل البيوت البلاستيكية)، بينها الطماطم الصناعية والبطاطا، الحبوب، الأشجار المثمرة بأنواعها والحمضيات، كما تمتد فوقه مزارع نموذجية، منها تلك التي تحكمها شراكة فلاحية بين الدولة ومستثمرين خواص. فبمحيط السقي العامرة- العبادية تمتد مستثمرات تابعة للأملاك الخاصة للدولة، ينضوي تحتها الفلاحون الذين يمتلكون عقود امتياز فلاحية، إلى جانب المستثمرات الخاصة المنتجة للحبوب والخضروات بأنواعها ومزارع للحمضيات ومركز لتخزين الحبوب تابع لتعاونية الحبوب والبقوليات الجافة لخميس مليانة بقدرة 50 ألف قنطار.

1500 قنطار في الهكتار..

سمح السهل العملاق الممتد على ضفاف وادي الشلف لعين الدفلى، حسب عمار فقير، بأن تتبوأ الولاية مكانة امتيازية في تموين ولايات وسط وشرق وغرب وحتى الهضاب العليا بالخضر والفواكه على امتداد أشهر السنة. وينظر رئيس الغرفة الفلاحية لعين الدفلى، الحاج جعلالي، إلى هذا السهل على أنه "يحتضن أجود الأراضي الفلاحية الخصبة بالمنطقة ويعد امتدادا لسهل المتيجة، تمتد فوقه اليوم خمسة (5) آلاف هكتار من الأراضي المسقية بالتقطير مخصصة لإنتاج الطماطم الصناعية التي أعطت مردودا غير مسبوق بـ1500 قنطار في الهكتار، في ظل تحكم عال من الناحية التقنية والعلمية في إنتاج البذور ومعالجة التربة بالأدوية..".

مهد الأشجار المثمرة..

لا يقل الشريط الجنوبي الشرقي للولاية أهمية اقتصادية عن الجهة الغربية، فعندما زرنا منطقة جليدة الواقعة على بعد 10 كلم إلى جنوب شرق الولاية، وقفنا على السهول الواسعة الممتدة امتداد البصر من الأشجار المثمرة وحتى زراعة الحبوب ومختلف الخضروات، إنها واحدة من كبريات الأقاليم الفلاحية بعين الدفلى، يقول عنها رئيس القسم الفلاحي لدائرة جليدة أحمد بسكري "إنها تتفوق على الشريط الفلاحي الغربي المكون من العامرة والعبادية في مجال الأشجار المثمرة، لاسيما زراعة الزيتون، الإجاص والبرتقال والخوخ والتفاح.. الخ".

بل ويشير المتحدث إلى أن آفاق الرؤية المستقبلية بجليدة ومحيطها واعدة "إذ يجري حاليا في إطار قرض التبريد إنجاز مشاريع توسيع قدرات التخزين بالولاية، تشمل تخزين الفواكه البصل، البطاطا، البرتقال. ومن عمق حقول الأشجار المثمرة، انتقلنا إلى عدد من غرف تخزين البطاطا والبصل". لقد كانت مشاهد توثق كيف تحولت عين الدفلى إلى وجهة لتموين عشرات الولايات من شرق وغرب ووسط البلاد بالخضر والفواكه وفي المستقبل غير البعيد باللحوم البيضاء.

فالأجواء الآخذة في التشكل التي وقفنا عليها بإقليم جليدة هي دخول عدد من المستثمرين في سباق مع الوقت لإنجاز مركبات لإنتاج لحوم الدجاج، فيما شرع آخرون في تسويق البيض، وهو المجال الذي تبوأت فيه الولاية مكانة رائدة وسبق لها تصدير المنتوج إلى عدة بلدان.

عين الدفلى التي تقع بين سلسلتين جبليتين، جبال الونشريس من الجنوب، تمتد عبر ولايات تيسمسيلت، المدية، عين الدفلى، الشلف، غليزان ومن الشمال جبال الظهرة، تحصي اليوم 235611 هكتارا من الأراضي الصالحة للزراعة، أي ما يعادل52 بالمائة من المساحة الإجمالية للولاية، منها 181 676 هكتارا مستغلة، أي ما يعادل77 بالمائة.

تنفرد بخمسة سدود..

ينظر مدير المصالح الفلاحية لعين الدفلى، سليم حومري، إلى هذه الولاية على أنها تنفرد بإمكانات طبيعية ومادية تمكنها من تصدر المراتب الأولى في الإنتاج الفلاحي والمساهمة على نحو فعال في تحقيق الأمن الغذائي في عدد من الشعب الفلاحية مثل البطاطا، القمح والشعير، إنتاج الحليب، تربية الدواجن، الأشجار المثمرة، الخضروات الحقلية والمحمية كالطماطم الصناعية.

بل إن الزائر لعين الدفلى، بوسعه أن يكتشف ولاية تنفرد بخمسة (5) سدود انتعشت مجددا في ظل التساقطات المطرية التي ميزت العام 2026، على نحو أعاد الأمل مرة أخرى لآلاف الفلاحين وحتى للدولة لأجل بعث مشاريع استثمارية فلاحية جديدة، هي سد عريب الواقع بمنطقة احمد بن طيبة وسد غريب المتواجد بواد الشرفة وسد أولاد ملوك ببلدية الروينة وسد جليدة بجنوب الولاية وسد دردر، تصل طاقتها إلى 486 مليون متر مكعب، إلى جانب محيطين للسقي يغطيان 28500 هكتار مدعمة بـ1769 بئرا للسقي.

واللافت في احتلال عروس الونشريس مراتب متقدمة جدا في تأمين غذاء البلاد، أنها تتفوق على كثير من الولايات في عدد المستثمرات الفلاحية التي بلغ عددها نحو 30 ألف مستثمرة (29920)، تعود 27674 منها للخواص بمساحة تجاوزت 180 ألف هكتار، فيما تعود 1412 مستثمرة للأملاك الخاصة للدولة، منها 834 فردية.

وتشير رئيسة المصلحة بمديرية المصالح الفلاحية، كريمة بدواني، إلى أن شعب البطاطا والطماطم والبصل والفواكه تشهد فائضا في الإنتاج، فيما لاتزال المساحات المخصصة لزراعة الحوامض في توسع من عام لآخر. ولم تتردد عين الدفلى، موازاة مع ذلك، في خوض تجربة الزراعات الصناعية بزراعة دوار الشمس والسلجم الزيتي.

كما تحصي المنطقة، تضيف بدواني، ستة (6) مزارع نموذجية (المؤسسات العمومية الاقتصادية الفلاحية)، كل مؤسسة تحدد حسب طبيعة المنطقة (حبوب، بقوليات جافة، ثروة حيوانية، أشجار مثمرة)، هدفها إنتاج المحاصيل الإستراتجية كما هو مشار إليه، في وقت توسعت قدرات التخزين لتصل عتبة المليون و113 ألف قنطار، على أن تتواصل العملية مستقبلا.

ويرى مدير المصالح الفلاحية أن الولاية "سجلت قفزة نوعية في الإنتاج الفلاحي خلال السنوات الأخيرة في شعب الحبوب، البطاطا، إنتاج الحليب، الفواكه، تربية الدواجن، الخضروات الحقلية والمحمية، الطماطم الصناعية، إذ بلغ الإنتاج أزيد من 21 مليون قنطار خلال الموسم الفلاحي 2024/2025 بما يعادل 168 مليار دج.. ".

تصدير عدة منتوجات..

نظرا للفائض الإنتاجي في بعض المواد، يضيف المتحدث، فإنه "تم تسجيل عمليات تصدير لكميات من الخضر والفواكه، على غرار البطاطا، البصل، البرتقال، زيت الزيتون، التين الشوكي..". وتعود القفزة النوعية التي جعلت الوفرة في المنتوج الفلاحي تتنامى من عام لآخر إلى ما أسماه برامج الدعم الموفرة للفلاحين لتطوير وتنمية مختلف الشعب.

ومن أبرز وسائل الدعم، استنادا إلى آراء فلاحين، نجد الدعم بالعتاد الفلاحي المتمثل في الجرارات الفلاحية ولواحقها وآلات الحصاد والدرس ووسائل الري، كدعم حفر الآبار المرخصة وتجهيزها بعتاد الضخ وأنابيب الرش والنقل والري بالتنقيط وأحواض تجميع المياه، ناهيك عن الدعم المقدم للاستفادة من الأسمدة بنسبة 50 بالمائة من السعر المرجعي.

ولا تتوقف برامج الدعم عند هذا الحد، بل مازالت تشمل دعم الشعب الفلاحية من جانب تقديم منح الإنتاج، التكثير والتخزين لكل من شعب الحبوب، البطاطا، البقول الجافة والنباتات الزيتية والطماطم الصناعية والأعلاف الملفوفة والنخالة والشعير والتلقيح الاصطناعي

كما تشمل برامج الدعم الفلاحي، يضيف المدير، القروض الاستثمارية الخاصة بتجسيد مشاريع كل الشعب الفلاحية (تربية المواشي، إنشاء بساتين، أشجار مثمرة، تربية الدواجن، إنشاء غرف تبريد إلى جانب قروض موسمية..".

ومع ذلك، فإن أبرز الانشغالات التي لايزال يطرحها فلاحون هناك، تشمل تسوية وضعية العقار والاستفادة من عقود الملكية وعقود الامتياز الفلاحي والرد على مطالب ربط المستثمرات بالكهرباء.

سلة غذاء بامتياز..

والحاصل حسب ما لمسناه في أعقاب تنقلنا إلى بعض الدوائر الفلاحية (جليدة، عين الدفلى، العامرة، العبادية، العطاف.. الخ)، أن السلطات العليا تراهن على ولاية عين الدفلى لتكون لاعبا محوريا في معادلة الأمن الغذائي للبلاد، في ظل المساعي الرامية إلى جعل قطاع الزراعة واحدا من أبرز البدائل لصناعة الثروة والخروج من متلازمة الريع النفطي وتقليص فاتورة الغذاء التي مازالت تضغط بثقلها على ميزانية الدولة.

ففي مجال إنتاج الحبوب، تستوي الولاية على مساحة معتبرة تمتد على 70 ألف هكتار، وهي مساحة ترى مديرية المصالح الفلاحية أنها ترشح المنطقة دوما لتجاوز عتبة المليون قنطار سنويا، ولو أن هذه المساحة الشاسعة كان يفترض منها أن تقدم عائدا يقارب ثلاثة (3) إلى أربعة (4) ملايين قنطار سنويا، باعتماد طرق الزراعة الدقيقة والخروج من الأطر التقليدية القديمة من جانب استخدام التكنولوجيا الحديثة مثل الأقمار الصناعية، أجهزة الاستشعار والطائرات المسيرة (طائرات درون) للحصول على معلومات عن التربة ومعرفة جرعات الأدوية المخصصة والمياه والضوء... الخ، بهدف تحسين الإنتاج، على الأقل لتحقيق معدل 70 ق في الهكتار.

ومقابل ذلك، تشتهر عين الدفلى بإنتاج وتكثير البطاطا بمعدل مليوني (2) قنطار على مدار موسمين، فيما تنتج ما معدله ثلاثة (3) قناطير في مجال تكثير البذور سنويا. كما عرفت شعبة الأشجار المثمرة تطورا خلال السنوات الأخيرة بتوسيع المساحات عبر انتهاج النظم الزراعية المتبعة للطرق المكثفة. والتطور ذاته شمل شعبة الطماطم الصناعية التي راحت تعطي مردودا غير مسبوق بمعدل 1500 قنطار في الهكتار، تبعا للمعلومات التي قدمت لنا بمقر مديرية المصالح الفلاحية.

وموازاة مع ذلك، شهدت شعبة تربية الدواجن خلال السنوات الـ10 الأخيرة تطورات نتيجة التسهيلات التي تقدمها الدولة للفلاحين، إذ انتقلت العملية من تربية معاشية إلى تربية صناعية تجارية، حيث تصل قدرة بعض المركبات إلى 1.2 مليون دجاجة بيض بمعدل مليون بيضة في اليوم.

ومع أن عين الدفلى تحولت إلى سلة غذاء بامتياز بالنظر إلى وفرة المنتوج الفلاحي في عدة شعب، إلا أنك أينما انتقلت بالمنطقة، يقولون لك، عين الدفلى لا تتوفر على مصانع ووحدات للتحويل.

تيبركانين.. للصناعة التحويلية

يرى رئيس الغرفة الفلاحية، الحاج جعلالي، أن عين الدفلى يجب أن تسجل حضورها وتفتك مكانتها بتحويلها إلى قطب للصناعات التحويلية، حيث قال إن الطماطم الصناعية للولاية يتم تحويلها نحو مصانع غليزان والشلف والبليدة وتيبازة. ومع ذلك، بدا الحاج جعلالي متفائل بما ستؤول إليه آفاق الصيرورة المستقبلية للصناعة التحويلية بعين الدفلى في أعقاب تهيئة المنطقة الصناعية لتبركانين ووضعها تحت تصرف وزارة الصناعة وعرضها على المتعاملين الراغبين في خوض غمار الاستثمار في الصناعة التحويلية الغذائية.

ويضيف المتحدث: "عندما ينطلق الاستثمار في الصناعات التحويلية، المنطقة بمصانعها سوف تمتص فائضا كبيرا من البرتقال والبطاطا والطماطم والإجاص وزيت الزيتون، الحليب.. الخ ".

من جهته يؤكد رئيس المجلس الشعبي الولائي لعين الدفلى سامي معزوزي لـ"الخبر"، بشأن مستقبل الصناعة التحويلية بالمنطقة قائلا: "لدينا منطقة صناعية بتيبركانين تم رفع التجميد عنها ورصد غلاف مالي لها لتهيئتها بعد أن تفقدها وزير الصناعة والوالي في وقت سابق.."، قبل أن يضيف "المساحات المهيأة المخصصة للاستثمار تم عرضها على المنصة الإلكترونية وعددها حوالي 100 قطعة وكل المستثمرين ممن تقدموا لخوض العملية تم قبولهم..".

اهتمام لافت من السلطات..

تشمل المشاريع الاستثمارية التغليف، التعليب، التحويل، الحفظ والتبريد ولاسيما المصبرات الخاصة بالطماطم، المعجون ورقائق البطاطا إلى جانب العصائر.

ويبدو أن السلطات العليا ماضية على نحو جدي هذه المرة في منح جرعات مقوية لقطاع الفلاحة بشكل عام والصناعات التحويلية بشكل خاص، ولعل ما يعكس هذا الاهتمام الحرص على تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية، وفق ما يشير إليه رئيس المجلس الشعبي الولائي، المتمثل في ربط السدود الخمسة (5) ببعضها البعض لتفعيل الري الفلاحي، فيما تشرف وزارة الصناعة على مشاريع التخزين والتبريد، لجعل عين الدفلى خزانا استراتيجيا للغذاء، في وقت تجري أشغال إنجاز مخازن للحبوب، بينها تلك الواقعة ببومدفع والعطاف بطاقة استيعاب مليون و500 ألف ق.

وتكشف اللجنة الاستعلامية المشكلة من أعضاء لجنة الفلاحة بالغرفة السفلى للبرلمان، الموفدة إلى عين الدفلى بتكليف من رئيس مجلس الأمة، حرص السلطات على جعل الولاية لاعبا محوريا في توفير الأمن الغذائي.

وتشير مصادر رافقت اللجنة في عملها الميداني إلى أنها وقفت على الهياكل القاعدية، أبرزها الري والتخزين والتحويل والنقل وتأثيرها المباشر على مردودية الإنتاج وتقييم فعالية مرافقة الفلاحين والمستثمرين ومعرفة إلى أي مدى يتم استغلال الإمكانيات التي تزخر بها الولاية.

كما خاضت اللجنة في ملف ربط الفلاحة بالصناعة التحويلية، الملف الذي كان محل ملابسات عديدة خلال السنوات الماضية، في وقت كان يفترض قطع الولاية مراحل متقدمة في هذا المجال بحكم قربها من الطريق السيار شرق غرب وكذا قربها من موانئ شمال البلاد.

وصبت توصيات اللجنة في خانة رسم مستقبل جديد للصناعة التحويلية، كالحث على تشجيع الاستثمار الخاص والعام في الصناعات التحويلية وربط الفلاحة بالصناعة التحويلية عبر سلاسل إنتاج متكاملة من الزراعة إلى التسويق لتعزيز الأمن الغذائي الوطني، ويمر ذلك عبر إنشاء وحدات تحويل محلية خاصة بالبطاطا والطماطم والحليب والعصائر.. الخ، كل ذلك لأجل تحويل الإمكانيات الفلاحية إلى قيمة اقتصادية مضافة مع أثر مباشر على التشغيل والتنمية المستدامة.

الصناعة التحويلية.. حتمية

يثير بعض قدماء الفلاحين بعض الاختلالات أو المبررات التي تجعل المرور إلى الصناعة الغذائية بعين الدفلى اليوم حتمية وأكثر من ضرورة، بينها ضعف البنية التقنية للتخزين والتبريد، ما جعل المنتجات تسوق بسرعة خوفا من التلف، وهو ما يقلل من العرض والطلب، بل إن الخضر والفواكه تباع مادة خام بدل تحويلها إلى عصائر ومعلبات أو منتجات مصنعة، ناهيك عن غياب أسواق جهوية منظمة تربط الفلاح بالمستهلك مباشرة، إلى جانب الاعتماد كثيرا على الوسطاء، ما يقود غالبا إلى ارتفاع الأسعار في الولايات المجاورة رغم وفرة الإنتاج.

والواقع أن الانتقال من ولاية فلاحية منتجة إلى مركز هام للصناعة التحويلية يمر عبر استغلال أقوى نقطة بالولاية، وهي الإنتاج الفلاحي الضخم وإنشاء وحدات صناعية صغيرة ومتوسطة لتحويل البطاطا إلى رقائق وأخرى مجمدة وإنتاج العصائر والمشروبات تشمل منتجات الحليب والمصبرات عبر جلب شركات وطنية معروفة باستثماراتها كـ(سيفيتال)، (متيجي)... وأخرى وطنية مثل (جيبلي)، على أن تكون المرحلة الأخرى هي الانتقال من إشباع السوق المحلي إلى التصدير من جانب تطوير علامة تجارية خاصة بعين الدفلى، خصوصا أن الولاية تحوز على كل المؤهلات لتسجيل إقلاع اقتصادي (أرض، إنتاج، موقع).

ويمكن تجسيد هذا التحول نحو الصناعة التحويلية الغذائية بتشجيع المستثمرين وتحفيزهم عبر إعفاءات ضريبية أو قروض ميسرة وإدماج التكنولوجيا المعتمدة على التقنيات الحديثة في التعليب والتغليف الذكي من نحو التكنولوجيا التي تم عرضها بالطبعة الـ25 للصالون الدولي للصناعات الغذائية (جزاغرو) وعقد شراكات مع الجامعات والمعاهد لتطوير الكفاءات المحلية في الاختصاص.

عين النسور..

على أرض عين الدفلى ما يستحق الحياة، إنها وجهة للاستمتاع بأجمل ما جادت به الطبيعة من سدود وجبال وغابات ووديان ومعالم تاريخية. فقبل سنوات الإرهاب، كانت غابة وشلالات عين النسور بعين التركي بمليانة واحدة من الوجهات الشهيرة للسياح، وهي الواقعة في قمة جبل زكار على ارتفاع 1200م عن سطح البحر، كانت تحتضن مستشفى للأمراض الصدرية، يقصده الزوار من كافة ولايات الوطن، لكن تم حرقه منتصف تسعينيات القرن الماضي من قبل فلول الإرهاب.

بل نتيجة الإرهاب الذي خرب المنطقة فقدت عين النسور واحدة من أبرز سماتها الشهيرة وهي إنتاج الكرز من صنف (بيغارو)، وهو الصنف الذي لا يمكن إنتاجه بمناطق أخرى، منتوج محلي، إذ كانت مليانة تقيم عيد الكرز كل سنة وتستدعي إليه عدة فرق لكرة القدم، مثل المولودية، شبيبة القبائل، جمعية الشلف وغيرها إلى جانب فرق موسيقية، بينها المختصة في أغاني الشعبي، ما يعني أن مليانة كانت واحدة من الوجهات البهيجة لصناعة أجواء الفرح والأعياد لساكنة العاصمة والولايات المجاورة.

استعادة مجد مليانة..

ومع ذلك، فإن الأجواء الآخذة في التشكل تشير إلى أن السلطات تريد بعث الروح في عين النسور وإعادة بعث نشاط زراعة الكرز في إطار القانون الجديد للغابات، في ظل حرص الوالي على تنفيذ مشروع بعث المناطق السياحية الجبلية وتوفير الهياكل الخاصة بها.

بل وتشير مصادر مسؤولة إلى أن بعض المغارات بأعالي مليانة كان يستخرج منها الحديد وكانت تسمى منجم جبل زكار لاستخراج الحديد. ويبدي الوالي اليوم حماسا لإمكانية بعث النشاط داخل المغارات ولكن ليس من أجل استخراج الحديد بل لزرع الفطريات، وعلى أرض مليانة ينام متحف الأمير عبد لقادر.

فالزائر لمدينة عين الدفلى اليوم بوسعه الوقوف على مدينة تفتقر إلى الحدائق وفضاءات الراحة والاستجمام، وضع يطرح بشأنه الساكنة تساؤلات عديدة، وهو الانشغال الذي راح يضغط بثقله على القائمين على تسيير الشأن العام، ما قاد الوالي إلى التفكير في حلول للبحث عن مسالك للترفيه والاستجمام السياحي، بينها مسلك سد غريب بمنطقة الشرفة.

هذا السد هو وجهة رائعة للباحثين عن الهدوء واستكشاف الطبيعة التي فرضت سلطتها، وقد تحول إلى منتجع، به غابة، بيت للشباب وطرقات، كما برمجت فيه ملاعب رياضية ومرافق ترفيهية جوارية. يشير مدير السياحة حكيم عويسي إلى أن هناك منطقتين للتوسع السياحي، واحدة بسد غريب والأخرى بحمام ريغة، وفي هذه الأخيرة تم برمجة موقعين حمويين وفندق كبير ومسبح.

جبل الدوي.. المتنفس

يرى مدير السياحة أن المتنفس الوحيد لساكنة المدينة، الذي يمكن اعتماده والعمل عليه، هو موقع جبل الدوي بمنطقة العابد. يقول بعض المتابعين لملف السياحة إن هذا الموقع الجبلي الواقع قبالة المدينة سبق أن زاره عدة وزراء وكان مبرمجا لاحتضان وسيلة النقل (التليفيريك)، مدينة عين الدفلى – جبل الدوي، خصوصا أن أجزاء من الموقع قد هيئت في وقت سابق.

موازاة مع ذلك، تم اقتراح موقع حموي بمنطقة العطاف، غربي المدينة، ومركب سياحي ببومدفع بشرقها، إذ أن الموقع الجغرافي للولاية جعلها قريبة من العاصمة، وتنوعها بين السياحة الجبلية (غابات وديان وجبال) والدينية والثقافية منحها ميزة تنافسية يمكن أن تكون متنفسا لساكنة المدن الكبرى، الباحثين عن الهدوء والهواء النقي، ولو أن ذلك يمر عبر ترويج إعلامي بتنظيم مهرجانات ثقافية وموسيقية وأعياد خلال فصلي الربيع والصيف لجذب الزوار من العاصمة والولايات المجاورة.

خلاصة القول، يمكن لعين الدفلى أن ترتقي إلى مصاف المراكز الحضرية الكبرى، بتحولها إلى وجهة تجمع بين التسوق والسياحة، في ظل قربها من العاصمة وموقعها المحاذي للطريق السيار شرق غرب.