مبعوث "الخبر" إلى الرياض: رضا شنوف
افتتحت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية للفن المعاصر في حي جاكس الإبداعي بالدرعية بالعاصمة السعودية الرياض، تحت شعار "في الحل والترحال"، بمشاركة فنانين من مختلف دول العالم، تقاطعت فكرتهم عند نقطة أن الفن حركة تربط الذاكرة بالترحال وتصنع حوارًا عالميًا إنسانيًا مستمرًا.
وفي تصريح بمناسبة الافتتاح الرسمي للفعالية الثقافية الدولية، أكدت آية البكري، الرئيس التنفيذي لمؤسسة بينالي الدرعية، أن دورة 2026 تمثل محطة مفصلية في مسيرة المؤسسة، موضحة أن هذا البينالي هو الخامس الذي تنظمه منذ تأسيسها قبل خمسة أعوام. وأشارت إلى أن الدورة الحالية توثّق تنوعًا لافتًا في الممارسات الفنية من مختلف مناطق العالم، وتعكس تسارع الحراك الإبداعي العالمي، إلى جانب تنامي مراكز الفكر والإنتاج الثقافي التي باتت تحظى بحضور مؤثر. وأضافت أن إقامة البينالي في حي جاكس بالدرعية تجسّد دور المؤسسة كجهة منظمة وحاضنة للإبداع، وتسهم في ترسيخ الدرعية منصةً عالمية للتبادل الثقافي والاستثمار في المجتمع.
من جهتهما، أوضح المديران الفنيان للبينالي، نورا رازيان وصبيح أحمد، أن عنوان الدورة "في الحل والترحال" ينطلق من فهم العالم بوصفه فضاءً دائم التشكّل عبر الحركة لا الثبات. وأكدا أن البينالي يدعو الجمهور إلى خوض تجربة فنية تتناول عالمًا يتكون من مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، حيث تشكّلت في هذه المنطقة، عبر التاريخ، أنماط متنوعة من السير والارتحال حملت معها حكايات وأغاني ومفردات، وأسهمت في تكوين أشكال شعرية وإيقاعية. وبيّنا أن استحضار هذه التجارب يفتح المجال لإعادة قراءة حكايات الهجرة والشتات بوصفها خبرات ما تزال حاضرة في الأجساد والمواد والأنغام.
يمتد البينالي حتى 2 ماي 2026، ويُقام بالقرب من حي الطريف التاريخي المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، في تداخل رمزي بين موقع يحمل ذاكرة تاريخية عميقة وممارسات فنية معاصرة تنشغل بأسئلة التحول والعبور والهوية. ويشارك في هذه الدورة 68 فنانًا من أكثر من 37 دولة، مع عرض أكثر من 25 عملًا فنيًا جديدا أنتجت بتكليف خاص من مؤسسة بينالي الدرعية، تأكيدا على دور المؤسسة في دعم الإنتاج الفني بوصفه ممارسة معرفية، لا مجرد عرض بصري.
يحمل البينالي في جوهره قراءة موسعة لمفهوم الترحال، ليس باعتباره حركة جسدية فحسب، بل حالة ثقافية وإنسانية شكلت عبر العصور جسورًا للتواصل بين جزيرة العرب ومناطق واسعة من العالم. وتُستحضر هذه الحركة من خلال تقاطعات بين الفنون البصرية والموسيقى والشعر، بما يعكس حضور التراث الشفوي والسمعي وسيطًا لنقل التاريخ الاجتماعي والذاكرة الجمعية.
وفي هذا السياق، يبرز العمل الأدائي "طيّ الخيام" (2026) للفنان السعودي محمد الحمدان (حمدان)، الذي يستعيد مفهوم القافلة وتحولاته، رابطا بين طقوس الماضي وتحولات الحاضر في ظل الثورة الميكانيكية والرقمية. ويقدّم العمل تأملًا في معنى العبور والاستمرارية من خلال عرض يجمع بين الحركة والموسيقى والأداء الجماعي، ويمثل أحد المفاصل الأساسية في قراءة البينالي لعلاقة الفن بالمجتمع.
أما على المستوى البصري، فتأتي سينوغرافيا البينالي من تصميم استوديو فورما فانتازما الإيطالي، لتعيد تصور العمارة الصناعية في حي جاكس عبر مسارات منحنية ومستويات متداخلة، تعزّز تجربة الزائر بوصفها رحلة متصلة، على مساحة تقارب 12,900 متر مربع تشمل الفضاءات الداخلية والخارجية. ويخدم هذا التصميم الفكرة المحورية للبينالي، حيث تتحول الحركة من مفهوم نظري إلى تجربة حسية ملموسة.
في مجمله، يقدم بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026 خطابا فنيا يتجاوز حدود العرض، ليطرح تساؤلات حول الذاكرة والتعدد ومعنى الانتماء في عالم سريع التحول. وهو بذلك يوجه رسالة واضحة إلى الجمهور العالمي مفادها أن الفن لا يكتفي بعكس الواقع، بل يمتلك القدرة على إعادة قراءته وبناء مساحات جديدة للفهم والتواصل عبر الثقافات.

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال