تشهد الجزائر منذ سنوات تحولا هادئا وعميقا في العادات الاستهلاكية، مدفوعا بالرقمنة المتصاعدة وانتشار الشبكات الاجتماعية. ومع ظهور جيل جديد من المقاولين، سجلت التجارة الإلكترونية نموا مستداما، حيث ينشط آلاف البائعين عبر الإنترنت، وتتدفق مئات الآلاف من الطرود شهريا، حتى أصبحت خدمة التوصيل المنزلي سلوكا اعتياديا في المدن الكبرى.لكن خلف هذا الازدهار الظاهر، تختفي حقيقة معقدة: فوضى هيكلية في السلسلة اللوجستية.
توسعٌ فاق سرعة البنى التحتية
تطور هذا القطاع بشكل عفوي، وفي كثير من الأحيان بأسلوب ارتجالي. فبينما يتضاعف البائعون وتزداد الطلبات، لم تواكب البنية التحتية اللوجستية هذا النسق. يظل نقل الطرود مشتتا تسيطر عليه أطراف متعددة وبأحجام متباينة، مع تفاوت ملحوظ في مستويات التنظيم.وعلى عكس الأسواق الناضجة التي تعتمد على مراكز ربط إقليمية وأنظمة تتبع متطورة، لا يزال الواقع المحلي يرتكز على نماذج تقليدية: التوصيل المباشر، الإدارة اليدوية للمرتجعات، والاعتماد الكلي على الدفع عند الاستلام (Cash on Delivery).
تحدي "الكيلومتر الأخير"
تعتبر مرحلة "الكيلومتر الأخير" الأكثر حرجا وتعقيدا وتكلفة. وتتفاقم الصعوبات نتيجة عدة عوامل:
· غياب نظام عنونة دقيق وموحد في بعض المناطق.
· الارتفاع الملحوظ في معدلات فشل التوصيل.
· كثرة المرتجعات بسبب رفض الاستلام أو غياب الزبون.
· التكاليف التشغيلية العالية المرتبطة بإدارة السيولة النقدية.
تمثل كل عملية توصيل فاشلة خسارة مزدوجة: تكاليف لوجستية إضافية وتجميدا للسيولة، مما يؤثر على ربحية المؤسسات الصغيرة.
فاعلون منظمون ومسالك غير رسمية
تتسم السوق بازدواجية بين فاعلين منظمين ومسالك غير رسمية، مما يعيق توحيد الممارسات وتحسين الأداء التجاري. وفي حين تلعب البيانات دورا مركزيا في الأنظمة اللوجستية المتطورة، لا يزال استغلالها في الجزائر في مراحله الأولى، مما يؤدي إلى نظام محدود الفعالية وتكاليف مرتفعة.ولمواكبة نمو القطاع، أصبحت الهيكلة التدريجية أمرا حتميا من خلال:
· إنشاء مراكز ربط جهوية لمركزة وتوزيع التدفقات.
· تطوير شبكات نقاط استلام تعتمد على محلات القربStop Desks .
· إدراج أدوات رقمية للمتابعة الآنية.
· تحسين التنسيق بين الناقلين والبائعين وتجار التجزئة.
تُمثل كل عملية توصيل فاشلة خسارة مزدوجة: تكاليف لوجستية إضافية وتجميدا للسيولة النقدية، مما يؤثر سلبا على ربحية التجار الإلكترونيين، لاسيما المؤسسات الصغيرة.
تعتبر اللوجستيك رافعة استراتيجية للاقتصاد الوطني، حيث تساهم في إضفاء الطابع الرسمي على الأنشطة وتعزيز ثقة المستهلك. وضمن هذا التحول الرقمي الهائل،تملك الجزائر مؤهلات هامة: شبكة واسعة من المحلات، شباب مقاول، واعتماد سريع للرقمنة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تنظيم هذا النمو وجعله يستجيب للقواعد المعمول بها عالميا.

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال