اقتصاد

الجزائر تواصل إطلاق مشاريع ما بعد البترول

مشروع استغلال منجم الفوسفات ببلاد الحدبة بولاية تبسة،مشروع هيكلي استراتيجي تراهن عليه الجزائر لتثمين الموارد المنجمية.

  • 1498
  • 4:41 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

في سياق التحول الاقتصادي الوطني، يبرز مشروع استغلال منجم الفوسفات ببلاد الحدبة بولاية تبسة، كمشروع هيكلي استراتيجي تراهن عليه الجزائر لتثمين الموارد المنجمية والانتقال من منطق الاستخراج إلى الصناعة والتحويل. ويُنتظر أن يبلغ إنتاجه نحو 10 ملايين طن سنويا، ضمن منظومة صناعية متكاملة تشمل وحدات تحويل بوادي الكباريت في سوق أهراس، مع نقل المنتوج عبر خط سكة حديدية يمر بالطارف وصولا إلى ميناء عنابة الذي يشهد توسعة لاستيعاب النشاط التجاري.

الأبعاد الاستراتيجية والاقتصادية لمشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة

يؤكد الدكتور عثمان عثمانية، أستاذ الاقتصاد بجامعة تبسة، أن مشروع الفوسفات المدمج "بلاد الحدبة" يمثل أحد أعمدة التحول الاقتصادي في الجزائر، باعتباره مشروعا استراتيجيا قادرا على إحداث ديناميكية صناعية حقيقية وتنويع مصادر الدخل، بما يخفف تدريجيا من التبعية لعائدات المحروقات.

ويشير الخبير إلى أن منطقة بلاد الحدبة تزخر باحتياطات تُقدّر بـ2.2 مليار طن من الفوسفات، وفقا لتقرير United States Geological Survey لسنة 2024، ما يضع الجزائر في مراتب متقدمة عربيا وعالميا. ورغم هذا المخزون الضخم، لا يتجاوز الإنتاج الحالي مليوني طن سنويا، يوجّه أغلبه للتصدير عبر ميناء عنابة، وهو ما يعكس فجوة كبيرة بين الإمكانات المتاحة ومستوى الاستغلال الفعلي.

وبالنظر إلى توقعات نمو السوق العالمي للفوسفات إلى 48 مليار دولار في أفق 2031، وسوق الأسمدة الفوسفاتية إلى 101 مليار دولار بحلول 2035، يرى عثمانية أن الجزائر أمام فرصة تاريخية للتموقع كفاعل رئيسي في هذا القطاع الحيوي المرتبط بالصناعات الزراعية والغذائية والكيميائية والدوائية.

ويبرز أن المشروع يستهدف رفع الإنتاج إلى 10.5 ملايين طن سنويا، باستثمارات تناهز 6 مليارات دولار، مع عائدات متوقعة في حدود ملياري دولار سنويا، أي ما يعادل نحو 40 بالمائة من صادرات الجزائر خارج المحروقات. كما يتم تجسيده في إطار شراكة وطنية بين سوناطراك وسوناريم، ما يعكس توجها لتعزيز الاعتماد على القدرات الوطنية في إنجاز المشاريع الكبرى.

ويضيف أن المشروع لا يقتصر على الاستخراج، بل يتضمن مركبا لتحويل الفوسفات ببلدية وادي الكباريت في سوق أهراس، إلى جانب خط سكة حديدية مزدوج بطول 422 كلم يربط المنجم بميناء عنابة، بما يساهم في خفض تكاليف النقل، فك العزلة عن مناطق الشرق، وتحفيز النشاط التجاري، كما يُنتظر أن يوفر نحو 12 ألف منصب شغل مباشر.

وختم الخبير بالتأكيد على أن نجاح المشروع مرهون باحترام آجال الإنجاز ومواجهة المنافسة الدولية وتسريع بناء نسيج صناعي متكامل، بما يكرّس تموقعا اقتصاديا واستراتيجيا للجزائر إقليميا ودوليا.

من الاستخراج إلى التصنيع… تغيير في العقيدة الاقتصادية

من جهته، يؤكد الأستاذ طرطار، الخبير الاقتصادي بجامعة تبسة، أن أهمية مشروع بلاد الحدبة لا ترتبط فقط بحجمه الإنتاجي، بل بكونه يمثل تحولا جوهريا في إدارة الثروة المنجمية. فبرأيه، الانتقال من تصدير الفوسفات الخام إلى إنتاج الأسمدة محليا يعكس تحولا نوعيا من اقتصاد ريعي قائم على بيع المواد الأولية، إلى اقتصاد صناعي يخلق قيمة مضافة ويضاعف العائدات.

ويوضح أن هذا التحويل الصناعي سيساهم في دعم الأمن الغذائي الوطني عبر توفير الأسمدة محليا وتقليص فاتورة الاستيراد، مع فتح أسواق تصديرية جديدة للمنتجات المصنعة بدل الخام ورفع مساهمة القطاع المنجمي في الناتج الداخلي الخام.

وفي قراءته للبُعد اللوجستي، يعتبر طرطار أن خط السكة الحديدية الرابط بين تبسة وميناء عنابة، مرورا بـسوق أهراس والطارف، يتجاوز كونه مرفقا للنقل، ليصبح أداة لإعادة رسم الخريطة الاقتصادية للشرق الجزائري. فالخط سيمكّن من خفض تكاليف النقل وتعزيز تنافسية الصادرات، وتنشيط المناطق التي يمر بها، خاصة الحدودية منها، إلى جانب خلق أقطاب صناعية وعمرانية جديدة وتقليص الضغط على النقل البري وتحسين السلامة الطرقية.

كما أن توسعة ميناء عنابة، وفق تحليله، ستحدث ديناميكية بحرية وتجارية لافتة، من خلال رفع طاقة الاستيعاب وزيادة عدد السفن، وما يرافق ذلك من فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في الميناء والخدمات اللوجستية والمناولة والصيد البحري.

وعلى المستوى الاجتماعي، يُنتظر أن يوفر المشروع ما بين 2500 و3000 منصب شغل مباشر، إضافة إلى آلاف الوظائف غير المباشرة في مجالات النقل والبناء والخدمات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ويرى طرطار أن هذا الأثر يعزز الاستقرار المحلي ويحد من نزوح الشباب نحو المدن الكبرى.

ويضع الخبير المشروع ضمن استراتيجية وطنية أوسع تشمل أيضا مشروع غار جبيلات في تندوف، بما يعكس توجها لربط العمق الصحراوي بالموانئ وتعزيز الاندماج الإفريقي، خاصة نحو موريتانيا وغرب القارة. ويخلص إلى أن بلاد الحدبة ليس مجرد منجم، بل محرك تنموي متعدد الأبعاد يؤسس لنموذج اقتصادي صناعي مندمج إقليميا ومستدام على المدى البعيد.

رافعة لوجستية لتعزيز تنافسية الفوسفات وتنشيط التنمية المحلية

فيما يؤكد الأستاذ البروفيسور ساري نصر الدين، أستاذ وباحث، والأمين العام للمركز الجزائري للدراسات الاقتصادية والبحث وقضايا التنمية المحلية، أن منجم بلاد الحدبة يشكل أحد الركائز الأساسية لسلسلة الفوسفات الوطنية لما له من قدرة كبيرة على الإنتاج وتوفير مادة استراتيجية للاقتصاد الجزائري، ويرتبط المنجم مباشرة بالخط المنجمي الشرقي الذي يربط مواقع الإنتاج بميناء عنابة، مما يسهّل نقل الفوسفات بكفاءة عالية ويقلص تكلفة النقل ويزيد من تنافسية المنتوج في الأسواق الدولية، هذا الربط اللوجيستي المتكامل يعزز قدرة الجزائر على تصدير الفوسفات ومشتقاته بشكل منتظم وموثوق بما يضمن استقرار واستدامة الدخل من هذا القطاع الحيوي.

إلى جانب دوره في تعزيز الصادرات، يمثل المنجم والخط المنجمي، محركا مهما للتنمية المحلية في ولاية تبسة وسوق اهراس وعنابة والمناطق المحيطة بها. فالمشاريع المرتبطة بالمنجم توفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة وتدعم أنشطة الخدمات والمرافق المحلية، كما تشجع على إنشاء استثمارات موازية في النقل واللوجستيك والصناعة بما يسهم في تحسين الدخل وتنشيط الحركة الاقتصادية بالمنطقة الشرقية للبلاد.

كما أن تطوير المنجم وربطه بالبنية التحتية الحديثة يعكس قدرة الدولة على تنظيم الموارد الطبيعية بشكل مستدام ويعزز الشفافية والكفاءة في إدارة قطاع الفوسفات، ويعتبر هذا المشروع نموذجا للتخطيط الاقتصادي طويل الأمد، حيث يضمن توظيف الموارد بشكل فعال ويخلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني ويعزز فرص التنمية المحلية بشكل مستدام.

في المحصلة، لا يُختزل مشروع بلاد الحدبة في كونه منجما للفوسفات بقدر ما يمثّل تحولا هيكليا في الرؤية الاقتصادية للجزائر، قائمًا على تثمين الموارد الطبيعية محليًا وتعزيز سلاسل القيمة الصناعية وربط الثروة المنجمية بالبنية التحتية الحديثة وفي مقدمتها الخط المنجمي الشرقي الممتد نحو عنابة، فالتكامل بين الاستغلال، التحويل والنقل يعكس انتقالًا واعيًا من اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الخام إلى نموذج صناعي تنافسي قادر على خلق الثروة ومناصب الشغل وتحقيق التموقع الإقليمي والدولي.