اسلاميات

تجليات وأنوار العشر الأواخر

“كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله”

  • 8
  • 3:27 دقيقة
الشيخ عبد المالك واضح*
الشيخ عبد المالك واضح*

أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: “كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله”.
إخواني الأعزاء، معاشر الصائمين، ها هي الليالي والأيام تمضي، وها نحن في أفضل ليالي العام، إنها العشر المباركات، عشر النفحات، عشر الأنوار، عشر إقالة العثرات، عشر استجابة الدعوات وعتق الرقاب الموبقات، فربنا سبحانه تفضل علينا بنفحات الخيرات، ومواسم الطاعات، فعلينا أن نغتنم نفائسها، ونتدارك أواخرها، إنها بساتين الجنان تتزين، ونفحات الرحمن تتنزل، فحري بالغافل أن يعاجل، وجدير بالمقصّر أن يشمّر، تالله إنها لنعمة كبرى أن تفضّل مولانا علينا، ومدّ في أعمارنا فبلغنا رمضان وبالتالي بلغنا هذه العشر المباركة، ومن تمام شكر هذه النعمة أن نغتنمها بالأعمال الصالحة، بمقاومة ضعف نفوسنا، وقسوة قلوبنا.
إن من المظاهر المؤسفة الغريبة التي يتألم لها القلب ويحترق في مثل هذه الأيام المباركة، ظاهرة ضعف الإقبال على العبادة والطاعة في العشر الأواخر من رمضان، ويظهر هذا الأمر جليا في عدد المصلين في الأيام الأولى من رمضان، وعددهم في الأيام الأخيرة منه، فلا يزال عدد المصلين في صلاة التراويح يقل، والمشكلة أن هذا النقص يحدث في أفضل ليالي الشهر، بل وفي ليلة القدر، ترى المساجد تُهجّر، والأسواق تُعمّر في أعظم ليالي السنة وأفضلها، بل وفي الساعة الشريفة التي ينزل فيها ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ليُعطي السائلين سؤلهم، ويغفر للمذنبين الباكين في الثلث الأخير من الليل.
لقد انتصر الشيطان على كثير من أبناء أمة الحبيب صلّى الله عليه وسلم، فأوقعهم أولا في كثير من المعاصي والذنوب، ثم صرفهم عن الفرصة العظيمة لطلب المغفرة، والحصول على العفو الشامل للذنوب، بحرمانهم من قيام تلك اللّيلة الّتي من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. فالله الله أيها المؤمن الفاضل لا تفوتنّك هذه الفرصة العظيمة، فوالله لا يدري الواحد فينا هل يدركها مرة أخرى، أم يكون ساعتها تحت الثّرى مرهون بما قدّم لنفسه!! وهي ليال معدودة تمُرّ سريعا، والموفّق من وفقه الله لاغتنامها.
إن طاعة مولانا وخالقنا والتقرب إليه والإقبال عليه مطلوبة في كل حال، ولكنها في العشر الأخيرة من رمضان أعظم فضلا وأكثر أجرا؛ حيث يقترن فيها الفضل بالفضل، فضل العبادة وفضل الزمان، ولنا في مرشد البشرية صلّى الله عليه وسلم خير أسوة، ففي الصحيح أنه صلّى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأيقظ أهله، وأحيا ليله.
فيا أيها الغافل اهجر لذيذ النوم والكسل، وانصب قدميك، وارفع همتك، عسى أن تكون ممن قال الله فيهم: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون}، ولا تنس أن تأمر بهذا أولادك وزوجك، كما كان هدي الحبيب صلّى الله عليه وسلم.
إخواني وأحبابي، علينا أن نحرص في طلب تلكم الليلة العظيمة التي لا يحرُم خيرَها إلا محروم، إنها ليلة العتق والمباهاة، ليلة القُرب واللذة والمُناجاة، ليلة نزول القرآن، ليلة الرحمة والغفران، ليلة هي أم الليالي، تتجلى فيها البركات، وتعزّ فيها الساعات، القليل من العمل فيها كثير، والكثير منه مضاعف: كيف لها وفيها شهر قال فيه سيد الخلق: “كل عمل ابن آدم يضاعف؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك”، كيف لا وقد قال فيها ربنا: {ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها}، ففي تلك الليلة خلق عظيم ينزل من السماء لشهود تلك الليلة: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أْمر، سلام}، هي ليلة سلام وبركات على أمة الحبيب صلّى الله عليه وسلم.
فليلة القدر ليلة عظيمة من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، فيا حسرة من فاتته، ويا أسفى على من لم يجتهد فيها، وهي إحدى ليالي العشر بلا شك، وإنما الشك في تحديدها، والصحيح أنها تتنقل بين ليالي العشر، وليالي الوتر آكد، وأرجاها ليلة سبع وعشرين، وبعض الناس يتوهم أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين دائما في كل سنة، وهذا الوهم يرده ما ورد في الآثار الصحيحة أنها وقعت في غير هذه الليلة.
وقد أخفى سبحانه هذه الليلة في العشر ليجتهد المسلم في العبادة، فمن اجتهد في العشر كلها فقد أدرك ليلة القدر بلا شك، فلنغتنم هذه الليلة المباركة، ولنعمّرها بالقيام وتلاوة القرآن، ولنكثر فيها من ذكر الله وسؤاله المغفرة والنجاة من النار.. والله ولي التوفيق.
* إمام مسجد عمر بن الخطّاب – بن غازي - براقي