اسلاميات

”وثيقة بناء الجسور نموذج تاريخي في إدارة التنوع داخل إطار الوحدة”

بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية لا يتحقق بالبيانات أو الوثائق وحدها

  • 27
  • 5:35 دقيقة

أكد رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية، الشيخ سفيان زيان مهاجري، في حوار لـ«الخبر”، أن مبادرة “بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية” التي أطلقتها رابطة العالم الإسلامية بمكة المكرمة العام الماضي “تنسجم مع التجربة الحضارية للجزائر التي عُرفت عبر تاريخها بدورها في ترسيخ منهج الاعتدال والوحدة، حيث حافظ المجتمع الجزائري عبر قرون على تماسكه الديني بفضل المرجعية العلمية القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني”، مشدّدا على أن هذه الوثيقة “نموذج تاريخي في إدارة التنوع داخل إطار الوحدة”، مؤكدا أن “الجزائر بتاريخها العلمي والإصلاحي قادرة على أن تسهم في دعم مثل هذه المبادرات التي تهدف إلى تعزيز وحدة الأمة الإسلامية وترسيخ خطاب الوسطية والاعتدال.

شاركتم في رمضان من العام الماضي علماء الأمة في التوقيع على وثيقة “بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية”، فما مضمون هذه الوثيقة؟
 وثيقة “بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية” تمثل مبادرة علمية وفكرية مهمة أطلقتها رابطة العالم الإسلامي، بمشاركة نخبة واسعة من كبار العلماء والمفتين والمفكرين من مختلف المذاهب والمدارس الفقهية في العالم الإسلامي، وقد جاءت في سياق الحاجة الملحّة إلى ترسيخ خطاب إسلامي جامع يعزّز الوحدة ويُحسن إدارة التنوع المذهبي داخل الأمة. وقد كان لي شرف المشاركة في المؤتمر التأسيسي الذي وُلدت فيه هذه الوثيقة في مكة المكرمة خلال شهر رمضان من عام 1445هـ، حيث اجتمع علماء الأمة بجوار قبلتهم الجامعة لإقرار هذه المبادرة التاريخية، كما شاركت كذلك في المؤتمر الثاني الذي عُقد في مكة المكرمة لمتابعة مسار هذه المبادرة وترجمة مضامينها إلى برامج عملية. وفي هذا العام، شاركت أيضا في إحياء الذكرى الأولى للوثيقة خلال الملتقى الرمضاني الذي نظّمه اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي “يونا” في مدينة جدة في الثامن من شهر رمضان، بحضور نخبة من العلماء والمفكرين والإعلاميين وممثلي المؤسسات الإعلامية في العالم الإسلامي. وقد أكد هذا اللقاء أن الوثيقة أصبحت مرجعية مهمة للخطاب الإسلامي المسؤول، لاسيما في المجال الإعلامي، لأنها ترسم خارطة طريق للتعامل مع التنوع المذهبي داخل الأمة بروحٍ علمية متوازنة، تقوم على إبراز المشتركات وتجنّب إثارة الخلافات. أما من حيث مضمونها، فإن جوهر هذه الوثيقة يقوم على ترسيخ حقيقة أساسية في الفكر الإسلامي، وهي أن الاختلاف الفقهي والتنوع المذهبي ظاهرة طبيعية في تاريخ الأمة الإسلامية، وقد كان هذا التنوع عبر القرون مصدر ثراء علمي واجتهادي كبير، لا سببا للصراع والانقسام. ولهذا ركزت الوثيقة على جملة من المبادئ الأساسية، من أهمها: احترام المذاهب الإسلامية المعتمدة وتقدير مدارسها العلمية، رفض خطاب التكفير والكراهية والتحريض بين المسلمين، تعزيز ثقافة الحوار العلمي الرصين بين العلماء والمؤسسات الدينية، وإبراز المشتركات الكبرى التي تجمع المسلمين في العقيدة والعبادة والقيم الحضارية. كما أقرّت المؤتمرات المصاحبة للوثيقة خطة استراتيجية وتنفيذية لتعزيز التعاون بين المذاهب الإسلامية، إلى جانب إنشاء مجلس تنسيقي بين المذاهب الإسلامية يضم عددا من العلماء المشاركين في هذه المبادرة، إضافة إلى إصدار موسوعة المؤتلف الفكري الإسلامي التي تهدف إلى إبراز مساحات الاتفاق في الفكر الإسلامي.

كيف تنظر هيئتكم لهذه الوثيقة؟
 من موقعنا في الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية، فإننا ننظر إلى هذه الوثيقة بوصفها خطوة مهمة في إعادة توجيه الخطاب الإسلامي نحو ثقافة التفاهم والوحدة والتعاون، وهي قيم يحتاجها العالم الإسلامي كما تحتاجها المجتمعات المسلمة في أوروبا، حيث يعيش المسلمون في إطارٍ متعدد الثقافات والمذاهب ويحتاجون إلى خطاب جامع يعزز التعايش والاحترام المتبادل. ومن زاوية أخرى، فإن هذه المبادرة تنسجم كذلك مع التجربة الحضارية للجزائر التي عُرفت عبر تاريخها بدورها في ترسيخ منهج الاعتدال والوحدة، حيث حافظ المجتمع الجزائري عبر قرون على تماسكه الديني بفضل المرجعية العلمية القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، وهو نموذج تاريخي في إدارة التنوع داخل إطار الوحدة. ولهذا، فإن الجزائر بتاريخها العلمي والإصلاحي قادرة على أن تسهم في دعم مثل هذه المبادرات التي تهدف إلى تعزيز وحدة الأمة الإسلامية، وترسيخ خطاب الوسطية والاعتدال.

هل تعتقد أنه بإمكان الأمة تجاوز الخلافات الفقهية والعقدية بين أتباع مذاهبها؟
الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل لم تكن يوما أمة ذات مذهب واحد، بل عاشت قرونا من التعدد الفقهي والمدرسي دون أن يتحول ذلك إلى صراع وجودي يهدد وحدتها. فقد كان الاختلاف بين العلماء في كثير من المسائل الفقهية جزءا من الحيوية العلمية في الحضارة الإسلامية، وكان العلماء الكبار يتعاملون معه بروح الاحترام المتبادل والتقدير للاجتهاد. المشكلة في عصرنا ليست في وجود الاختلاف ذاته، وإنما في سوء إدارة الاختلاف، أو في تسييسه وتوظيفه في الصراعات الفكرية أو الإيديولوجية أو حتى الإعلامية. ولذلك، فإن تجاوز التوترات المذهبية لا يعني إلغاء الاختلاف، فهذا أمر غير ممكن ولا مطلوب، وإنما يعني إدارة الاختلاف إدارة علمية وأخلاقية راشدة. وأعتقد أن الأمة قادرة على تجاوز الكثير من هذه التوترات إذا توفرت ثلاثة شروط أساسية: 1-إحياء أدب الاختلاف الذي كان سائدا بين علماء المسلمين، حيث كان الخلاف الفقهي لا يفسد للود قضية. 2-إبعاد القضايا المذهبية عن الاستقطابات السياسية والإعلامية التي كثيرا ما تؤجج الخلافات. 3-تعزيز دور المؤسسات العلمية المشتركة التي تجمع علماء الأمة على الحوار والتعاون في القضايا الكبرى. ولعل التجربة التاريخية لبلدان مثل الجزائر تقدم نموذجًا مهمًا في هذا المجال، حيث حافظ المجتمع الجزائري عبر تاريخه على قدر كبير من التماسك الديني والاجتماعي، بفضل المرجعية العلمية الوسطية التي أسهمت في تجنيب المجتمع الكثير من الانقسامات المذهبية.

ما البرامج العملية الكفيلة ببناء الجسور بين المذاهب الإسلامية؟
 بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية لا يتحقق بالبيانات أو الوثائق وحدها، على أهميتها، وإنما يحتاج إلى برامج مؤسسية عملية ومستدامة تُترجم هذه المبادئ إلى واقع ملموس. ومن أهم هذه البرامج في تقديري: 1-إطلاق منصات علمية مشتركة للحوار الفقهي والفكري، تجمع علماء المذاهب المختلفة لمناقشة القضايا المعاصرة بروح علمية هادئة بعيدا عن التشنج. 2-إدراج ثقافة التعدد المذهبي في المناهج التعليمية في الجامعات والمعاهد الشرعية، بحيث يتعرّف الطالب منذ بداية تكوينه العلمي على المدارس الفقهية المختلفة في إطار من الاحترام والتقدير المتبادل. 3-تنظيم مؤتمرات وملتقيات علمية دورية تجمع المؤسسات الدينية والجامعات والمراكز البحثية في العالم الإسلامي لتعزيز التعاون العلمي بينها. 4-تعزيز دور الإعلام المسؤول في نشر خطاب الاعتدال والتقارب، والابتعاد عن إثارة الخلافات أو تضخيمها، لأن الإعلام اليوم أصبح فاعلا رئيسيا في تشكيل الرأي العام. وفي أوروبا على وجه الخصوص، نحن نعمل في الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية على تعزيز هذه الروح، من خلال برامج الحوار العلمي والتعاون بين المؤسسات الإسلامية المختلفة، لأن المسلمين في الغرب ينتمون إلى خلفيات ثقافية ومذهبية متعددة، وهم بحاجة إلى خطاب جامع يعزز وحدتهم ويساعدهم على تقديم صورة إيجابية عن الإسلام في المجتمعات الأوروبية.

كيف تقيّم جهود الرابطة في توحيد الصف الإسلامي؟
خلال السنوات الأخيرة، قامت بدور ملحوظ في تعزيز الحوار بين العلماء والمؤسسات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم، من خلال تنظيم المؤتمرات العلمية الكبرى وإطلاق المبادرات الفكرية التي تسعى إلى تعزيز خطاب الاعتدال والوحدة. ومن أبرز هذه المبادرات “وثيقة مكة المكرمة” ومبادرة “بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية”، وهما مبادرتان تهدفان إلى تعزيز المشترك الإسلامي وترسيخ ثقافة الحوار والتفاهم داخل الأمة. ولا شك أن توحيد الصف الإسلامي ليس مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هو مسؤولية جماعية تشترك فيها المؤسسات الدينية والعلمية والفكرية في العالم الإسلامي. غير أن المبادرات التي تقودها الرابطة تسهم في توفير منصة علمية جامعة للحوار والتقريب بين الرؤى المختلفة، وهو أمر بالغ الأهمية في المرحلة الراهنة التي يواجه فيها العالم الإسلامي تحديات فكرية وسياسية وإعلامية معقدة. ومن موقعنا في أوروبا، نرى أن هذه الجهود تكتسب أهمية مضاعفة، لأنها تساعد المسلمين على تعزيز وحدتهم الداخلية، وتقديم نموذج حضاري متوازن يعكس القيم الحقيقية للإسلام القائمة على الاعتدال والتعايش واحترام التنوع.