اسلاميات

التيسير في الحج بين رُخَص الشرع وتشديد الناس

النبي صلّى الله عليه وسلم قرر مبدأ التيسير والتخفيف والترخيص في الحج

  • 9
  • 2:42 دقيقة
الدكتور يوسف نواسة
الدكتور يوسف نواسة

قال ربنا الرؤوف الرحيم في كتابه: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}، {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}، {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا}، {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج}، وقال عن رسوله صلّى الله عليه وسلم: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم}. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “... ولكني بُعِثت بالحنيفية السمحة” رواه أحمد. وقالت عنه عائشة رضي الله عنها: «ما خُيِّر رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن فيه إثم؛ فإذا كان فيه إثم كان أبعد الناس منه» رواه أحمد.

هذه نصوص صحيحة صريحة في أن من مقاصد الشرع: التيسير والتخفيف ورفع الحرج عن المكلفين، استنبط علماؤنا منها قواعد كلية تهدي الفقيه وتضبط اجتهاده: [المشقة تجلب التيسير]، [إذا ضاق الأمر اتسع]، [الضروريات تُبيح المحظورات]، [الضرورات تُقدَّر بقدرِها]، [الحاجة المتحققة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة]، [لا واجب مع العجز]، [ما حرم تحريم الوسائل يُباح للحاجة]، [الميسور لا يسقط بالمعسور]، [إذا تعذر الأصل يُصار إلى البدل، وله حكمه]...إلخ.

واعتبارا لهذه الآيات والأحاديث قرر السادة المالكية: أنه يقدم القول الضعيف الذي جرى به العمل على القول الراجح مراعاة للعُرف أو جلبا لمصلحة أو دفعا لمفسدة.

والله عز وجل ما يسّر على عباده وما رخّص لهم رخصه إلا ليعملوا بها، ويخفّفوا على أنفسهم، كما جاء في الحديث: “إن الله يحب أن تُؤتَى رُخَصُه كما يكره أن تُؤتَى معصيته” رواه أحمد. “إن الله تبارك وتعالى يحب أن تُؤتَى رُخَصُه كما يحب أن تُؤتَى عزائمه”. “إن الله يحب أن تُقبَل رُخَصُه كما يحب العبد مغفرته” رواهما الطبراني وغيره.

فالشرع يُسر، ورغّب الناس في الأخذ بالرُّخص، وإنما يدخل التشديد والعنت على الناس من قبلهم، كحال اليهود لما أمروا بذبح البقرة، فتعنّتوا وأرهقوا أنفسهم، عنِ ابن عباس رضي الله عنه قال: “لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها، ولكنهم شدّدوا فشدَّد الله عليهم”، وهكذا حال بعض المسلمين يتبعون سَنن من قبلنا؛ فيتشددون ويُشددون!

لقد شاع عند كثيرين أنه إذا كان المفتي أو المتكلّم في الدّين متشدّدًا، لا يترخّص ولا يُيَسِّر، متمسكًا بحرام ولا يجوز؛ فمعناه أنه متديّن بحقّ، راسخ في العلم!. لكن حقيقة الأمر غير ذلك؛ فالحق أنه كلما ازداد العالم علما واطلاعا على اختلاف العلماء، كلما كان أكثر تيسيرا، وأكثر إفتاء بالرخص للناس!، وهذا ليس قولي بل قول ساداتنا العلماء والتابعين، قال سفيان الثوري رضي الله عنه: “إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد”.

نعم، ما أسهل قولة: حرام، لا يجوز... وهذا ما يتمسك به المتعالمون المدّعون!. لكن الفقيه الحق من يُقلّب نظره في مذاهب العلماء وأقوالهم؛ ويُعطي للمستفتي حلاً لمشكلته من بينها دون أن يخرج عنها، فيكون له فيها إمام، ويكون هو الإمام! ولهذا قال الإمام التابعي قتادة بن دعامة الدوسي رضي الله عنه: [مَن لم يعرف الاختلاف لم يشمّ أنفه الفقه]، وقال الإمام التابعي عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه: [لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك ردّ من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه]. هذا الحكم عام في كل أبواب الشرع وأحكامه، لكنه يتجلى أكثر في الحج الذي بنيت أغلب أحكامه على التخيير؛ والتخيير أخو التيسير؛ ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم قرر مبدأ التيسير والتخفيف والترخيص في الحج باللفظ الصريح، فما سُئِل عن شيء قُدِّم ولا أُخِّرَ من أعمال يوم النحر إِلا قال: “افعَل ولا حرج” رواه البخاري.

*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة