شدد المشاركون في الملتقى الوطني الذي احتضنته جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، على ضرورة ضبط آليات التوظيف المقاصدي في الدراسات المعاصرة، مؤكدين على أهمية صياغة تآويل رشيدة توازن بين النص والمصلحة وتستجيب لمقتضيات الواقع الرقمي والقانوني المعقد.
أوصى المشاركون في هذا الملتقى بتفعيل الجانب التطبيقي لمقاصد الشريعة في القضايا المستجدة مثل “القرارات الطبية”، وضرورة دمج المناهج البحثية للعلوم الاجتماعية مع الدراسات المقاصدية. وكذلك تبني مقاربات بينية تعزز حضور المقاصد في ضبط الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
جاء هذا الحدث العلمي الذي نظمه مخبر البحث في الدراسات الشرعية وقسم الفقه وأصوله يوم الثلاثاء الماضي، تحت عنوان “التنظير المقاصدي المعاصر: بين الانضباط المنهجي وإشكالية التوظيف”، ليسلط الضوء على الفجوات المعرفية التي أفرزها التوسع غير المنضبط في استعمال المقاصد بعيدا عن السياقات الأصولية الصارمة.وارتكزت المداخلات العلمية على تشخيص إشكالات الفهم المقاصدي الحديث، حيث دعا الباحثون إلى تفعيل المقاصد الشرعية في التشريع الوضعي بما يحافظ على الهوية الإسلامية ويحقق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.
وقد أوضح الأستاذ الدكتور كمال لدرع، من جامعة الأمير عبد القادر، خلال مداخلته العلمية الموسومة بـ “النظر في المآلات وأثره في تنزيل الأحكام الشرعية”، أن جوهر التجديد المقاصدي يكمن في الانتقال من مرحلة استنباط الأحكام إلى مرحلة تنزيلها واقعيا.
وشدد لدرع على أن “النظر في المآلات” يمثل استشرافا لمستقبل تطبيق الحكم الشرعي، حيث لا يكفي صحة النص بل يجب ضمان تحقيقه للمصلحة والخير للبشرية عند التطبيق، فإذا أدى الحكم لضرر جراء ملابسات الواقع، وجب التوقف لضمان روح الشريعة.
وقدم الدكتور أحمد ديب، الباحث بجامعة أم البواقي، رؤية تجديدية حول “أولويات البحث في الدراسات المقاصدية”، حيث ركز على ضرورة الانتقال من التنظير الفقهي التقليدي إلى الفضاء التطبيقي المعاصر.
وشدّد ديب على أن إثراء البحث المقاصدي يكمن في الانفتاح الجريء على العلوم الإنسانية والاجتماعية، واستخدام أدوات منهجية حديثة تخرج بالمقاصد من بطون الكتب إلى واقع الناس؛ لتكون ضابطا أخلاقيا ومعياريا للقرارات الكبرى في مجالات حيوية كالطب المعاصر، والسياسة، والمنظومات التربوية الحديثة، بما يضمن استجابة الشريعة لتحديات العصر.
واستعرض الأساتذة المشاركون من مختلف الجامعات الجزائرية سبل تجديد علم المقاصد عبر مقاربات نقدية وبنائية، مع التركيز على دور المقاصد في معالجة القضايا الحيوية، كالاقتصاد الرقمي وقضايا البيئة وإصلاح تشريعات الأسرة، مشيرين إلى أن التكامل بين المقاصد والعلوم المعاصرة هو السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الفكرية المتجددة.
واختتم الملتقى أشغاله بتقديم رؤية منهجية تفرق بين التوظيف العلمي المشروع والتوظيف الأيديولوجي أو الانتقائي للمقاصد، حيث شددت التوصيات على وجوب إحياء فقه المآلات في تنزيل الأحكام الشرعية. كما أبرزت الجلسات الختامية برئاسة اللجنة العلمية والعمادة أهمية تعميق البحث في الأسس النظرية لعلم المقاصد لضمان استقرار الفتوى وتطوير المنظومة القانونية والقضاء، بما يخدم المصالح العليا للأفراد والمجتمعات في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، مع فتح آفاق جديدة للبحث المقاصدي وتفعيله مؤسسيا لضمان أصالة المرجعية وحداثة التطبيق.
صوفيا منغور
06/05/2026 - 23:27
صوفيا منغور
06/05/2026 - 23:27
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال