العالم

صبر الرياض وصل إلى النهاية

الخلافات بين بعض العواصم العربية لم تعد تدار في الغرف المغلقة، بل تحولت إلى صراعات مفتوحة.

  • 2086
  • 2:33 دقيقة
رئيس الإمارات، محمد بن زايد (على اليمين) مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الصورة: ح.م.
رئيس الإمارات، محمد بن زايد (على اليمين) مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الصورة: ح.م.

بلغت التوترات الإقليمية مستوى غير مسبوق، وبات من الواضح أن الخلافات بين بعض العواصم العربية لم تعد تدار في الغرف المغلقة، بل تحولت إلى صراعات مفتوحة تظهر تأثيرها على الملفات السياسية والرياضية والإعلامية، وتضع المنطقة أمام تحديات خطيرة.

في هذا السياق، يبرز ملف كأس العالم 2034 في المملكة العربية السعودية كأحد أبرز العناوين التي أظهرت حجم التدخلات الإقليمية، وتكشف عن حملة واسعة وصفت بأنها تهدف إلى عرقلة تنظيم المملكة لهذه التظاهرة الرياضية المرموقة. وتشير معلومات مؤكدة إلى أن الإمارات تحركت على أكثر من جبهة، مستغلة علاقاتها وشبكاتها في الغرب والشرق، بما في ذلك الهند، ضمن مسار دبلوماسي وإعلامي يهدف إلى التأثير على صورة المملكة وتوجيه الرأي العام ضدها.

ورافق هذه التحركات نشاط مكثف على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تصاعدت الانتقادات الموجهة لأبوظبي حول دورها في المنطقة، لا سيما في الصومال والسودان وليبيا واليمن، حيث وصفت تدخلاتها بمحاولات لتفكيك مؤسسات الدولة وإضعاف استقرارها الداخلي. وقد انعكست هذه السياسات على الرأي العام العربي والإسلامي، الذي اعتبر أن هذه التدخلات تهدد التضامن العربي وتقوض سيادة الدول المستهدفة.

وليس ملف السعودية الرياضي سوى رأس جبل الجليد، فالتدخلات الإماراتية امتدت إلى ملفات سياسية وأمنية شديدة الحساسية، من غزة والقضية الفلسطينية إلى النزاعات في الساحل الإفريقي والملفات الداخلية لبعض الدول العربية. ويبدو واضحا أن هذه التحركات لم تكن عشوائية، بل مرتبطة بمحاولات مدروسة لإضعاف مواقف الدول العربية في ملفات استراتيجية، ما أدى إلى تصاعد الاحتقان وفتح جبهة جديدة من التوترات الإقليمية.

وبينما كانت الإمارات تتحرك في الخفاء لإعادة ترتيب مصالحها الإقليمية على حساب الجوار العربي، أظهرت المملكة العربية السعودية -وقبلها الجزائر- صبرا طويلا، لكنها وصلت إلى مرحلة لم تعد تسمح فيها بالاستمرار في الصبر والتسامح. وبدأت الرياض في اتخاذ خطوات حازمة لضمان حماية مصالحها ومكانتها الإقليمية، مؤكدة أن أي محاولة للتدخل في شؤونها الداخلية أو التأثير على ملفاتها الحيوية لن تمر دون حساب.

ويشير المراقبون إلى أن سياسات الإمارات أثارت غضبا شعبيا واسعا، حيث أعادت التجارب السابقة في الصومال والسودان وليبيا واليمن ومنطقة الساحل الصحراوي إلى الواجهة، وأكدت أن تدخل الدول الخارجية في شؤون عربية حساسة يؤدي إلى توترات طويلة ويضعف الاستقرار، وهو ما دفع الرأي العام العربي والإسلامي إلى التعبير عن استياء متزايد من هذا التوجه.

وفي هذا الإطار، يظهر جليا أن ما جلب الغضب ليس فقط التدخل الإماراتي في الملف الرياضي، بل حزمة من السياسات والتحركات الإقليمية التي تهدف إلى التأثير على سيادة الدول العربية وإضعاف التضامن العربي، وهو ما دفع المملكة إلى وضع حد نهائي لكل هذه السياسات.

وفي هذا الصدد، كانت الجزائر من الدول السباقة إلى التحذير منذ ست سنوات، مؤكدة أن الشر القادم من شقيق مفترض أحيانا أخطر من أي تهديد خارجي أو من خصوم تقليديين.

ويرى مراقبون أن الواقع الإقليمي اليوم يفرض على العرب التركيز على التضامن والمصالح المشتركة، وتوحيد الصفوف لمواجهة أي محاولات لزعزعة الاستقرار. فالرهان الحقيقي يجب أن يكون على حماية مصالح الشعوب العربية والإسلامية، وتعزيز استقرار الدول داخليا وخارجيا، بعيدا عن أي سياسات تهدف إلى الاستقطاب وزرع الانقسامات.

وتؤكد التطورات الأخيرة أن أي تحرش بالمصالح العربية ليس مجانيا، وأن الوحدة والتنسيق هما السبيل الوحيد لمواجهة محاولات تقويض استقرار المنطقة ومكانة دولها على الساحة الدولية، وهو الدرس الذي فرضته التجربة الإماراتية في ملفات متعددة، من الجزائر والرياض ومصر وقطر وتركيا إلى دول أخرى عربية وإفريقية.