باريس تطالب بعدم تجديد عهدة المقررة الأممية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيز، فقط لأنها طالبت بتنفيذ واحترام القانون الدولي، ولكنها تسمح بعبور رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الأجواء الفرنسية دون أدنى تحفظ، وهو الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف دولية من محكمة الجنايات الدولية بارتكاب إبادة جماعية. وها هو وزير الداخلية الفرنسي يحمل في حقيبته لزيارة الجزائر دعوة لترحيل جزائريين من فرنسا، لأنه يندرج كما يقول في احترام القانون الدولي الذي تستعمله باريس كشماعة حسب تغير فصول السنة.
مثلما بنت وزارة الخارجية الفرنسية حملتها ضد المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز، على معلومة محرفة كاذبة، مثلما أسست وزارة الداخلية الفرنسية في عهد روتايو حملتها ضد الجزائر على أخبار مزيفة وكاذبة، سواء في حكاية المؤثرين أو مع حكاية بوعلام صنصال أو فيما يتعلق بـ "ملف المرحلين" والهجرة السرية وتتهم السلطات الجزائرية بأنها لا تحترم التزامات القانون الدولي في هذا المجال.
هكذا تجزئ باريس القانون الدولي حسب مقاسها، فهي تضع المقررة الأممية ضمن محور الشر، وهي التي طالبت بتنفيذ القانون الدولي كله بدون معايير مزدوجة وتبرئ نتنياهو وتعفيه من التزاماته الدولية، وهو المطلوب توقيفه بتهم الإبادة في غزة من قبل محكمة الجنايات الدولية. فهل على هذا المنوال يريد وزير الداخلية الفرنسي أن يجعل من الجزائريين الذين صدرت بحقهم قرارات ترحيل إدارية، الجزء الظاهر فقط من جبل جليد القانون الدولي الذي تراه باريس ولا رابطة بينه وبين ملف الذاكرة والأرشيف ومخلفات التجارب النووية واتفاقية الهجرة التي لا يجب حسب الإليزي والكيدورسي أن تكون مرتبطة بعقد واحد في العلاقة بين فرنسا والجزائر، بل حباتها متناثرة عن بعضها البعض ولا يجمع بينهما أي رابط في أي تفاوض أو مفاوضات. هكذا تريد باريس أن تختصر القانون الدولي فيما يخدم مصلحتها وتضغط لتحقيق مآربها من ورائه بكل الوسائل بما فيها الضرب تحت الحزام وما يفضح جرائمها تتكتم عليه وتعمل كل شيء لعرقلة تنفيذه، ولو باستعمال الأخبار الكاذبة وحملات الشيطنة الإعلامية والسياسية، والسعى لفرض سردية تاريخية غير تلك التي دونها المؤرخون والشهود العيان لتبييض الماضي الاستعماري البغيض.
في سلم العلاقات بين الدول، التاريخ يأبى أن يقفز فوقه أو عليه، وهي أولى درجة في سلم العلاقات التي يتعين تسويتها وعدم القفز عليها، لأن الصعود في السلالم أفضل من القفز في المجهول، وهي ليست بدعة ولا اختراع ولا استغلال لما يسميه مانويل ماكرون "ريع الذاكرة"، بل هو ببساطة حق للدول في القانون الدولي في استرجاع ممتلكاتها المنهوبة وأرشيفها المسروق ورموزها وجماجم مقاوميها، فحتى إيطاليا التي وصفت بـ "الفاشية"، اعتذرت عن جرائمها في ليبيا وقدّمت تعويضات لذلك في عهد رئيس الحكومة برلسكوني، وألمانيا التي سميت بـ "النازية" اعتذرت عن إبادتها لقبائل في ناميبيا ومنحت مليار دولار تعويضات تنموية عن ذلك، لكن فرنسا التي تطلق على نفسها بأنها بلد الأنوار والحرية والديمقراطية يؤمن رئيس حكومتها الأسبق إدوارد فيليب بأن "الاستعمار ليس جريمة"، وهو ليس إنكار لحقيقة تاريخية تعتبر "جريمة يعاقب عليها القانون"، بل دليل إثبات عمن يستغل فعلا "ريع الذاكرة" لحصد أصوات انتخابية، ولذلك كان رد المقررة الأممية ألبانيز بكل برودة "لن أستقيل من منصبي، ولن أتلقى دروساً من دول تنتهك القانون الدولي وتتقاعس عن إدانة الإبادة الجماعية".

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال