العالم

من مضيق هرمز إلى واشنطن

لطالما شكل موقع المرشد الأعلى العقدة المركزية في النظام السياسي الإيراني، الذي أقام صيغة فريدة تجمع بين الشرعية الدينية والسلطة السياسية.

  • 344
  • 3:10 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

باغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، آية الله علي خامنئي، في عملية عسكرية أمريكية صهيونية مشتركة استهدفت مقر قيادته في طهران، تدخل إيران أكثر مرحلة انتقالية حساسية في تاريخها منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979.

فاغتيال الرجل الذي حكم البلاد طيلة 36 عاما وأعاد تشكيل بنيتها السياسية والدينية والعسكرية، لا يمثل مجرد تغيير في قمة الهرم، بل يفتح الباب أمام إعادة هيكلة للنظام في لحظة حرب مفتوحة، مع ما يعنيه ذلك من تداعيات جيوسياسية تمتد إلى كامل منطقة الشرق الأوسط .

لطالما شكل موقع المرشد الأعلى العقدة المركزية في النظام السياسي الإيراني، الذي أقام صيغة فريدة تجمع بين الشرعية الدينية والسلطة السياسية. وتُقيم فوق مؤسسات الدولة بنية موازية تتمحور حول المرشد وأجهزة الثورة، في مقدمتها الحرس الثوري الإيراني. كان خامنئي، الذي خلف الخميني عام 1989، مهندس هذه البنية التي حوّلت منصب الولي الفقيه من موقع ديني-سياسي إلى مركز ثقل يضبط إيقاع الدولة ويحدد سقوفها السياسية والأمنية.

وباغتياله، لا تطوى فقط سيرة رجل حكم إيران لأكثر من ثلاثة عقود، بل يُفتح سؤال وجودي حول قدرة النظام الذي هندسه على الصمود دون مركز ثقله الرمزي والشرعي، فالمرشد لم يكن مجرد رئيس للدولة، بل كان المرجعية النهائية في إدارة التوازن بين جناحي النظام – الإصلاحيون والمحافظون – وصاحب الكلمة الفصل في تحديد حدود التحرك السياسي، بما يضمن بقاء النظام متماسكا رغم العقوبات والاحتجاجات والضغوط الإقليمية والدولية. إقليميا، كان خامنئي الرقم الصعب في معادلات الشرق الأوسط، إذ صاغ إستراتيجية اعتمدت على الاستثمار في شبكة من الحلفاء الإقليميين وتكريس "محور المقاومة" بوصفه أداة ردع ووسيلة لبناء عمق استراتيجي عابر للحدود، وصولا إلى استراتيجية تطويق الكيان بطوق متعدد الجبهات .

مع اغتيال خامنئي، ينتقل النقاش حول خلافته من إطار الاستحقاق الطبيعي إلى مستوى التهديد الأمني المباشر. دستوريا، ينص الدستور الإيراني في المادة 111 على أن مجلس خبراء القيادة، المؤلف من علماء الدين، هو المخول باختيار المرشد الجديد "بأسرع وقت". لكن في ظل حرب مفتوحة واستهداف معلن لإسقاط النظام، تصبح الآلية الدستورية على المحك

رغم ضبابية المشهد، فإن المعطيات تشير إلى تحديد أسماء لخلافة المرشد خلال حرب الـ12 يوما في جوان 2025، هذه الأسماء تمثل أقطاب النظام الثلاثة الديني، والأمني والسياسي وتتمثل في غلام حسين محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية وصاحب الخلفية الاستخباراتية الواسعة، وهو الأقرب إلى التيار المحافظ والأكثر قبولا لدى الحرس الثوري، وعلي أصغر حجازي، رئيس مكتب المرشد، الرجل الذي يدير البيت القيادي ويعرف أدق تفاصيل بنية النظام الخفية، وحسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني، ويمثل التيار الإصلاحي المعتدل، وهو الوريث الروحي للسلالة الخمينية.

إلى جانب هؤلاء، تذكر وسائل إعلام غربية أسماء أخرى واردة مثل علي رضا أعرافي، رئيس الحوزات العلمية وعضو مجلس الخبراء، وهاشم حسيني بوشهري، إمام جمعة قم. لكن العائق أمام أي مرشح مدني أو ديني هو شرط أن يكون "مجتهدا" وأهلا للقيادة الفقهية، وهو ما يستبعده البعض عن شخصيات سياسية محضة مثل علي لاريجاني، الذي برز كـ"رجل حديدي" في الأزمات السابقة لكنه يفتقر إلى الغطاء الفقهي الكافي .

في الجانب الآخر من الأطلسي، لا يقل المشهد تعقيدا. فقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شن "عمليات قتالية كبرى" ضد إيران، التي بلغت ذروتها باغتيال المرشد الأعلى، فتح جبهة جديدة من الصراع الداخلي في واشنطن حول دستورية القرار.

وافتتحت صحيفة "نيويورك تايمز" بسؤال: "لماذا أشعلت هذه الحرب يا سيادة الرئيس؟". فالدستور الأمريكي يمنح الكونغرس وحده سلطة إعلان الحرب، وهو ما حدث 11 مرة فقط منذ 1787، آخرها عام 1942. أما الرؤساء فهم القادة الأعلى للقوات المسلحة، لكن صلاحياتهم مقيدة بقانون "صلاحيات الحرب" لعام 1973 الذي أُلزم الرئيس بإبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة بأي استخدام للقوة، مع تحديد سقف زمني أقصاه 60 يوما لأي عملية عسكرية دون تفويض تشريعي .

ومع ذلك، استخدم الرؤساء الأمريكيون القوة العسكرية أكثر من 200 مرة منذ صدور القانون، عبر تسمية العمليات بـ"المحدودة" أو "الدفاعية" أو "الوقائية" لتجنب الإعلان الرسمي للحرب. في الحالة الحالية، اتهم نواب ديمقراطيون وجمهوريون الرئيس ترامب بانتهاك الدستور ودعوا إلى عقد جلسة فورية للكونغرس للتصويت على قرار تفويض الحرب. هذا الجدل يعكس استمرار الصراع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية حول حدود الدور الرئاسي في إدارة الأزمات الدولية.

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع