الوطن

التبليغ الرقمي.. آلية وطنية متكاملة لمكافحة الفساد

منصات "تبليغ" و"ألو بلغنا" و"نزاهة" تحت تصرف المواطنين.

  • 428
  • 5:35 دقيقة
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

يأتي إطلاق منصة رقمية جديدة للتبليغ عن الفساد من طرف وزارة العمل والتشغيل في سياق وطني يعكس توجها عاما نحو محاربة هذه الجريمة والعمل على اقتلاعها من جذورها، من خلال تجنيد مختلف الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة.

وقد دعمت هذه الخطة بمرجع وطني أقرته السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته لفائدة الأعوان العموميين والخبراء والباحثين والجامعيين والصحفيين والإعلاميين والنشطاء وأعضاء منظمات المجتمع المدني، بهدف تعزيز قدراتهم في مجال الوقاية من الفساد وتوحيد آليات العمل المشترك لمواجهته.

وكانت السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته قد أطلقت، من جهتها، مؤخرا، تطبيقا هاتفيا تحت اسم "ألو بلغنا" للتبليغ عن الفساد، ودعت المواطنين والموظفين، بمختلف شرائحهم ومسؤولياتهم، إلى تحميل التطبيق المخصص لهذه الخدمة الرقمية، عبر الروابط التي أنشئت لهذا الغرض، وذلك بعد إعداد فيديو توضيحي للتطبيق بثلاث لغات، ونشره عبر قناتها الرسمية على موقع "يوتيوب".

وفي إطار تكريس مبادئ الشفافية والنزاهة وتعزيز مشاركة المواطنين في الوقاية من الفساد ومكافحته وضمان المعالجة الفعالة والتكفل الأمثل بتبليغاتهم والتواصل معهم بشأنها، وضعت السلطة العليا، أيضا، خلال أيام العمل الرسمية، الرقم الأخضر المجاني (1027) تحت تصرف المواطنين. ويتيح هذا الرقم الحصول على معلومات دقيقة حول كيفية التبليغ وشروطه والاستفادة من خدمات التوجيه والإرشاد بكل سهولة وموثوقية، فضلا عن الاستفسار وطلب المزيد من المعلومات المتعلقة بالتبليغات المقدمة.

غير أن المصالح ذاتها أخضعت قبول التبليغات لجملة من الشروط القانونية والتنظيمية، إذ يتعين أن يكون التبليغ مكتوبا وموقعا وأن يتضمن العناصر الكافية لتحديد هوية المبلغ، من الاسم واللقب والعنوان ورقم الهاتف والتوقيع، إلى جانب المعطيات والأدلة والوقائع المرتبطة بأفعال الفساد محل التبليغ.

في المقابل، تلتزم السلطة العليا بالحفاظ على سرية المعلومات المتعلقة بهوية المبلغ، داعية المواطنين إلى التحلي بروح المسؤولية عند ممارسة حقهم في التبليغ، بما يسهم في حماية المصلحة العامة وترسيخ ثقافة الوقاية من الفساد ومكافحته.

وقد وضعت السلطة في هذا الإطار عدة قنوات للتبليغ، سواء عن طريق البريد العادي أو البريد الإلكتروني أو الفاكس، مع إمكانية الإيداع المباشر بمقر السلطة العليا الكائن بـ14 شارع سويداني بوجمعة، المرادية، الجزائر.

25 ملف فساد منذ بداية العام..

وقد مكّنت مختلف هذه القنوات، حسب حصيلة التبليغات، إلى غاية نهاية السداسي الأول من سنة 2026، من المداولة بشأن خمسة وعشرين (25) ملفا، فيما تم إنجاز التقرير السنوي لسنة 2025، المتضمن عدد ملفات الفساد التي تمت معالجتها في إطار الصلاحيات والمهام المخولة للسلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته.

مكافحة الفساد في البرامج والمناهج الدراسية

وفي إطار "نشر ثقافة نبذ الفساد لدى الناشئة والشباب في المقررات الدراسية"، مثلما جاء على لسان الوزير محمد صغير سعداوي، وقعت وزارة التربية الوطنية والسلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، مؤخرا، اتفاقية تتعلق بآليات العمل المشترك في مجال الشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته في قطاع التربية. وتنص الاتفاقية على تنظيم دورات تكوينية لفائدة إطارات وموظفي القطاع، ضمن عملية تثقيفية تتناول مخاطر الفساد والإطار القانوني المتعلق بمكافحته في الجزائر، لاسيما في الشق الإداري.

أما الجانب البيداغوجي، فقد تقرر رسميا إعداد برنامج تكويني يهدف إلى إثراء مناهج التعليم في الأطوار التعليمية الثلاثة وإدراج مسائل مرتبطة بمكافحة الفساد ونشر ثقافة نبذ هذه الآفة لدى الناشئة والشباب ضمن المقررات الدراسية.

159 أمرا بالمنع من مغادرة الوطن و33 أمرا بتجميد حسابات وعمليات مصرفية

من جهته، تلقى الديوان المركزي لقمع الفساد، خلال السنوات الأربع الماضية، 5309 بلاغات حول شبهات فساد، كانت وراء معالجة 68 قضية وإصدار 159 أمرا بالمنع من مغادرة التراب الوطني و33 أمرا بتجميد حسابات وعمليات مصرفية و16 أمرا بالحجز على العقارات، إضافة إلى 2048 تسخيرة عبر مختلف أنحاء الوطن.

وفي حصيلة نشاطاته خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2024، سجل الديوان المركزي لقمع الفساد أزيد من 46 ألف زائر، منذ الفاتح من جانفي 2025، من أكثر من 31 دولة عبر خمس قارات. وجاء في مقدمة الزوار الجزائريون بـ42 ألف زائر، يليهم 877 زائرا من ألمانيا و537 زائرا من فرنسا و470 زائرا من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية بـ126 زائرا، تونس بـ120 زائراوأخيرا العراق بـ114 زائرا.

وتندرج هذه الخطوة، حسب الديوان، ضمن حرصه على تعزيز الشفافية وضمان حق المواطنين في الحصول على المعلومة، تماشيا مع توجهات السلطات العليا للبلاد الرامية إلى تقريب المعلومة من المواطن وتسهيل الوصول إليها.

دورات تكوينية لمكافحة الفساد لفائدة الإطارات والموظفين..

وفي إطار جهودها الرامية إلى تعزيز الشفافية والنزاهة وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة والوقاية من الفساد، نظمت السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته دورات تكوينية نوعية لفائدة القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية تحت الوصاية، حيث تم تكريم الحائزين على أفضل النتائج في تنفيذ مؤشر النجاعة "نزاهة" لسنة 2025.

وأسفر تقييم تنفيذ المؤشر، طبقا للمصفوفة المعدة مسبقا لتقييم جهود القطاعات، عن تتويج وزارات الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري والشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية والتعليم العالي والبحث العلمي. أما على مستوى المؤسسات العمومية تحت الوصاية، فقد تم تكريم المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة للحماية المدنية والمديرية العامة للضرائب.

ويجسد هذا التكريم، حسب السلطة، حرصها على تثمين المبادرات الجيدة وتحفيز مختلف القطاعات والمؤسسات على تبني أفضل ممارسات الحوكمة والامتثال وتقدير الجهود المبذولة في مجال الوقاية من الفساد وخلق روح تنافسية بين القطاعات، بما يعزز ثقافة النزاهة والشفافية ويسهم في تجسيد أهداف الاستراتيجية الوطنية للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته.

كما تم تثمين عدد من الممارسات والمبادرات الجيدة التي بادرت إلى تجسيدها قطاعات ومؤسسات مختلفة في إطار تنفيذ مؤشر النجاعة "نزاهة"، التي شكلت نماذج واعدة في دعم الشفافية والوقاية من الفساد، لاسيما وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل ووزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة، إلى جانب المديرية العامة للجمارك.

وبالنسبة إلى قطاع الجمارك بصفة خاصة، تقرر اعتماد برنامج متكامل للتحسيس والتكوين في مجال الوقاية من الفساد لفائدة الموظفين، على المستويين المركزي والمحلي، بالتوازي مع اتخاذ جميع التدابير الكفيلة بضمان التنفيذ الفعال للاستراتيجية الوطنية ومرافقة تقييمها بصورة دورية ومنتظمة.

ويعد قطاع الجمارك من أهم الأعمدة في مكافحة الفساد وحماية الاقتصاد الوطني، كما أن انخراطه في مؤشر النجاعة "نزاهة" التابع للسلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، يعكس إرادة حقيقية لتعزيز الشفافية والنزاهة داخل هياكله، وهو ما سمح، حسب السلطة، بوضع رؤية استراتيجية واضحة وتحيين الإطار القانوني المرتبط بالشفافية والمسؤولية.

ويبرز هنا، على وجه الخصوص، دور الرقمنة وأهميتها البالغة باعتبارها رافعة أساسية للحد من التفاعل المباشر وتبسيط الإجراءات وتقليص المخاطر المرتبطة بمظاهر الفساد. ويتجسد هذا التوجه من خلال النظام المعلوماتي الجديد في قطاع الجمارك "السيز"، إلى جانب مجموعة من الخدمات الرقمية الموجهة لفائدة المرتفقين والمتعاملين الاقتصاديين، بما يسهم في تعزيز الشفافية والرفع من جودة الخدمة العمومية وضمان سرعتها ونجاعتها.

وبالتالي، فإن دور الرقمنة والمنصات الإلكترونية في مكافحة الفساد لا يستهان به، بل أصبح من الصعب تحقيق أفضل النتائج بعيدا عنها، بالنظر إلى مسارها المرن الذي يساعد على تسهيل وتبسيط عمليات التبليغ عن الفساد، دون إلزام المواطن بالتنقل إلى الجهة المختصة من أجل تقديم بلاغه، وهو عامل يعد من أبرز الأسباب التي قد تدفع إلى العزوف عن التبليغ.

وتشكل المنصات الرقمية، بهذا المعنى، حلقة أساسية في بناء منظومة وطنية متكاملة للتبليغ والوقاية من الفساد، لأنها تتيح للمواطن والموظف والمبلغ الوصول إلى قنوات أكثر سهولة ومرونة، تدعم حماية المبلغين وتختصر الوقت والإجراءات، كما تساهم في تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

ومن المدرسة إلى الإدارة، ومن المواطن إلى مختلف الهيئات المختصة، تتجه الجزائر نحو ترسيخ ثقافة التبليغ المسؤول وجعل الرقمنة أداة عملية في خدمة الشفافية والنزاهة وحماية المال العام.