الوطن

تشويش فرنسي على زيارة البابا إلى الجزائر

تصاعدت الهجمات الإعلامية التي قادتها تيارات يمينية متطرفة.

  • 2062
  • 3:10 دقيقة
الصورة: م.ح
الصورة: م.ح

مع اقتراب زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر، المقررة من 13 إلى 15 أفريل المقبل، ارتفعت الأصوات الإعلامية المعادية للجزائر، خاصة في فرنسا، محاولة تصوير الزيارة على أنها مجرد "مقامرة سياسية" تهدف إلى تبييض صورة الجزائر دوليا، متجاهلة البعد الروحي الذي أكدت عليه حاضرة الفاتيكان وممثلوها في الجزائر منذ الإعلان عن الزيارة.

بالرغم من تأكيد رئيس أساقفة الجزائر العاصمة، الكاردينال جون بول فيسكو، أن البابا "لا يملك شيئا يبيعه" وأن زيارته "تأتي بروح التجرد والتطوع، بوصفه ابنا للقديس أوغسطين" وأنه يسافر إلى الجزائر "للقاء شعب مسلم تشعر الكنيسة بأنها مبعوثة إليه بمدد رباني سري"، إلا أن الأوسط المعادية في باريس على وجه الخصوص هاجمت زيارة البابا التي حصرتها الكنيسة في شكل "تجل مقدس قائم على الحوار والتلاقي الديني بعيدا عن أي حسابات سياسية ضيقة".

رغم هذه الرسالة الواضحة، تصاعدت الهجمات الإعلامية التي قادتها تيارات يمينية متطرفة وشخصيات مرتبطة بجماعات الذاكرة الفرنسية ودوائر لائكية، حيث ركزت عدة منشورات ومقالات على محاولة تصوير زيارة البابا على أنها "تمنح الشرعية للنظام الجزائري" وتساهم في "تبييض التاريخ" و"توظيف القديس أوغسطين لأغراض سياسية".

هذا التكالب الإعلامي الذي ظل صامتا عن كافة الانتهاكات الموثقة التي ترتكبها إسرائيل ضد المسيحيين والكنائس في فلسطين، بما في ذلك تدمير الممتلكات الدينية أو تقييد الوصول إليها وفرض قيود على ترميم الكنائس واقتحامها أحيانا أثناء الصلاة، إضافة إلى مضايقات يومية تشمل الاعتداءات الجسدية والاعتقالات التعسفية للمسيحيين العرب الفلسطينيين، انبرى للهجوم على الجزائر بمناسبة هذه الزيارة التاريخية.

وبينما تؤكد السلطات الجزائرية والكنيسة المحلية أن زيارة البابا تحمل رسالة سلام وتعايش وتعكس صورة الجزائر كدولة معتدلة، داعمة للحوار بين الأديان، بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة، ركز رموز الحملة التي استهدفت الجزائر على ملف "رهبان تبحرين" و"غلق الكنائس غير المرخصة"، متناسين أن السلطات الجزائرية تتعامل مع هذه القضية استنادا إلى الأطر القانونية والتنظيمية المنظمة لممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين.

نفس الأطراف التي تتباكى الإرث المسيحي هي نفسها التي تجاهلت الانتهاكات الجسيمة للكيان الصهيوني تجاه مسيحيي فلسطين، التي تشمل تقييد حرية العبادة والتنقل وإغلاق جزئي أو كامل للأديرة والكنائس تحت حجج أمنية والاستيلاء على أراضٍ تابعة للكنائس ومحاولات الضغط على بيعها أو تسليمها للمستوطنين، إلى جانب استهداف الرموز المسيحية وتشويه المواقع المقدسة، ما يهدد بقاء المجتمع المسيحي الفلسطيني في مناطق تاريخية مثل القدس وبيت لحم.

تقف وراء هذه الهجمات الإعلامية أطراف متباينة الأهداف، أبرزها اللوبيات اليمينية المتطرفة في فرنسا، التي تنظر إلى الجزائر بمنظار عقدة الذاكرة الاستعمارية ويزعجها التقارب الجزائري-الفاتيكاني لأنه يظهر الجزائر كمركز للحوار الديني، وهو ما يتناقض مع الصورة النمطية التي تروج لها هذه التيارات حول عدم التسامح في دول جنوب المتوسط، في ظل حساسية مفرطة من تفضيل البابا للجزائر على فرنسا في زياراته الرسمية.

إلى جانب ذلك، هناك بعض المنظمات الدولية غير الحكومية الحقوقية والدينية، التي تركز على حرية الاعتقاد وذهبت إلى استغلال الزيارة لمحاولة الضغط على الحكومة بخصوص ملف الكنائس المغلقة غير المرخصة "الفوضوية"، خاصة في منطقة القبائل، بهدف إحراج السلطة أمام الرأي العام الكاثوليكي العالمي وانتزاع تنازلات قانونية تخص ممارسة الشعائر لغير الكاثوليك.

ومن قادة الحملة أيضا دوائر الضغط المرتبطة بالجهات المعادية الإقليمية، التي ثبت استخدامها القوة الناعمة في الصراع الدبلوماسي مع الجزائر والتي تسعى عبر منصات إعلامية ومراكز تفكير، خاصة تلك القريبة من المواقف المغربية أو الداعمة لأجندات معينة في الساحل، إلى تصوير الزيارة على أنها مجرد غطاء سياسي للجزائر في محاولة إفراغ الزيارة من محتواها الروحي وتحويلها إلى أزمة سياسية دولية للتشويش على الحضور الدبلوماسي الجزائري للجزائر خشية منها من تعاظم قوتها الناعمة، في محاولة لإبقاء العلاقة الجزائرية-الفاتيكانية حبيسة التوتر التاريخي بين الجزائر وباريس.

تتنافى هذه الهجمة الشرسة مع تصريح السفير الجديد لحاضرة الفاتيكان في الجزائر، خافيير هيريرا كورونا، الذي أكد قبل أيام على "عمق تاريخ العلاقات بين الجزائر والكرسي الرسولي الممتدة لأكثر من خمسين سنة"، ويضع في سياقها الزيارة المرتقبة لقداسة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر.

ويعكس هذا التأكيد الرسمي أن الزيارة "ليست مجرد حدث آني، بل تتويج لعلاقات دبلوماسية متينة قائمة منذ نصف قرن، تهدف إلى تعزيز الصداقة والاحترام المتبادل والحوار الديني بين البلدين، بما يتناغم مع الرسالة الروحية للحضور البابوي ويبعدها عن أي تأويلات سياسية ضيقة".