أحيت الجزائر، أمس، الذكرى الـ66 للتفجيرات النووية الفرنسية التي شهدتها الصحراء خلال الحقبة الاستعمارية، في محطة تاريخية مؤلمة ما تزال آثارها الإنسانية والبيئية ممتدة إلى يومنا هذا. وشهدت هذه المناسبة تنظيم نشاط رسمي ووقفة وطنية لتسليط الضوء على واحدة من أخطر الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي على الأرض الجزائرية.
ويتميز إحياء الذكرى هذا العام بتزامنه مع تصاعد النقاش حول مشروع قانون تجريم الاستعمار، الذي تمت المصادقة عليه في المجلس الشعبي الوطني ويجري حاليا إعادة مناقشته في مجلس الأمة. ويعد ملف التفجيرات النووية أحد أبرز مواد هذا القانون وأكثرها حساسية، كونه يمثل قضية محورية في مسار الذاكرة الوطنية والمطالبة بالاعتراف والإنصاف وجبر الضرر لضحايا هذه الجرائم التاريخية.
وتتزامن هذه الذكرى المؤلمة مع خطوات غير مسبوقة على مستوى الدولة، تمثلت في متابعة ميدانية تشرف عليها الحكومة، وهي الإعلان عن إجراء تحاليل دقيقة حول آثار التفجيرات النووية والأسلحة المحظورة تحت إشراف وزارتي البيئة والمجاهدين، وهي الخطوة التي أفضت إلى إعلان الوزيرة، كوثر كريكو، عن وجود معادن ثقيلة في بعض المناطق حسب النتائج الأولية للتحاليل.
إلى جانب ذلك تواصل الحكومة أعمال البحث العلمي والأكاديمي لتوثيق الأدلة العلمية التي تدعم استكمال أركان الجريمة ضد الإنسانية وجريمة الحرب، بما يعزز الجهود الوطنية لتثبيت الحقائق التاريخية والمطالبة بالإنصاف للضحايا والمتضررين من هذه الجرائم الاستعمارية.
التفجيرات النووية ضمن قانون تجريم الاستعمار..فتح الأرشيف، الاعتراف والتعويض وتطهير المناطق الملوثة
يولي مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر، أهمية خاصة للتجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الجنوب الجزائري بين سنتي 1960 و1966، حيث نفذت ما مجموعه 17 تجربة نووية في منطقتي رڤان وعين إيكر، مخلّفة كارثة متعددة الأبعاد.
ويهدف النص القانوني إلى تصنيف هذه التفجيرات ضمن الجرائم ضد الإنسانية والجرائم البيئية التي لا تسقط بالتقادم، بالنظر إلى حجم الأضرار التي خلفتها على الإنسان والمحيط الطبيعي، والتي لا تزال آثارها قائمة رغم مرور عقود على وقوعها.
تحميل فرنسا المسؤولية الكاملة عن الأضرار
ومن أبرز المحاور التي يتضمنها مشروع قانون تجريم الاستعمار، التأكيد على مسؤولية فرنسا الكاملة عن النتائج المترتبة عن هذه التجارب النووية، سواء من الناحية الصحية أو البيئية أو الاجتماعية.
فقد سجلت مناطق الجنوب الجزائري المتضررة انتشار أمراض خطيرة، على غرار السرطانات والتشوهات الخلقية، فضلا عن التلوث الإشعاعي الذي مس التربة والمياه وعمّق معاناة السكان المحليين والعمال الجزائريين الذين استُخدموا في ظروف خطرة دون حماية أو أدنى اعتبار للكرامة الإنسانية.
.. فتح الأرشيف النووي وكشف الحقيقة
كما يشدد المشروع على ضرورة فتح الأرشيف النووي الفرنسي وكشف الحقيقة كاملة، باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو العدالة التاريخية.
ومن أبرز مطالب الجزائر في هذا السياق، تسليم خرائط المناطق الملوثة إشعاعيا، الكشف عن أماكن دفن النفايات النووية، نشر الوثائق العسكرية الفرنسية السرية المرتبطة بهذه التجارب.
ويعد هذا الملف من أكثر الملفات تعقيدا بسبب استمرار تحفظ السلطات الفرنسية على وثائق حساسة تتعلق بالتجارب ومخلفاتها.
..التعويض وجبر الضرر للضحايا
وفي سياق متصل، يدفع باحثون ومهتمون بالملف وكذا مشروع قانون تجريم الاستعمار نحو إقرار مبدأ التعويض وجبر الضرر لصالح المتضررين الجزائريين، والاعتراف بمعاناة سكان الجنوب الذين ظلوا لعقود ضحايا صامتين لإشعاعات قاتلة.
كما يشدد على ضرورة توفير التكفل الصحي المستمر بالضحايا، ومعالجة الآثار المتبقية إلى اليوم، بما يعكس التزام الدولة الجزائرية بإنصاف مواطنيها والدفاع عن حقوقهم التاريخية.
..تطهير المناطق الملوثة وإزالة النفايات المشعة
ولا يقتصر مطلب الجزائر على الاعتراف والتعويض فحسب، بل يمتد إلى ضرورة تطهير المناطق الملوثة وإزالة النفايات النووية المشعة، باعتبارها خطرا قائما على الأجيال القادمة.
وتطالب الجزائر فرنسا بتحمل مسؤوليتها في إزالة المخلفات النووية، تطهير المواقع المتضررة، تمويل مشاريع إعادة التأهيل البيئي في الصحراء الجزائرية.
كما يركز على حماية الذاكرة الوطنية ومنع تمجيد الاستعمار أو تبرير جرائمه، عبر إدراج هذه القضايا في البرامج التعليمية ودعم البحث الأكاديمي والمؤسسات المختصة في ملف الذاكرة.
...لأن الجريمة ما تزال مستمرة الملف مفتوح
وتكتسي التفجيرات النووية مكانة محورية في مشروع تجريم الاستعمار، لأنها ليست مجرد أحداث تاريخية عابرة، بل جريمة مستمرة الأثر. فالإشعاعات ما تزال قائمة لعشرات السنين، والضحايا لم يعترف بهم دوليا بالشكل الكافي، والمناطق المتضررة لم تطهر بالكامل، فيما يبقى مطلب العدالة والإنصاف معلقا إلى غاية اليوم.
وفي ذكرى التفجيرات النووية، تجدّد الجزائر تمسكها بحقها في الحقيقة والاعتراف والتعويض عن هذه الجريمة الكبرى، باعتبار أن الذاكرة الوطنية ليست مجرد استذكار للماضي، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية لحماية التاريخ والدفاع عن حقوق الضحايا والأجيال القادمة.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال