الوطن

"تدويل قضية التفجيرات النووية ضرورة لمعاقبة فرنسا على جرائمها"

مؤرخون وباحثون في الذكرى الـ 66.

  • 128
  • 8:54 دقيقة
الصورة: م.ح
الصورة: م.ح

أكد مؤرخون وباحثون أن ملف التجارب النووية الفرنسية بالصحراء الجزائرية يعد من أخطر الملفات الشائكة في قضية الذاكرة بين الجزائر وفرنسا، كما أن قضية هذه التجارب تمثل جريمة مستدامة ضد الإنسانية، امتدت آثارها الكارثية عبر الزمان والمكان، ولا تزال الأجيال المتعاقبة تدفع ثمنها صحيا وبيئيا. وأجمعوا على أن هذه الجرائم النووية، التي انطلقت في 13 فيفري 1960 بمنطقة رڤان، استهدفت المدنيين العزل بالدرجة الأولى، متجاهلة بشكل تام حقوق السكان وقواعد السلامة الدولية، مخلفة وراءها أمراضا سرطانية وتشوهات خلقية تنتقل عبر الأجيال، إضافة إلى تلوث بيئي واسع النطاق. وشددوا بمناسبة الذكرى الـ 66 لهذه المجازر على ضرورة تحريك القضية دوليا، وتدويل ملف التفجيرات النووية عبر المنظمات الأممية ومحكمة العدل الدولية.

أكد البروفيسور سفيان لوصيف من جامعة سطيف 2 أن التفجيرات النووية التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية تعد واحدة من أخطر الجرائم البيئية والإنسانية في القرن العشرين، ولا تزال آثارها مستمرة إلى اليوم، رغم مرور أكثر من ستة عقود على وقوعها. كما أشار إلى أن فرنسا، القوة الاستعمارية آنذاك، نفذت سلسلة من التفجيرات النووية فوق الأراضي الجزائرية، متجاهلة بشكل تام حقوق السكان، وقواعد السلامة، والقانون الدولي الإنساني. واعتبر أن هذه التفجيرات شكلت جرحا مفتوحا في الذاكرة الوطنية الجزائرية، وملفا شائكا في العلاقات الجزائرية - الفرنسية، لاسيما في ظل مساعي الجزائر المتواصلة لتدويل القضية وانتزاع الاعتراف والتعويض.

التفجيرات النووية جريمة مستمرة وجهود جزائرية لتدويل القضية

ذكر البروفيسور أن فرنسا باشرت برنامجها النووي العسكري في الصحراء الجزائرية يوم 13 فيفري 1960، بتفجير أول قنبلة نووية بمنطقة رڤان تحت اسم "اليربوع الأزرق"، تلتها تفجيرات أخرى عرفت بأسماء "اليربوع الأبيض"، "اليربوع الأحمر"، و"اليربوع الأخضر"، وقد قدرت قوة بعض هذه التفجيرات بأضعاف قنبلة هيروشيما. وأضاف أنه لم تقتصر التجارب على التفجيرات الجوية فقط، بل شملت لاحقا تفجيرات باطنية في منطقة عين إيكر بجبل تاوريرت تان أفلا، استمرت حتى عام 1966، أي بعد استقلال الجزائر.

وأشار إلى أن مصادر تاريخية وعلمية تشير إلى أن عدد التفجيرات النووية والتجارب المرتبطة بها تجاوز 17 تجربة رئيسية، إضافة إلى عشرات الاختبارات الثانوية، التي استخدمت فيها كميات هائلة من المواد المشعة، دون اتخاذ تدابير وقائية حقيقية، سواء لحماية السكان المحليين أو حتى الجنود الذين شاركوا في هذه العمليات.

وأشار البروفيسور إلى أن فرنسا انتهجت سياسة التعتيم والإنكار لعقود طويلة، رغم خطورة ما حدث، حيث امتنعت عن تسليم الخرائط الدقيقة لمواقع التفجيرات، ودفن النفايات النووية، كما حجبت الأرشيف الكامل المتعلق بالتجارب النووية. واعتبر أن القانون الفرنسي المعروف بـ"قانون موران" الصادر سنة 2010، والذي أُعلن أنه يهدف لتعويض ضحايا التجارب النووية، أثبت محدوديته وإقصاءه للضحايا الجزائريين، إذ رفضت أغلب الملفات بدعوى عدم استيفاء الشروط، أو لغياب الاعتراف المباشر بالضرر.

وأعرب البروفيسور عن تأييده للجهود التي كثفتها الجزائر في السنوات الأخيرة لإعادة طرح ملف التفجيرات النووية على المستويين الثنائي والدولي. وأكد أن السلطات الجزائرية شددت، في أكثر من مناسبة رسمية، على أن هذه القضية لا تسقط بالتقادم، باعتبارها جريمة ضد الإنسانية وجريمة بيئية ذات آثار مستمرة. وذكر أن جهود الجزائر تتمثل في: المطالبة بالكشف الكامل عن الأرشيف النووي، وتسليم خرائط مواقع التفجيرات والنفايات المشعة؛ والدعوة إلى تطهير المناطق الملوثة وفق المعايير الدولية، وعلى نفقة الدولة المسؤولة عن الضرر، ودعم البحوث العلمية والطبية لرصد آثار الإشعاع وتوثيقها، والتحرك الدبلوماسي والحقوقي لتدويل القضية عبر المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، والوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ والمرافعة من أجل تعويض عادل وشامل للضحايا الجزائريين وذويهم، أسوة بما حصل عليه ضحايا التفجيرات في مناطق أخرى من العالم.

واعتبر البروفيسور أن تدويل قضية التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر لم يعد خيارا سياسيا فقط، بل ضرورة أخلاقية وقانونية. وأكد أن استمرار تجاهل هذه الجريمة يعد انتهاكا لحق الضحايا في الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر. كما أشار إلى أن الاعتراف الرسمي، والتعويض، والتطهير البيئي، تمثل خطوات أساسية نحو مصالحة تاريخية حقيقية، قائمة على العدالة لا على النسيان. وذكر أن ربح الجزائر لقضية التفجيرات النووية الفرنسية على المستوى الدولي يظل ممكنا وواقعيا متى أُحسن تكييفها قانونيا بوصفها جريمة ضد الإنسانية وجريمة بيئية ذات آثار مستمرة لا تسقط بالتقادم، وليس مجرد ملف تعويضات إدارية.

وأوضح أن استمرار التلوث الإشعاعي، وظهور أمراض وتشوهات وراثية عبر أجيال متعاقبة، يوفر عنصر الضرر القائم الذي يعد حجر الزاوية في المسؤولية الدولية للدول. واختتم بالقول إنه وبالاستناد إلى الاعترافات الفرنسية الجزئية، والتقارير العلمية والطبية، وشهادات الضحايا، يمكن للجزائر أن تنقل القضية من إطارها الثنائي الضيق إلى فضاء القانون الدولي، بما يفرض على فرنسا واجب الكشف الكامل عن الأرشيف النووي، وتطهير المناطق الملوثة، وتعويض الضحايا تعويضا عادلا وشاملا، باعتبار ذلك التزاماً قانونياً وأخلاقيا لا يمكن الالتفاف عليه أو تأجيله.

ضحايا التجارب النووية لا يمكن حصرهم والجريمة لا تسقط بالتقادم

أكد البروفيسور مبارك جعفري من جامعة أدرار أن الجرائم النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية تعد واحدة من الجرائم التي ارتكبتها فرنسا الاستعمارية ضد الشعب الجزائري طيلة 132 سنة من الاستعمار، وأشار إلى أنَه إذا كانت الجرائم التي تمت بالأسلحة التقليدية يمكن حصر ضحاياها وعدّهم، فإن ضحايا الجرائم النووية لا يمكن حصرهم أو عدهم، كون مجال تأثيرها يتعدى الزمان والمكان، ولا تزال الأجيال إلى غاية اليوم تدفع ثمنا لها. كما ذكر أن الكثير من الفرنسيين ممن اشتغلوا في هذه الأماكن اعترفوا بذلك، ومنهم العسكري السابق ميشال فيرغي، نائب رئيس الجمعية الفرنسية لضحايا التجارب النووية، الذي قال: "إن التجارب التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية تعد مثالا واضحا على الجرائم المرتكبة في حق الشعوب من قبل القوى النووية".

واعتبر البروفيسور جعفري أن جرائم بهذا الحجم والضرر تعد انتهاكا صارخا للالتزامات الدولية وقواعد القانون الدولي من طرف فرنسا، ما يستوجب مساءلتها. وأوضح أن القانون الدولي ينص على أن المسؤولية الدولية الناشئة بسبب تصرف غير مشروع تمثل انتهاكا لالتزام دولي، ويترتب عنه قيام علاقة قانونية تمنح للدولة الضحية الحق بمطالبة الدولة صاحبة الانتهاك بالتعويض وإصلاح الضرر. كما أشار إلى أن اتفاقية جنيف لحماية المدنيين من النزاعات المسلحة لسنة 1949 تنص على المسؤولية الشخصية لمرتكبي المخالفات الخطيرة، والمتمثلة في أعمال القتل أو التعذيب أو المعاملة البعيدة عن الإنسانية أو التجارب الخاصة بعلم الحياة والأعمال التي تسبب عمدا آلاما شديدة أو إصابة خطيرة للجسم أو الصحة أو الأمن، أو من يأمرون بها. كما ذكر أن المادة الثامنة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تنص على أنه "يكون للمحكمة الاختصاص فيما يتعلق بجرائم الحرب، لاسيما عندما ترتكب في إطار خطة أو سياسة عامة أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم".

واعتبر أن كل هذه المخالفات المنصوص عليها في القوانين والاتفاقيات الدولية تنطبق على ما قامت به فرنسا الاستعمارية من جرائم ضد المدنيين العزل في رڤان وإيكر، حيث قامت بتعريض مواطنين أبرياء للإشعاعات النووية الناتجة عن هذه التجارب.

وأشار البروفيسور إلى أن الدولة الجزائرية بذلت مجهودات جبارة بخصوص هذا الملف، وعلى مختلف الأصعدة، من أجل توثيقه وتخليده في الذاكرة الجماعية للشعب الجزائري، وتخفيف معاناة الضحايا، والعمل من أجل تهيئة وتنظيف المناطق الملوثة. وأضاف أنها تعمل وبشكل جدي على انتزاع اعتراف من فرنسا بهذه الجرائم، ودفعها إلى تعويض الضحايا، والكشف عن النفايات، وتنظيف المناطق الملوثة. وذكر أنه في هذا السياق تم اعتبار يوم 13 فيفري من كل سنة ذكرى وطنية أليمة، ويتم إحياؤها بشكل رسمي تخليدا لهذه الجرائم. كما أشار إلى أن المسألة حاضرة وبقوة في معظم تدخلات وخطابات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في دلالة على أهميتها ومحوريتها بالنسبة للعلاقة مع فرنسا. واستشهد بدعوته الصريحة فرنسا لتحمل مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية في إزالة التلوث الإشعاعي الناتج عن تجاربها النووية في الصحراء الجزائرية، خلال كلمته أمام غرفتي البرلمان.

كما ذكر أن قضية الجرائم النووية أصبحت تطرح بشكل دائم ودوري في كل نقاش جاد يستهدف العلاقات الثنائية بين الجزائر وفرنسا، وحتى مع الشركاء الأوروبيين والدوليين، مع مطالبة الطرف الفرنسي باعتراف رسمي واعتذار عن هذه الجرائم، والمساهمة في تخفيف معاناة الضحايا وتعويضهم. وأضاف أنه يتم أيضا مطالبة فرنسا بالأرشيف الخاص بهذه التجارب، خاصة خرائط النفايات النووية، ودعوتها للمساهمة في تنظيف وإعادة تأهيل المناطق الملوثة. وذكر أن ملف الجرائم النووية كان حاضرا في قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، والذي أقره البرلمان الجزائري بالإجماع، وتم بموجبه تجريم كل الجرائم المرتكبة بين 1830 و1962، والمطالبة بالاعتراف والاعتذار والتعويض عنها، مع التأكيد على أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، ومنها التجارب النووية.

وأضاف أن من الجهود أيضا تأسيس اللجنة الجزائرية للذاكرة والتاريخ، والتي من صميم مهامها البحث في ملف الذاكرة المشترك مع الطرف الفرنسي، ومنها ملف الجرائم النووية. وذكّر بتقرير البرلمان الفرنسي الصائفة الماضية حول الاختبارات النووية الفرنسية في بولينيزيا بالمحيط الهادئ سنة 1996، والذي أكد أن هذه التجارب كانت لها عواقب وخيمة على الصعيدين الصحي والبيئي، وطالب بتقديم اعتذار إلى سكان المنطقة بسبب الأضرار التي لحقت بهم وتعويضهم. واعتبر جعفري أن هذا يعد تمييزا واضحا بين الضحايا واستخفافا بهم، رغم أن التجارب في الجزائر كانت أكبر وأخطر. واختتم البروفيسور بالتأكيد على أن هذا ما يتطلب منا جميعا كجزائريين التحرك من أجل ملاحقة فرنسا على هذه الجرائم أمام الهيئات الدولية، كمحكمة العدل الدولية ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

ملف التجارب النووية من أكثر الملفات الشائكة في قضية الذاكرة

قال الدكتور مولود ڤرين، من جامعة المدية، إن التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الجزائر، والتي انطلقت في 13 فيفري 1960 بمنطقة رڤان، تشكل "جريمة ضد الإنسانية" بكل المقاييس، واصفا إياها بـ"الجرائم المستدامة" لكونها استهدفت الإنسان الجزائري بالدرجة الأولى وما زالت آثارها مستمرة إلى يومنا هذا.

وكشف الدكتور ڤرين أن عدد هذه التجارب بلغ 17 تجربة نووية، توزعت بين تجارب سطحية وأخرى باطنية، مؤكدا أن تداعياتها الكارثية لا تزال ملموسة عبر انتشار الأمراض السرطانية الناتجة عن الإشعاع النووي، والتشوهات الخلقية لدى الأجنة التي تنتقل عبر الأجيال، إضافة إلى تلوث البيئة الذي خلفته هذه الجرائم.

وأكد المتحدث أن ملف التجارب النووية يعد من أكثر الملفات الشائكة في قضية الذاكرة بين الجزائر وفرنسا، مشيرا إلى أنه رغم الجهود الجزائرية المبذولة، إلا أن هذا الملف "لم يخط خطوات عملية" بسبب مماطلة الجانب الفرنسي وعدم تجاوبه الجدي مع المطالب الجزائرية.

وأردف الدكتور ڤرين قائلا: "يجب على الطرف الجزائري أن يزيد من الضغط لتعترف فرنسا اعترافا رسميا بما ارتكبته من جرائم نووية محرمة دوليا، خاصة أن هذه الجرائم تصنف ضمن خانة الجرائم ضد الإنسانية"، موضحا أن هذا الاعتراف تترتب عنه جملة من الالتزامات الأساسية، أبرزها:

- تقديم تعويض مادي للمتضررين المباشرين الذين استهدفهم الإشعاع النووي

- تعويض المرضى الذين يعانون إلى يومنا هذا من آثار الإشعاع النووي.

- المساهمة في تنقية وتطهير البيئة من النفايات المشعة.

- تقديم الأرشيف الكامل، خاصة الخرائط الدقيقة لاستكشاف أماكن التجارب ومواقع دفن النفايات النووية، لتتمكن الجزائر من تطهيرها.

وأشار الدكتور ڤرين إلى أن التحركات الجزائرية ستبقى "شكلية فقط" ما لم يتم التعامل الجدي مع الملف من طرف فرنسا، داعيا إلى تحريك القضية على المستوى الدولي، خاصة على مستوى منظمة الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية.

وأوضح في هذا السياق أن القوانين الدولية، لاسيما معاهدة جنيف لسنة 1949 وصولا إلى قانون روما لسنة 1991، تنص على أن "الجرائم لا تسقط بالتقادم"، ما يفتح الباب أمام تحريك القضية قانونيا على المستوى الدولي.

وشدد ڤرين على ضرورة تكييف القضية وتوصيفها بدقة كجريمة ضد الإنسانية، الأمر الذي يتطلب من الطرف الجزائري جمع الأدلة الكافية، والتي تشمل: شهادات الضحايا المدنيين الذين سقطوا نتيجة هذه التفجيرات، أدلة بيئية علمية دقيقة تثبت التأثيرات البيئية للتجارب النووية، إثبات استمرارية التأثيرات إلى غاية اليوم، سواء على مستوى الأفراد أو التشوهات الخلقية التي لا تزال تظهر أو التلوث البيئي المستمر.

واختتم الدكتور مولود ڤرين تصريحه بالتأكيد على أهمية تحريك الجزائر للدول الأخرى التي تضررت من الإشعاعات النووية، مشيرا إلى أن تأثيرات هذه التفجيرات لم تقتصر على الجزائر فقط، بل امتدت إلى الدول القريبة، خاصة البلدان الإفريقية، ما يستدعي تحركا دوليا مشتركا لمساءلة فرنسا عن جرائمها النووية.