في ملف خاص تناولته مجلة "الجيش" في عددها الأخير لشهر فيفري 2026، تم تسليط الضوء على واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث، حين حولت فرنسا الاستعمارية الصحراء الجزائرية إلى ميدان مفتوح لتجاربها النووية، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الإنسانية، ودون أدنى اعتبار لما ستخلفه هذه التفجيرات من آثار كارثية على الإنسان والبيئة ما تزال تداعياتها تضرب ساكنة المناطق التي كانت مسرحا لتلك الجريمة.
الصحراء الجزائرية… حقل تجارب نووية فرنسي
بحسب ما أوردته مجلة "الجيش"، فإن السلطات الاستعمارية الفرنسية اختارت الصحراء الجزائرية ليس لكونها "خالية من الحياة" كما روّجت آنذاك، بل بسبب بعدها عن أنظار العالم وصعوبة وصول وسائل الإعلام إليها، ما سمح لفرنسا بتنفيذ مخططها بعيدًا عن الرقابة الدولية.
كما أن المنطقة كانت تتميز بمخزون هائل من المياه الجوفية ووجود نشاط فلاحي صحراوي، وهو ما مكّن المستعمر من دراسة تأثير الإشعاعات النووية على النبات والحيوان والإنسان في ظروف مأساوية وغير أخلاقية.
...شهادات من مسرح الجريمة النووية الأولى
توقفت مجلة "الجيش" عند تفاصيل مأساوية حول منطقة رڤان، التي تحولت إلى مسرح لأول تفجير نووي فرنسي فوق الأراضي الجزائرية.
وفي شهادة نقلتها المجلة عن أعبلة عبد الله، المعروف بـ"لوليد"، والذي عمل بموقع حمودية آنذاك، أكد أن السلطات الفرنسية قامت عشية التفجير بإجلاء عائلات جنودها تفاديًا لخطر الإشعاعات، بينما تركت العمال والمجندين الجزائريين في مواجهة مباشرة مع الانفجار.
والأخطر من ذلك، تعمّد فرنسا تجميع أسرى جزائريين نُقلوا من معتقل تلاغ بسيدي بلعباس، وتم توزيعهم على مسافات مدروسة من مركز التفجير لاستخدامهم كـ"عينات بشرية" لقياس تأثير الإشعاع النووي عليهم. كما أجبرت السكان المحليين على ارتداء قلادات تحتوي أجهزة لقياس مستوى الإشعاعات التي تعرضوا لها.
..اليربوع الأزرق… انفجار يهز الصحراء
في صباح يوم 13 فيفري 1960، وعلى الساعة السابعة وأربع دقائق، فجرت فرنسا أول قنبلة نووية في منطقة حمودية قرب رڤان، تحت اسم "اليربوع الأزرق"
وتشير المجلة إلى أن قوة هذه القنبلة بلغت ثلاث مرات قوة قنبلتي هيروشيما وناغازاكي، ما تسبب في انفجار مهول اهتزت له الصحراء الجزائرية، وارتفعت كرة نارية حارقة وسحابة مشعة ضخمة على شكل فطر نووي.
وصاحب التفجير غبار كثيف أدى إلى انعدام الرؤية لمسافة تجاوزت 800 كلم، إضافة إلى رياح عاتية بلغت سرعتها أكثر من 80 كلم في الساعة، ما تسبب في دمار شامل في محيط الانفجار.
ضحايا بالإشعاع… وأمراض تتوارثها الأجيال
أكدت "الجيش" أن التفجيرات النووية الفرنسية خلفت إصابات خطيرة وسط السكان، من بينها نزيف دموي، حالات إجهاض وعمى مؤقت ودائم.
كما نقلت المجلة عن الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث، في كتابها الموسوم بـ"الجزائريون المصابون بالأشعة… جريمة دولة"، أن الإشعاعات النووية تسببت في أكثر من عشرين نوعًا من السرطانات، فضلًا عن ارتفاع حالات فقدان البصر، الصمم والبكم والإعاقات الذهنية.
ويشير المختصون إلى أن أخطر ما في الإشعاعات النووية هو تأثيرها الوراثي، حيث تنتقل الأمراض الناتجة عنها من جيل إلى جيل، ما يجعل الجريمة مستمرة عبر الزمن.
...فرنسا تواصل التستر على الأرشيف النووي
وفي الوقت الذي حصدت فيه فرنسا ثمار التقدم العلمي والتحقت بالنادي النووي، فتحت في الجزائر سجلا مفتوحا لمعاناة طويلة، حيث يعيش سكان المناطق المتضررة في صمت وسط غياب الاعتراف الكامل بالمسؤولية.
إذ تؤكد النشرية العسكرية، أن فرنسا لا تزال ترفض الكشف عن مواقع دفن النفايات النووية والمناطق الملوثة، كما تتهرب من تعويض الضحايا الجزائريين والتكفل بهم، رغم صدور قانون "موران" سنة 2010 الذي طُبق بانتقائية لصالح الفرنسيين والبولينيزيين دون الجزائريين.
تفجيرات أخرى… وإرث ملوث دائم
ورغم الاستنكار الدولي الذي رافق التفجير الأول، واصلت فرنسا تجاربها النووية بدم بارد، حيث وسعت نطاقها إلى منطقة "إن إكر" بتمنراست ونفّذت سلسلة تفجيرات سطحية وباطنية بين 1960 و1961، مستخدمة مواد فتاكة ومحظورة دوليًا.
وقد خلّفت هذه التفجيرات كميات ضخمة من النفايات المشعة، ما زالت تشكل خطرًا بيئيًا وصحيًا على سكان الجنوب الجزائري إلى اليوم.
جريمة لا تنسى ولا تسقط بالتقادم
تخلص مجلة "الجيش" إلى أن التفجيرات النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية ليست مجرد حدث تاريخي عابر، بل جريمة ضد الإنسانية بكل المقاييس، لا تسقط بالتقادم، وتستوجب اعترافًا رسميًا وتعويضا عادلا وكشفا كاملا للأرشيف النووي ومواقع التلوث.
فالجزائر التي دفعت ثمنا باهظا من أرواح أبنائها وبيئتها، ما تزال تطالب بحقها المشروع في الحقيقة والإنصاف والعدالة التاريخية.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال