الوطن

الجزائر ترفع منسوب اليقظة وتحصّن جبهتها الداخلية

أمام التحولات التي يعرفها العالم.

  • 2439
  • 3:12 دقيقة
الصورة: م.ح
الصورة: م.ح

تقرأ الجزائر ما يجري من حولها بعين مفتوحة على كل الاحتمالات وتتعامل مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة بمنطق الدولة التي خبرت التاريخ وتعرف أن الحروب لا تعلن دائما ببيانات رسمية، بل تبدأ غالبا بفوضى مدروسة وتوترات مصطنعة.

في هذا السياق، يكتسي حديث الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنڤريحة، أهمية خاصة، حين دعا إلى رفع مستوى الوعي والجاهزية إزاء ما يشهده العالم من تحولات عميقة.

ومرة أخرى، تحذر المؤسسة العسكرية من بيئة دولية تتجه نحو مزيد من التعقيد، حيث عادت لغة القوة والتدخلات العسكرية إلى الواجهة وتراجعت أدوار المنظمات الدولية، في مشهد يعيد تشكيل موازين القوى على حساب سيادة الدول، خاصة في الجنوب.

وبلا أي مواربة، إنها بحق قراءة لا تنفصل عما تعيشه المنطقة المحيطة بالجزائر، التي تحولت منذ سنوات إلى مسرح مفتوح للصراعات بالوكالة.

ولذلك وجدنا الجزائر تتابع بقلق شديد ما يحدث في محيطها الإقليمي، من ليبيا إلى الساحل الصحراوي، مرورا بتونس، حيث تتقاطع الأزمات السياسية مع هشاشة أمنية تغذيها حسابات خارجية. ولم تكن هذه التطورات وليدة الصدفة، بل جاءت في سياق إعادة ترتيب خرائط النفوذ، عبر إشعال بؤر التوتر واستنزاف الدول المستهدفة ودفعها إلى صراعات داخلية تستنزف قدراتها وتفكك نسيجها.

وترصد القيادة الجزائرية، منذ سنوات، محاولات ممنهجة لاستدراج البلاد إلى محيط ملتهب، عبر تغذية الأزمات في دول الجوار واستعداء بعض النخب الإقليمية، بهدف خلق بيئة عدائية تضغط على الجزائر وتدفعها إلى الانخراط في صراعات لا تخدم مصالحها، وهي محاولات تندرج ضمن منطق أوسع، يقوم على تفكيك الدول وإعادة تشكيلها بما يخدم توازنات دولية جديدة.

وتتقاطع هذه المعطيات مع صراع عالمي محتدم على مصادر الطاقة، تقوده قوى كبرى على رأسها الولايات المتحدة في مواجهة الصين وروسيا، حيث أصبحت مناطق الجنوب، ومنها شمال إفريقيا والساحل، جزءا من هذا الصراع المفتوح، وذلك بغية تحويل الأزمات المحلية، في ظل هذا التنافس، إلى أدوات ضغط، وبالتالي تصبح الحدود الهشة ممرات للفوضى المنظمة والتخريب المبرمج.

وتنسجم مواقف الجزائر مع هذا التشخيص، حيث كثف الرئيس عبد المجيد تبون اتصالاته مع القادة العرب، خاصة في منطقة الخليج، مؤكدا تضامن الجزائر غير المشروط مع الدول التي تواجه تبعات التصعيد العسكري المتزايد منذ نهاية فيفري الماضي، وذلك بفعل الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل ضد إيران، تحت عناوين معلنة، تخفي رهانات أعمق تتعلق بإعادة رسم التوازنات الإقليمية.

وفي نظر الكثير من المتابعين، تطرح هذه الحرب، المؤهلة للتوسع، تحديات حقيقية أمام المنطقة العربية، خاصة في ظل رفض داخلي أمريكي متنام وتحفظ أوروبي بدا واضحا في بداية الحرب (لكن ليس واردا الاستمرار فيه بسبب تداعيات الحرب على تموينات دول التكتل الأوروبي من الطاقة)، مقابل تردد دول الخليج في الانخراط في صراع مفتوح لا يخدم استقرارها على المديين المتوسط والبعيد، وهو ما يعكس وعيا متزايدا بخطورة الانزلاق نحو مواجهات قد تعيد إنتاج سيناريوهات الفوضى التي عرفتها دول عربية عدة.

وفي هذا السياق، تستحضر الجزائر دروس ما حدث في سوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان، حيث تحولت الصراعات إلى مشاريع تفكيك ممنهجة، أفرزت كيانات هشة وفتحت الباب أمام تدخلات خارجية طويلة الأمد، وهي تجارب تؤكد أن الفوضى حين تبدأ لا تتوقف عند حدود معينة، بل تمتد لتطال كامل الإقليم.

وتفرض هذه المعطيات على النخب الجزائرية والطبقة السياسية التحلي بأقصى درجات اليقظة والعمل على تعزيز التلاحم الوطني، باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات.. على اعتبار أن المعركة اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل هي - بالدرجة الأولى - معركة وعي وإدراك، تستهدف تماسك المجتمع وقدرته على الصمود أمام حملات التشويش ومحاولات الاختراق.

ولأجل ذلك، تؤكد الجزائر، من خلال خطاب مؤسساتها، أنها تدرك حجم التحديات وتتعامل معها بعقلانية وهدوء، بعيدا عن الانجرار وراء الاستفزازات.. وهي بذلك تراهن على قوة تماسكها الداخلي وعلى وعي شعبها لتفويت الفرصة على كل من يسعى إلى جرها نحو مستنقعات الفوضى.

ولقد أثبتت التطورات الجارية أن المرحلة تفرض على الجميع إعادة ترتيب الأولويات وتغليب منطق الدولة على الحسابات الضيقة، لأن ما يجري حول الجزائر ليس بعيدا عنها، بل يطرق أبوابها.. وبين عواصف الخليج والشرق الأوسط وصراعات القوى الكبرى، يبقى الرهان الحقيقي هو الحفاظ على استقرار البلاد وصون سيادتها، وهي معركة لا تقل أهمية عن كل ما خاضته الجزائر في تاريخها.