عندما تخرج الصحراء عنبا وبرتقالا وقمحا.. وبترولا

روبورتاجات
16 يونيو 2018 () - غرداية مبعوث "الخبر" محمد الفاتح عثماني
0 قراءة
+ -

بعد ساعتين من السير جنوبا في عمق فيافي غرداية، قاطعين حوالي 250 كيلومترا وسط الأراضي المترامية بمنطقة حاسي لفحل، تراءت لنا بُقع خضراء متقاربة.. لا تكف عن إغوائنا باستعراض ثمار أشجارها ونخيلها وقمحها. هذه المناطق التي كانت في الماضي القريب جرداء وقاحلة، يستعد نحو 541 مستثمر، لفلح وخدمة 113 ألف هكتار منها، لتضاف إلى 44 ألف هكتار يستغلها حاليا شباب ومستثمرون.

ونحن نسير فوق هذا البساط الرملي، ازدحمت في أذهاننا تساؤلات واحتمالات كثيرة.. كيف تمكنت هذه التجارب الفلاحية الجديدة من "تلوين" آلاف الهكتارات الصفراء بالأخضر؟ وكيف استمالت مئات الشباب البطال والمستثمر لخدمتها، وهي أرض جرداء وعرة؟ وما هو مستقبلها في ظل المخاوف من نضوب المياه الجوفية التي ترتوي منها؟

 

البطيخ.. نعمة ونقمة

 

منذ سنوات معدودات، عكف الفلاحون هنا على "تدريب" الأرض القاحلة، لتصبح قادرة على إنتاج الحمضيات والأعناب والقرعيات والزيتون والقمح والشعير والذرى، وخاضوا "مغامرة" فلح الأرض، مستفيدين من تسهيلات أقرتها السلطات العمومية وتقنيات الاستصلاح والسقي المحوري والري بالتقطير، في تجربة لها خصوصيتها وأسرارها وتقنياتها، ومختلفة تماما مع ما هو سائد في سهول الشمال.

يخوض الشاب حسين أولاد البكاي تجربة استصلاح أرض فلاحية وزراعتها في إقليم حاسي الفحل بمنصورة بغرداية، منتشيا بالمياه الجوفية التي تتدفق من باطن دون الحاجة إلى مضخات، ومستفيدا من مجانية المياه وتخفيف عبء الضرائب ودعم الأسمدة. غير أن هذا التفاؤل يقابله تشاؤم مرتسما على وجوه خبراء الفلاحة، الذين قالوا إن هذه الثروة زائلة لكونها ترتكز على مياه غير متجددة.

أدى صاحب المزرعة واجب الاستقبال بحفاوةٍ مألوفة عند أهل الجنوب، ثم توغلنا في حقل من عنب حديث النشأة، وفيه اكتشفنا أن هذه الفاكهة ستكون جاهزة للتسويق شهرا قبل تلك التي تُزرع في الشمال، بحسب صاحب الحقل.

 

 

 

هذه المعلومة ولّدت فينا تساؤلا حول من يتكفل بضبط الأسعار، مادام أن محاصيل الجنوب تدخل مسبقا للأسواق.. ليجيب رئيس قسم الفلاحة بدائرة المنصور، قدور شنينة، مُنيبا عن صاحب المزرعة بالقول: إن "السعر المبدئي يتحدد بناء على مصاريف وتكاليف الإنتاج، ثم يُحدد بعدها وفق قانون العرض والطلب. وعندما تدخل محاصيل الشمال تبدأ المنافسة.. أما بخصوص لهيب الأسعار، فيقف وراءه المحتكرون والوسطاء المضاربون".

يتدخل صاحب المزرعة محاولا توضيح الفكرة: "عندما نلج السوق بمحاصيل العنب، لا نضع أسعارا من وحي خيالنا، وإنما عبر معايير محددة هي: تكلفة الإنتاج، وهامش الربح، وكذا مستحقات النقل ونصيب بائع الجملة وتجار التجزئة، إلى جانب قدرة المواطن الشرائية.. فكلما انخفضت التكاليف، يرتفع هامش الأرباح، وبالتالي يخفض المزارع سعر المنتجات.

وعن طرائق الري، قال المتحدث "نعتمد على نظام سقي عصري، يعمل بمبدأ التقطير.. عن طريق تثبيت أنابيب على أوتاد شبه إسمنتية، تسمح بصعود الكروم لتشكل سقوفا، وهو ما يسمى بتقنية "عريشة"، التي تختلف عن نظام الري بالأحواض أو الغمر التي تصعب من مهمة الفلاح في معالجة الأرض ومداواتها". وهذه التقنية تضاعف من وفرة الإنتاج 6 مرات، وهو ما بات يساهم في تخفيض أسعار المحاصيل.

وبخصوص اختلاف أعناب الشمال عن المزروعة في الجنوب، استرسل التقني قائلا "الرمل يفتقر للمواد العضوية مقارنة بالتراب، لذا يحتاج إلى تغذيته على الدوام بالبقايا الحيوانية والأسمدة، حتى يتسنى للشجرة الإثمار بشكل طبيعي، مستعينة بحلول موسم الحر مبكرا في الجنوب، وبالتالي فإن العناصر الغذائية في محصول الجنوب متميزة".

قبل مغادرة هذه المزرعة والتوجه إلى حقول البطيخ، تساءلنا عن مصدر مياه السقي.. حينها قادنا صاحب المزرعة إلى بئر ارتوازية عمقها 450 متر، أنجزها سوريون مختصون في هكذا نشاط.. ثم دنا منها الرجل وقام بفتحها، ليتدفق ماءٌ عذب بقوة كبيرة دون الحاجة إلى استعمال مضخة.

هذا المشهد جرّنا إلى طرح سؤال حول سر خروج المياه من باطن الأرض بهذه القوة، ليتدخل التقني متكفلا بالشرح "انخفاض سطح الأرض بهذه المنطقة يجعلها قريبة من طبقة المياه، بينما يحدث العكس بالمزارع التي تتواجد في مناطق مرتفعة، إذ يحتاج أصحابها إلى استعمال مضخات لاستخراج المياه.

 

البلاستيك لاختصار الوقت

 

عبر مسلك حجري، وصلنا إلى حقول البطيخ المترامية وسط تلال صخرية، لصاحبها الحاج إبراهيم، الذي نجح في تخصيب وإثمار هذه الأرض القاحلة، بالاعتماد على عدة أساليب جديدة كالنحل والبيوت البلاستيكية النفقية.

رغم أن هذه المزرعة غير مزودة بالطاقة الكهربائية التي يطالب بها صاحب المزرعة منذ سنوات، إلا أن الأخير أبدى عزما على مواصلة نشاطه بالاعتماد على محركات توليد الطاقة التي تشتغل بالمازوت وتستهلك منه ما يفوق مليون سنتيم لليوم.. يتحدث الفلاح بمرارة كبيرة خلال مأدبة غداء أقامها على شرفنا.. طبقها الرئيس كسكس شعير بلحم المخلول (صغير الإبل).

ومن أجل اختصار فترة الانتاج وتقليصها إلى 3 أشهر، وكذا ترشيد استهلاك الطاقة، لجأ الحاج إبراهيم إلى استعمال البيوت البلاستيكية. ويكمن السر في هذه التقنية، بحسبه، في أن الفلاح يقوم بغرس بذور البطيخ في موسم البرد ويحميها بالبيوت البلاستيكية، حتى يوفر للثمرة مناخا دافئا يساعدها على النمو بسرعة. ولما يعتدل الطقس في الخارج ويقترب موسم الحر، تكون الثمرة قد تشكلت ونمت بنسبة 80 بالمائة، وهنا ينزع الفلاح البلاستيك كي يكتمل نمو البطيخ بسرعة تحت أشعة الشمس.

وفي هذه الجزئية، يتدخل التقني كاشفا بأن السلطات صارت لا تتحمس للسماح بإقامة زراعات تستهلك كميات كبيرة من المياه كالبطيخ والأعناب والقرعيات، مخافة من ارتفاع وتيرة نضوب طبقة المياه الجوفية بسرعة. لكن من جهته، الفلاح، يفضل هذا النوع من الفلاحة لكونه مدراراً ومُربحا وسهلا بالمقارنة مع المواد الأخرى، يضيف المتحدث.

 

 

 

النحل من أجل الوفرة

 

ترجلنا بعدها نحو حقل البطيخ الأصفر المنبسط فوق ربوة على بعد نحو 500 متر، وفيه شدّ انتباهنا أعداد لافتة من النحل، تُحلق وتقفز من زهرة إلى أخرى تجمع غبار الطلع. وبالسؤال حول سر تواجدها في مناطق صحراوية قاحلة، ابتسم مرافقنا ثم انحنى واقتلع زهرة وفركها بأصابعه، ثم أجاب باسترسال: "النحل يساعد على مضاعفة وفرة المنتوج، من خلال تكثيف وتسريع تلاقح الأزهار، ومعلوم أن كل زهرة ملقحة تعطينا ثمرة.. وإذا تركنا الأزهار تتلاقح عن طريق الرياح، فإن التلقيح لا يكون كثيفا بما فيه الكفاية، وبالتالي ينخفض عدد الأزهار المثمرة".

حاجة الفلاحين إلى خدمات عاملات النحل، كانت سببا في تنشيط سوق تربية هذه الحشرة العجيبة التي حيّر نظام حياتها العلماء، وكانت عاملا أيضا في وفرة العسل في المنطقة، يشرح التقني شنينة وهو مبتسم، قبل أن يتابع: عندما تفطن الفلاحون لهذه الخاصية، صاروا يقومون بمشاريع موازية خاصة بتربية النحل، لتتكفل بوظيفة تلقيح الأزهار التي بدورها تؤدي إلى مضاعفة الإنتاج.

  

 

أسعار ونقائص

 

واصلنا المسير، بعدها، نحو مزرعة ضخمة منبسطة على 1000 هكتار، تضم حقول القمح والشعير والنخيل وأشجار الزيتون والبرتقال والكروم.. تترامى حيثما وُليَ البصر.. وبعدما تأكد حارس البوابة من هويتنا، فسح المجال وأذِن لنا بالدخول ثم لاحقنا بنظرة فضولية.

استقبلنا ابن صاحب المزرعة بوعلام بن حمودة، المشرف على الاستثمار، وبعد لقاء قصير أدرك خلاله الهدف من الزيارة. أقلّنا عبر سيارة رباعية الدفع إلى عمق حقول القمح والشعير، وعندها اكتشفنا أن تقنية الري المحوري التي تنصح بها الولاية لترشيد استغلال المياه، عبارة عن محرك كبير يتوسط الحقل، يتكفل بتدوير ذراع طويلة ممددة إلى طرف الحقل بشكل دائري، وهذه الأخيرة تعتمد على قوائم مثبتة على عجلات تسمح بتسييرها.. وهو جهاز يسمح لصاحب المزرعة بضبط كمية المياه المراد رشها وفق مرحلة النمو التي يكون عليها الحقل.

وبالتحول إلى الأسعار التي عادة ما تشكل هاجس المواطن، ذكر المتحدث بأنها تُحدد على مستوى المزرعة، قبل أن يأتي تجار الجملة باقتنائها ومن ثم تسويقها. وفي حالة ما إذا التهبت، فإن صاحب المزرعة غير مسؤول عنها، لأن أسعاره تكون ثابتة في العادة وتتحدد حسب تكلفة الإنتاج التي تبقى بدورها ثابتة.

طاف بنا المتحدث كل جنبات المزرعة، مبديا تذمرا من عدم إتمام توصيل أعمدة الطاقة الكهربائية لباقي أجزاء المزرعة.. يتحدث بوعلام وعلامات الفزع مرتسمة على محياه، قبل أن يواصل بنبرة حزينة "عندما أتذكر أن مستثمرات الشراكات الأجنبية أبعد من مزرعتنا، استفادت من الطاقة، يهجرني النعاس ليلا.. فأحاول مجددا مناشدة السلطات المعنية، لكنها لا تستجيب".

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول