ابحثوا عن الشُّهرة بعيدًا عن مقام النّبوة!

اسلاميات
16 يناير 2019 () - الدكتور يوسف نواسة*
0 قراءة
+ -

لا يجهل أحدٌ عِظم قدر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، كما لا يجهل أحدٌ تعظيم الله عزّ شأنه لقدر نبيّه الكريم، في قرآنه العظيم، ومن ذلك أنّ الله عزّ وجلّ يقول: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون}، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: ”أقسم تعالى بحياة نبيّه -صلوات الله وسلامه عليه- وفي هذا تشريف عظيم، ومقام رفيع وجاه عريض.. عن ابن عبّاس، أنّه قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وما سمعتُ الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون}، يقول: وحياتك وعمرك وبقائك في الدّنيا إنّهم لفي سكرتهم يعمهون”.
ومن ذلك أيضًا سورة الضُّحى الّتي يحفظها عامة المسلمين، ومثلها سورة الشّرح: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}. ومثلها تزكية الله تعالى جملته عليه السّلام؛ فزكّى فؤاده ولسانه وجوارحه، فزكّى قلبه بقوله: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ ما رَأَى}، ولسانه بقوله: {ومَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى}، وبصره بقوله: {مَا زَغَ الْبَصَرُ وما طَغَى}”. وأكمل ذلك في آيات أُخر بأنّ زكّى خلقه وعظّمه: {وإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم}. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرات الّتي تبيّن فضل نبيّنا عليه السّلام ومقامه عند ربّه العظيم سبحانه.
إذًا من المعلوم المشهور من أحكام الإسلام الّتي لا يجهلها أحدٌ أنّ الله تعالى أوجب تعزيره عليه السّلام وتوقيره، وألزمنا بإكرامه وتعظيمه حيًّا وميّتًا، فواجبٌ أن نراعيَ مقامه وخصوصياته في حديثنا عنه: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا}، ذلك أنّ التّعظيم الواجب لمقام النُّبوة يوجب علينا ألّا نتحدّث عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما نتحدّث عن أيّ إنسان آخر، قال الله جلّ شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}، بل أكثر من ذلك يعلّمنا القرآن عمليّا تعظيم النّبيّ وتخصيصه بالفضل، حيث أنّ الله تعالى خاطب الأنبياء الكرام بأسمائهم: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَك..}، {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيم..}، {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى..}، {إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى..}.. إلخ. وخصّ نبيّنا عليه السّلام تعظيمًا بأن خاطبه بالنّبوة والرّسالة في كتابه فقال: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ..} و{يَأَيُّهَا الرَّسُولُ..}، وكلّ هذا التّعظيم الرّبانيّ لرسوله الخاتم يوجب علينا أن نعظمّه كما يليق بمقامه في كلامنا عنه، وأن نحذر في إطلاق الأوصاف عليه وإصدار الأحكام على تصرّفاته.
وهذا ما تساهل فيه بعض المسلمين في العصر الحاضر، أو جهلوه وغفلوا عنه، فتكلّموا عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كلامًا لا يليق بمقامه وتعظيمه، ولا يقبل من مسلم موحّد. وإذا كان رسام الكاريكاتور الدانماركي وجريدة شارل إيبدو وغيرهما أساءوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بتلك الحماقات المشهورة، فإنّ بعض المسلمين يماثلونهم -وإن اختلف المضمون- في هذه الإساءة بنسبتهم للنّبيّ الكريم عليه السّلام أمورًا لا يُقبَل أن تُنسَب إليه ويوصف بها، من حيث أنّ كلا الأمرين إساءة لمقام النّبوة وعدم توفيته حقّه من التّعظيم والتّكريم.
ولا أدري ما الّذي يوقع مسلمًا في مثل هذا إلّا الجهل أو البحث عن الشّهرة بمثل هذه (الخرجات) الإعلامية!. وآخر هذه (الخرجات القبيحة) والسّقطات الفظيعة ما صرّح به لوط بوناطيرو من ادعاءات في حقّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أقلّ ما يُقال عنها: إنّها جاهلة سخيفة!. ولكنّها خطيرة. حيث يتّهم هذا الرّجل -الّذي في غالب الظنّ لا يعرف ما يترتّب على قوله المضحك من نتائج- رسولَنا صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان يَعبُد على جهل بالأشهر والزّمان، فكان يصوم رمضان مثلًا في وقت ليس هو رمضان، حشاه وكلّا!، بل مَن يقول هذا هو الجهول!.
ويتعالم بوناطيرو حين يأتي بدليل على قوله، فيستدلّ بقوله صلّى الله عليه وسلّم في حجّة الوداع: «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّموات والأرض». وهكذا يفضح الرّجل نفسه ويعلن جهله أمام النّاس، حيث لو أكمل الحديث فقط؛ لعَلِم أنّ ما استنتجه من الحديث ليس هو المراد، حيث جاء في الحديث بعد ذلك: «أيّ شهر هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكتّ حتّى ظننّا أنّه سيُسمّيه بغير اسمه. قال: «أليس ذو الحجّة»، قلنا بلى ..». وما هذا منه صلّى الله عليه وسلّم إلّا تأكيد لتحريم النّسي الّذي كان في الجاهلية، وهو تغيير الأشهر الحُرُم حتّى يَسهل عليهم الغزو. والّذي حرّمه الله تعالى في آيات هي من آخر ما نزل من القرآن: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين}.
أمّا فهمه بوناطيرو لا يفهمه إلّا مثله ممّن لا يُتقِن العربية ولم يدرس الشّريعة، ويحسب أنّ نيله شهادة في أيّ علم من العلوم يُعطيه الحقّ في الاجتهاد والفتوى والكلام في أمور الدّين. وهذا هو الضّلال المبين، ويكفي لبيان بطلان هذه السّخافة أن نَعلَم أنّ قبل حجّة الوداع بعام حجّ أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه بالنّاس، وعلى قول بوناطيرو فإنّ ذلك التاريخ خاطئ، وهذا تكذيب لله تعالى، إذ كيف تصحّ حجّة أبي بكر وقد وقعت في ذي القعدة -حسب زعمه- وأنّى هذا، وقد قال الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ}، وإنّما نُودي بذلك في حجّة أبي بكر فلو لم تكن في ذي الحجّة لَمَا قال تعالى: {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ}. فهذا دليل قاطع على صحّة التّوقيت الّذي كان عليه سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وليعلم بوناطيرو وغيره أنّ إيقاع العبادة في غير وقتها الشّرعيّ لا يجوز، وما كان الله تبارك وتعالى أن يترك نبيّه عليه السّلام يعبُدَه عبادة خاطئة في وصفها أو في وقتها. وليته يسكت ولا يتكلّم في شرع الله تعالى بما لا يَعلَم، هو وأمثاله ممّن وجد فسحة في وسائل الإعلام فحسب أنّها تُعطيه الحقّ في أن يتكلّم في دين الله وشرعه بالجهل. وأقول له ختامًا: ”لَيْسَ هَذَا بِعُشِّكِ فادرجي”، فلستَ من رجال هذه المحافل، ولا من فرسَان هذه الجحافل. أما عَلِمتَ أَنّ الخَارِج عن لغته لحّان، وأنّ الدّاخل في غير فنّه يفضحه الامتحان!، وأنّ مَن تكلّم في غير فنِّه أتَى بالعجائب!.
*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول