ضرورة تحقيق الأمن الفكري

اسلاميات
16 فبراير 2020 () - الدكتور عبد الحق حميش*
0 قراءة
+ -

إنّ نعمة الأمن والاستقرار من أعظم النّعم الّتي يظفر بها الإنسان، فيكون آمنًا على دينه وعلى نفسه وعلى ماله وولده وعرضه بل وعلى كلّ ما يُحيط به؛ وفي ظلّ الأمن والأمان تحلو الحياة، وهو مطلب كلّ المجتمعات، والأمن هبة من الله لعباده، ونعمة يغبط عليها كثير من النّاس.
قال الله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَده، عِنْده قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا».
للأمن عدّة أنواع هي الأمن النّفسي، الأسري، الاجتماعي، الفكري، الاقتصادي، المائي، الوطني، الوقائي الصحي والأمن الغذائي؛ إلّا أنّ العُلماء يرون أنّ الأمن الفكري هو لُبّ الأمن وأساسه لأنّ الأمم والحضارات تقاس بعقول أبنائها وبأفكارهم لا بأجسادهم، فالعبرة بالقلوب لا بالقوالب وبالأرواح لا بالأشباح؛ فإذا اطمأن النّاس على ما عندهم من مبادئ وأصول واضحة، وأَمِنوا على قيمهم، وأفكارهم ومُثلهم؛ فقد تحقّق لهم الأمن؛ وبالمقابل إذا تأثّرت تلك العقول والقلوب بأفكار دخيلة فاسدة، وتلوّثَت بثقافات مستوردة، واختلطت مفاهيمها بمفاهيم خاطئة، فإنّ ذلك مؤشّر بدخول الخوف والاضطراب إليهم.
ولاشكّ أنّ انعدام الأمن وانتشار الحروب والصّراعات داخل المجتمعات لها آثار خطيرة؛ كالدّمار في الممتلكات، والأضرار البيئية، والمجاعات، والأمراض، والإصابات، والموت، والتأخّر العلمي، والتأثيرات النفسية السّلبية على الأفراد، واستنزاف الموارد الاقتصادية والبشرية، والتشريد، وغيرها.
ويُعنَى بالأمن الفكري الحفاظ على المكوّنات الثقافية الأصيلة والهوية الوطنية من الاختراق أو الاحتواء من الخارج، في مواجهة التيارات الثقافية الوافدة والمشبوهة، وهو أيضًا اطمئنان النّاس على مكوّنات أصالتهم وثقافتهم النّوعية ومنظومتهم الفكرية، ويعني السّكينة والاستقرار والاطمئنان القلبي واختفاء مشاعر الخوف على مستوى الفرد والجماعة في جميع المجالات النفسية والاجتماعية والاقتصادية.
ويهدف الأمن الفكري لكلّ مجتمع إلى الحفاظ على هُويَتِه، إذ أنّ في حياة كلّ مجتمع ثوابت تمثّل القاعدة الّتي تُبنى عليها وتعدّ الرّباط الّذي يربط بين أفراده وتحدّد سلوك أفراده وتكيّف ردود أفعالهم تجاه الأحداث وتجعل للمجتمع استقلاله وتميّزه وتضمن بقاءه في الأمم الأخرى، وإلى حماية العقول من الغزو الفكري، والانحراف الثقافي، والتطرّف بجميع أنواعه وأشكاله، بل يتعدّى الأمن الفكري ذلك ليكون من الضّروريات الأمنية لحماية المكتسبات والوقوف بحزم ضدّ كلّ ما يؤدّي إلى الإخلال بالأمن الوطني.
وعلى الشّباب خاصة أن يعلم أنّنا نعيش عصرًا تعدَّدت وتنوَّعت فيه التّحديات الفكرية والمشارب العقدية، لهذا عليه أن يعي أهميّة دور التحصين العقدي وتعزيز الأمن الفكري، بحسبانهما حجرا الزّاوية في الحفاظ على وحدة وتماسك وأمن المجتمع، وغير خاف ما للإسلام من دور متعاظم في الحفاظ على أمن وسلامة الفكر للأمّة المسلمة، بل وللبشرية جمعاء، إلّا أنّ التاريخ يشهد منذ القدم على كثير من العقول البشرية الّتي لم تدرك الحقيقة، إمّا كِبرًا وتكبُّرًا، أو لقصور في الفهم والوعي، أو لخلل في البيئة والثقافة، أو لعدم الإيمان بالمسؤولية المجتمعية الوقائية، فكانت الاضطرابات والتفجيرات والقتل والتّدمير الّتي أحدثت خللًا بالأمن الحسّي، ستظل آثاره منطبعة في الذّاكرة لأمد طويل.
ويجب أن يبدأ الأمن الفكري من الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد بغرس ثوابت الدّين في عقول النّاشئة وأفئدتهم، تعزّز الانتماء للوطن وتنمّي داخل نفوس الأفراد أهمية الحفاظ على مقدراته ومكتسباته وقيمه الفاضلة، وإفساح المجال لهم للتّعبير عن ذواتهم في جوّ من الحوار المجتمعي الهادئ الهادف المحافظ على هُوية المجتمع وثوابته.
ولتحقيق الأمن الفكري الّذي وردت به آيات القرآن الكريم، فيجب إقامة العدل بين الأفراد، ودرء الظّلم عنهم، إذ تنتهي هذه الآيات إلى أنّ المجتمع الّذي يُقيم أفراده العدل بينهم هم أحد الفريقين الأحقّ بالأمن، خلافًا للفريق الآخر الّذي يُلبس أفراده معاملاتهم بالظّلم، فإنّه تبعًا لذلك غير جديرين بالتمتّع بنعمة الأمن. قال تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}. وإذا كان العمل الصّالح هو أحد الطّريقين الموصلين إلى الأمن والأمان في الدّنيا والاستخلاف في الأرض، فإنّ المعاصي هي الطّريق الرئيس إلى الغواية والضّلال، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}. ولابُدّ من إتاحة الفرصة الكاملة للحوار الحُرّ الرّشيد داخل المجتمع الواحد، وتقويم الاعوجاج الفكري بالحجّة والإقناع واتّساع صدورنا لبعضنا البعض.
[email protected]

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول