اقتصاد

كهرباء الجزائر بين الطلب الداخلي والطموح الأوروبي

يأتي التوجه نحو السوق الأوروبية ضمن سياسة تستهدف تعزيز موقع الجزائر في المبادلات الطاقوية الإفريقية والأوروبية.

  • 389
  • 3:18 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تتحول الكهرباء في الجزائر من خدمة عمومية مرتبطة أساسًا بالاستهلاك الداخلي إلى سلعة إستراتيجية قابلة للتصدير والتفاوض. وقد وضعت وزارة الطاقة والطاقات المتجددة الاندماج في سوق الكهرباء الأوروبية ضمن أهداف السياسة الوطنية للطاقة، بالتوازي مع فتح ورشة لدراسة منظومة استهلاك الكهرباء والغاز وتسعيرهما، ورفع المحتوى المحلي في تجهيزات القطاع وخدماته؛ وهي مقاربة تربط توسيع الصادرات بتحسين كفاءة السوق الداخلية، بدل الفصل بين الواجهة الخارجية والتوازنات الداخلية.

26 غيغاواط.. وفائض تجاري يُقاس بالميزان الطاقوي

تتمتع الجزائر بقاعدة إنتاجية معتبرة في الكهرباء، إذ تصل الطاقة المركبة حسب تقديرات وزارة الطاقة والطاقات المتجددة على موقعها إلى 26.107,20 ميغاواط، أي نحو 26,1 غيغاواط، فيما تبلغ نسبة التغطية الكهربائية 99%، ويستفيد منها 12.297.856 زبونًا. غير أن هذه الأرقام، التي لا تحدد الوثيقة سنتها المرجعية، لا تعني تلقائيًا وجود فائض تجاري جاهز للتصدير.

فالقدرة المركبة تعبر عن الطاقة الاسمية القصوى، وليس عن الكميات المتاحة فعليًا بعد خصم الاستهلاك الوطني، وجاهزية المحطات، واحتياطي الأمان، وخسائر النقل، وقيود الشبكة. لذلك فإن تحديد الفائض التصديري يظل رهنًا بالميزان الطاقوي الفعلي، وبذروة الطلب الصيفي خصوصًا، وبقدرة منظومة النقل على تحويل الإنتاج نحو الأسواق الخارجية؛ وهنا تبرز أهمية تحسين تخطيط منشآت الإنتاج والنقل وتشغيلها، باعتباره شرطًا مسبقًا لأي طموح تصديري.

وتقوم الجزائر، عبر الشركة الجزائرية للكهرباء والغاز "سونلغاز"، بإنتاج وتسويق الكهرباء. وتتولى شركتها الفرعية "سونلغاز-إنتاج الكهرباء" تشغيل وصيانة وحدات الإنتاج، مع مراعاة معايير الصيانة والأداء والسلامة. وتضطلع كذلك بمهام مراقبة قابلية منظومة الإنتاج للاشتغال، واحترام واجبات المرفق العام في انتظام التموين بالكهرباء ونوعيته، وكذا حماية البيئة واستغلال المنشآت المشتركة وصيانتها.

أما على مستوى النقل، فيضمن مجمع سونلغاز عبر فرعه "سونلغاز-نقل الكهرباء ومسير المنظومة" استغلال وصيانة وتطوير تسيير شبكة نقل الكهرباء عبر التراب الوطني، وفق التشريعات واللوائح المعمول بها وأحكام القانون رقم 01-02 بتاريخ 5 فيفري 2002 المتعلق بالكهرباء وتوزيع الغاز بواسطة القنوات. ويسهر خاصة على استمرار التوازن بين الاستهلاك والإنتاج، وعلى سلامة وموثوقية وفعالية التموين بالكهرباء. وهذا التنظيم يمنح القطاع بنية مؤسساتية قادرة على إدارة سلسلة القيمة، لكنه يضع أيضًا ضغوطًا على الكلفة والأداء والاستثمار.

أوروبا في الأفق

يأتي التوجه نحو السوق الأوروبية ضمن سياسة تستهدف تعزيز موقع الجزائر في المبادلات الطاقوية الإفريقية والأوروبية، مع ضمان تلبية الاحتياجات الوطنية على المدى الطويل. وتربط الوزارة هذه الرؤية بالمهام المسندة إلى القطاع عقب التعديل الحكومي في 14 سبتمبر 2025، وتشمل تطوير مزيج الطاقة، وزيادة مساهمة المصادر المتجددة، وتحسين النجاعة الطاقوية.

وقد اتخذ مسار الربط مع أوروبا خطوة استكشافية في 31 جويلية 2024، عندما وقعت سوناطراك وسونلغاز و"إيني" الإيطالية مذكرة تفاهم لتقييم جدوى ربط كهربائي بحري بين الجزائر وإيطاليا، بهدف إمداد السوق الإيطالية والأوروبية.

وفي موازاة التوجه الخارجي، تعيد الوزارة فتح ملف نموذج الاستهلاك والتسعير، وهو أحد أكثر الملفات ارتباطًا بالأسر والمؤسسات. وتعرض البيانات نحو 8,13 مليون زبون للغاز وتغطية بنسبة 72%، دون تحديد السنة المرجعية، إلى جانب قاعدة المشتركين الواسعة في الكهرباء.

وتكتسب مراجعة هذا النموذج أهمية اقتصادية لأنها تتصل بتمويل الشبكات وصيانتها، وتكاليف الطاقة لدى المؤسسات، والقدرة الشرائية للأسر.

كما تربط السياسة الجديدة تحسين أداء القطاع بزيادة مساهمة الصناعة الوطنية. فقد وجهت الوزارة المتعاملين إلى رفع المحتوى المحلي في إنتاج المعدات وتوفير الخدمات المرتبطة بالكهرباء والغاز، بالتوازي مع تحسين الإنتاجية ورقمنة التسيير وتكوين الكفاءات.

ويتيح هذا التوجه تحويل جزء أكبر من الطلب الاستثماري إلى المؤسسات الجزائرية، عبر أنشطة التصنيع والهندسة والتركيب والصيانة. لكن العائد يتوقف على قدرة الموردين المحليين على الاستجابة لمتطلبات الجودة والتكلفة والآجال، فرفع المحتوى المحلي يعد سياسة صناعية تحتاج إلى سلاسل توريد، ومعايير، وتمويل، وتدريب.

كما تبرز الوزارة لوحدات القطاع الحفاظ على مواردها المالية وتحسين استخدامها، من خلال تجميع الاحتياجات وتعزيز التعاون التشغيلي. وتدرج إعداد عقود الأهداف والأداء والتخطيط المالي ضمن أدوات تحديث التسيير وربط الإنفاق بالنتائج، ما يجعل متابعة الكلفة والآجال والإنتاجية جزءًا من تنفيذ السياسة المعلنة.

وفي مجال تنويع الأنشطة، يتم التوجه إلى إنتاج الهيدروجين عبر مواقع تجريبية وتشمل التوجهات كذلك التطبيقات غير الكهربائية للطاقة النووية والتكوين في الهندسة النووية. ولهذا المسار خلفية عملية؛ إذ بحث وزير الطاقة والطاقات المتجددة مراد عجال، في 26 جويلية 2026، مع الشركة الأرجنتينية «INVAP»، تقدم إنجاز منشأة إنتاج النظائر المشعة بالدرارية للاستخدامات الطبية، مؤكدًا ضرورة تسريع الأشغال واحترام الآجال. وهذه المؤشرات، وإن كانت قطاعية، تدل على أن الجزائر تسعى إلى بناء قدرات تكنولوجية أوسع، لا تقتصر على تصدير الجزيئات أو الإلكترونات.