مجتمع

كاميرات المراقبة.. عيون الجدران التي لا تنام

بين الحاجة للأمن والحفاظ على الخصوصية.

  • 840
  • 4:44 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

في أحد أحياء بلدية الدرارية، بالجزائر العاصمة، لا يلفت الانتباه للوهلة الأولى سوى المنازل المتقاربة، والأبواب الموصدة، لكن ما إن ترفع رأسك قليلا حتى تلمح تلك "العيون الصغيرة" المثبتة على الجدران تراقب كل حركة في صمت. هنا لا تدور الخلافات حول الضجيج أو مواقف السيارات، بل حول زاوية كاميرا المراقبة التي يراها البعض ضرورة فرضها تزايد الجريمة، فيما يعتبرها آخرون تعديا على الحياة الخاصة.

"ركبت كاميرا المراقبة بعد تعرض الحي لعدة سرقات، نحن نبحث فقط عن الأمان"... هكذا كان رد المدعو"ع. م" عندما سألناه عن أسباب إقدامه على هذه الخطوة، مضيفا أن الوضع لم يعد يحتمل في ظل تكرار حوادث السرقة، خاصة خلال فترات الليل، ما دفعه، رفقة عدد من الجيران، إلى التفكير في وسائل ردع بسيطة لحماية ممتلكاتهم وعائلاتهم.

بالنسبة لمحدثنا، كاميرا المراقبة وسيلة حماية لا أكثر، توثق أي طارئ وتردع الغرباء، والهدف من تركيبها ليس التعدي على خصوصية الآخرين، بقدر ما هو إجراء وقائي فرضته الظروف، في انتظار توفير الأمن بالحي على حد تعبيره.

في الحي نفسه، يرى السكان أن خلافا بسيطا بين جارين تحول إلى قطيعة دامت أشهر، بعد اتهام أحدهما للآخر بتوجيه الكاميرا نحو نوافذ منزله. بدأ الأمر بنقاش عادي، ثم تدخلت العائلة، وبعدها أصبح كل واحد يتجنب الآخر، مضيفا: "الكاميرات لم تعد فقط وسيلة مراقبة، بل سببا للقطيعة".

وبين هذين الموقفين، تطفو إلى السطح صراعات بين الحاجة إلى الأمان والحق في الخصوصية، في ظل غياب تأطير أو حملات توعية كافية.

وفي محاولة لتفادي هذه التوترات، يروي أحد سكان حي بلدية حيدرة في العاصمة: "اتفقنا كجيران ووضعنا خطوطا حمراء تحترم الجميع، وذلك بتوجيه الكاميرات نحو الشارع فقط، وتجنب تصوير الأبواب والنوافذ"، مضيفا: "أن هذا التفاهم البسيط جنبهم الكثير من المشاكل والخلافات".

 "الإطار القانوني لكاميرات المراقبة واضح"

لا يقتصر إشكال تركيب كاميرات المراقبة على البعد الاجتماعي فحسب، بل يمتد أيضا إلى الجانب القانوني. فرغم أن استخدام هذه الأجهزة مسموح به ضمن ضوابط محددة، إلا أن توجيهها نحو مساحات خاصة أو مداخل منازل الجيران قد يثير إشكالات قانونية ويفتح الباب أمام نزاعات قضائية محتملة.

في السياق، يؤكد المحامي، عبد الرحمن صالح، أن الإطار القانوني المنظم لاستعمال كاميرات المراقبة في الجزائر "واضح وصارم"، مشيرا إلى أن المادة 303 مكرر من قانون العقوبات تجرّم كل مساس بحرمة الحياة الخاصة، وتصل عقوبته إلى ثلاث سنوات حبس.

وأوضح صالح أن كاميرات المراقبة تصنف ضمن التجهيزات الحساسة، وهو ما يعني أن مختلف العمليات المرتبطة بها، من اقتناء وبيع وتوزيع وتركيب واستعمال، تخضع بالضرورة إلى رخصة مسبقة تسلمها الجهات الإدارية المختصة بعد إجراء تحقيق أمني وإداري.

وفي هذا السياق، اعتبر المتحدث أن الانتشار المتزايد لتركيب هذه الكاميرات دون ترخيص قانوني يضع أصحابها تحت طائلة المتابعة القضائية من زاويتين، الأولى تتعلق بغياب الرخصة الإدارية، وهي مخالفة قائمة بذاتها.

 أما الثانية فتتصل بما قد ينجر عن استعمال هذه الكاميرات من أفعال تمس بحرمة الحياة الخاصة، والتي قد تكيف قانونا كجنحة تصل عقوبتها إلى الحبس.

وأضاف أن القضاء الجزائري سبق له أن عالج العديد من القضايا المرتبطة بهذا النوع من التجاوزات، خاصة عندما يتم توجيه الكاميرات نحو الفضاءات الخاصة أو التقاط صور للغير دون علمهم أو موافقتهم.

وختم صالح بالتأكيد على أن تحريك الدعوى العمومية في مثل هذه الحالات يظل مرتبطا، في كثير من الأحيان، بتقديم شكوى من الطرف المتضرر، ما يفتح المجال أمام القضاء للنظر في الوقائع وتحديد المسؤوليات وفق ما ينص عليه القانون.

 "أخلاقيات الجوار الرقمي" لتنظيم استخدام كاميرات المراقبة  

ويرى البروفيسور بلال بوترعة، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الوادي، أن ما يحدث اليوم بفعل انتشار كاميرات المراقبة يعكس تحولا اجتماعيا عميقا، حيث تغيرت وظيفة هذه التقنية من وسيلة للحماية إلى مصدر توتر داخل الأحياء. "فالكاميرا التي كان ينظر إليها كدرع أمني، أصبحت في نظر الجار سيفا موجها نحو خصوصيته، ما أدى إلى نشوء خلافات يومية بين جيران لم تكن بينهم سابقا نزاعات تذكر.

ومن منظور سوسيولوجي - يواصل بوترعة - يكشف هذا الواقع عن تحول لافت في مفهوم الخصوصية داخل المجتمعات المعاصرة، حيث لم مجرد حدود مادية تفصل بين المنازل، بل تحولت إلى منطقة رمادية تعيد تشكيل العلاقات الجوارية.

"فحين تلتقط كاميرا جزءا من حديقة الجار أو تسجل أصوات أطفاله، تتحول الحياة اليومية إلى مشهد خاضع للمراقبة، ما يؤدي إلى تآكل الثقة المتبادلة، ويستبدلها بمنطق الشك والتوثيق، حيث يترقب كل طرف الآخر عبر التسجيلات".

هذا التوتر لا يعكس فقط تأثير التكنولوجيا، بل يكشف أيضا عن أزمة أعمق في كيفية إدارة المساحات المشتركة والمتداخلة. فالكاميرات قد تلتقط تفاصيل الحياة الخاصة دون قصد، مثل أوقات الدخول والخروج أو زيارات العائلة، وهو ما يتعارض مع القيم الاجتماعية التقليدية التي كانت تقوم على "ستر الجار".

وهنا تظهر مفارقة واضحة "الخوف من الجار الغريب يدفع إلى تركيب الكاميرا، لكن النتيجة تكون في كثير من الأحيان تحويل الجار القريب إلى مصدر قلق وشعور دائم بالمراقبة".

ويزداد الوضع تعقيدا في ظل غموض الإطار القانوني، خاصة فيما يتعلق بتحديد حدود الرؤية المسموح بها للكاميرات. كما تثير مسألة أحقية تصوير أجزاء من الفضاء العام أو المساحات المشتركة داخل العمارات تساؤلات واسعة، تفتح المجال أمام نزاعات متكررة، تتحول أحيانا إلى ما يشبه محاكمات عرفية داخل الأحياء، في غياب ضوابط واضحة".

وفي هذا السياق، تتحول الكاميرات إلى أدوات ضغط نفسي بين الجيران، حيث يلجأ البعض إلى تغيير زوايا التصوير باستمرار، أو وضع لافتات تحذيرية، أو حتى تركيب كاميرات مضادة، ما يخلق حالة من التنافس الصامت الذي يحول واجهات المنازل إلى ما يشبه ساحة مواجهة تكنولوجية.

كما أن ربط هذه الأجهزة بالإنترنت زاد من حدة الإشكال، إذ لم يعد الأمر يقتصر على المراقبة فقط، بل امتد إلى إمكانية تخزين المقاطع وتداولها عبر تطبيقات مثل واتساب أحيانا دون وعي بخطورة ذلك، وهو ما يضاعف من انتهاك الخصوصية، وينقلها من نطاق محلي محدود إلى فضاء رقمي أوسع.

في المحصلة، تعكس هذه الظاهرة وفق بوترعة تراجعا في منسوب الثقة الاجتماعية، حيث تتحول التكنولوجيا إلى سلاح ذي حدين: فهي من جهة تعزز الشعور بالأمان، لكنها من جهة أخرى قد تساهم في تفكيك العلاقات الجوارية. لذلك، تبرز الحاجة إلى وضع ما يمكن تسميته بـ "أخلاقيات الجوار الرقمي"، التي تنظم استخدام كاميرات المراقبة وتحدد حدودها، بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن واحترام الخصوصية، ويحول دون تحول الأحياء إلى فضاءات مراقبة دائمة.