أقلام الخبر

ماذا يعني أن تمتلك الجزائر فضاء عرض لأكثر من 10 آلاف متفرج؟

  • 116
  • 2:03 دقيقة

إن إعلان الرئيس عبدالمجيد تبون وتجسيد إنجاز قاعة عروض كبرى بسعة تفوق 10 آلاف مقعد يمكن قراءته كتحول نوعي في الرؤية السياسية للثقافة والفنون بوجه عام، ومؤشر لتموقع الثقافة داخل الرؤية الاستراتيجية للدولة. فالأمر لا يتعلق ببناء هياكل جديدة، بقدر ما يعكس انتقالا من منطق التسيير الثقافي التقليدي الترفيهيإلى أفق صناعة الفرجة الكبرى. وبامتلاك الجزائر لقاعة بهذا الحجم الاستيعابي يضع الجزائر أمام معادلة جديدة، وهي أنه لم نعد بلدا يستورد العروض الكبرى بل إنتاج الحدث نفسه. فالعروض الكبرى، سواء كانت موسيقية أو مسرحية أو متعددة الوسائط، تحتاج إلى بنية تحتية قادرة على احتضان جمهور واسع، وعلى استيعاب تقنيات عرض متطورة. وهذا ما كان ينقص المشهد الثقافي الوطني لسنوات لعديد الأسباب .

فعلى المستوى الوطني، يمكن لهذا الصرح أن يخلق ديناميكية جديدة في علاقة الفنان بالجمهور. إذ يتوجب عليه التفكير في أعمال أكبروأكثر احترافية، وأكثر انسجاما مع متطلبات العروض العالمية الحديثة التي تجمع بين الإبهار والعائد المادي. كما من شأن هذا الصرح توسيع قاعدة الجمهور، ويعيد الاعتبار لفكرة "الحدث الثقافي" كموعد جماهيري، وليس نشاطا نخبويا محدود الحضور والأثر.

وعلى الصعيد الدولي، فإن تجسيد هذا المشروع سيفتح الباب أمام تموقع الجزائر ضمن خارطة الجولات الفنية الدولية. فالعروض العالمية تبحث دائما عن فضاءات تستجيب لمعايير تقنية دقيقة وتضمن مردودا جماهيريا. وهنا تحديدا تتحول البنية التحتية إلى أداة جذب، وإلى ورقة تفاوض في العلاقات الثقافية.

من باب متابعتنا للمشهد الثقافي والفني، نرى أنه لا يمكن فصل هذا المشروع عن سلسلة إجراءات سبقته منذ الجلسات الوطنية للسينما، وإطلاق جوائز موجهة للشباب والمبدعين، وصولا إلى الاهتمام بالمنشآت الكبرى.إلى هنا تبدو الرؤية الثقافية والسياسية متكاملة من أجل بناء منظومة ثقافية قائمة بذاتها، لا تكتفي بالاستهلاك، بل تتجه نحو الصناعة، غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في الإسمنت والحديد، بل في المضمون. فمثل هذه المنشآت ستضع النخبة الثقافية والمسيرين أمام مسؤولية جديدة: هل نحن قادرون على استغلال هذه الفضاءات بأعمال كبيرة ومبهرة تليق بها؟،وهل نملك خطابا فنيا قادرا على مخاطبة جمهور واسع دون التفريط في العمق؟ وهل نستطيع تحويل هذه القاعة إلى فضاء إنتاج، لا مجرد منصة عرض؟.

في النهاية، يمكن القول إن اختبار تاريخ 05 جويلية الذي يعني استرجاع السيادة الوطنية لوضع الحجر الأساسي لهذا المشروع دلاليا يحمل رسالة واضحة، مفادها أن الدولة وفرت الإطار، ويبقى على الفاعلين الثقافيين أن يمنحوه المعنى والمدلول، وبين الإطار والمحتوى تتحدد قيمة هذا التحول، إما كخطوة نحو صناعة ثقافية حقيقية، على غرار دار الأوبيرا ومسجد الجزائر الكبير، وهو أيضا في تقديرنا أن امتلاك الجزائر قاعة بـ10 آلاف مقعد ليس رقما، بل اختبارا لقدرتنا على تحويل الثقافة إلى فعل جماعي حي، وإلى قوة تأثير داخلية وخارجية في آن واحد.