الوطن

صراع نفوذ يضغط على الجزائر

يكشف هذا التصعيد عن تغييرات أعمق تعيد تشكيل موازين القوى في منطقة الساحل ضمن مساع لفرض نظام إقليمي جديد.

  • 5889
  • 2:23 دقيقة
ح.م
ح.م

يتجاوز ما يجري في مالي الإطار المحلي ليشكل جزءا من إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، ضمن صراع مفتوح على النفوذ والموارد، فيما تظل الجزائر فاعلا أساسيا بحكم موقعها وثقلها رغم محاولات الضغط والاستنزاف التي تواجهها.

يكشف هذا التصعيد عن تغييرات أعمق تعيد تشكيل موازين القوى في منطقة الساحل ضمن مساع لفرض نظام إقليمي جديد يستهدف تقليص نفوذ الجزائر وإدخالها في حالة استنزاف مستمر.

وتعتمد السلطات الانتقالية في مالي، منذ أكثر من سنتين، لهجة مفاجئة تجاه الجزائر لا تعكس طبيعة العلاقات التاريخية بين البلدين، التي تميزت بالتعاون الوثيق والدور الجزائري في لمّ شمل الفرقاء الماليين.

وتؤكد الوقائع أن الجزائر شكلت الطرف الأكثر مساهمة في استقرار مالي، سواء من خلال الوساطة التي قادت إلى اتفاق 2015، أو عبر دعم بسط سيادة الدولة المالية على كامل ترابها، إلى جانب جهود مكافحة الإرهاب في الشمال.

كما يكشف التخلي عن اتفاق الجزائر أن الأمر لا يرتبط بأسباب موضوعية، بقدر ما يمثل ذريعة سياسية للانخراط في ترتيبات إقليمية جديدة تتجاوز قدرات باماكو وتخضع لتأثير قوى خارجية.

وخلال السنوات الأخيرة، تحولت منطقة الساحل إلى ساحة تنافس مفتوح بين قوى دولية وإقليمية، في ظل هشاشة الأنظمة السياسية وضعف القدرات العسكرية والاقتصادية لدول المنطقة، ما جعل الحدود غير المؤمّنة نقطة ضعف رئيسية وفرض على الجزائر تحمل أعباء أمنية إضافية لحماية حدودها وحدود جوارها.

وفي خضم هذه الأحداث، يتشكل نظام إقليمي جديد وفق توزيع أدوار بين عدة أطراف، حيث تتولى بعض القوى صياغة الاستراتيجيات، بينما تتكفل أطراف أخرى بالتمويل أو التنفيذ الميداني، في ظل حضور فاعلين دوليين مثل الولايات المتحدة وروسيا، إلى جانب أدوار متنامية لقوى إقليمية، ما يزيد من تعقيد المشهد ويفاقم حدة التنافس.

ويعكس الخطاب الذي تبنته السلطات المالية تقاطعا مع خطابات إقليمية معادية للجزائر، ويؤشر إلى تأثر باماكو بأجندات خارجية، خاصة أنه لا يتناسب مع الإمكانيات السياسية والدبلوماسية والعسكرية للبلاد، ما يعزز فرضية الاستقواء بقوى غير إقليمية.

ولمن لا يعي حجم التحديات الراهنة والقادمة، فإن هذه التطورات تهدف إلى ممارسة ضغط متواصل على الجزائر في إطار محاولة أوسع لإضعاف دورها الإقليمي، خصوصا في ظل تمسكها باستقلالية قرارها الدبلوماسي ورفضها الانخراط في تحالفات عسكرية خارجية، ما يجعلها عرضة لضغوط متزايدة في سياق دولي يعاد فيه تشكيل التحالفات.

ويؤشر استمرار هذا المسار بزعزعة الاستقرار في كامل المنطقة، على تصاعد مخاطر الإرهاب والهجرة غير الشرعية وتدهور الأوضاع الاقتصادية، كما أن أي انزلاق أمني في مالي سينعكس مباشرة على الحدود الجنوبية للجزائر الممتدة لآلاف الكيلومترات، مع استبعاد أن يشكل الحل العسكري مخرجا للأزمة في مالي، بالنظر إلى طبيعتها السياسية العميقة وارتباطها بتداعيات انهيار الدولة في ليبيا وتفكك منظومات إقليمية سابقة، ما يجعل العودة إلى الحوار الخيار الوحيد القابل للاستمرار.

وقد زاد تواجد قوى أجنبية، بما في ذلك شركات أمنية خاصة، من تعقيد الوضع، مما يطرح عدة تساؤلات حول مصادر تمويل هذه التدخلات، في ظل تجارب سابقة أثبتت أن تعدد الفاعلين يؤدي إلى إطالة عمر الأزمات.

وتحتفظ الجزائر برصيد إيجابي في المنطقة على مستوى النخب الإفريقية وفي الذاكرة التاريخية لشعوب الساحل، غير أن هذا الرصيد يحتاج إلى تعزيز عبر حضور اقتصادي وإعلامي أكبر لمواجهة الحملات التي تستهدف صورتها.