الوطن

استرجاع الأموال المنهوبة يدخل مرحلة الحسم

تعمل الجزائر على توظيف علاقاتها الثنائية وشبكات التعاون الدولي لتعقب الأصول المهربة وتجميدها واستعادتها.

  • 5360
  • 3:01 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تكثف الجزائر جهودها لاسترجاع الأموال والأصول المنهوبة عبر مقاربة شاملة تجمع بين التحرك الدبلوماسي والتنسيق القضائي والإصلاحات القانونية، كما تسعى إلى إقناع العديد من الدول الأوروبية بالتعاون الفعلي لاسترداد المال العام المهرب من قبل نافذين ورموز الفساد المدانين أو الهاربين.

أجرى عطاف محادثات مع وزير العدل والشرطة السويسري، بيات يانس، خلال زيارته الرسمية إلى بيرن، خصصت لمناقشة واقع التعاون القضائي والشرطي بين البلدين وسبل تعزيز فعاليته لضمان التكفل الأمثل بالقضايا الأمنية والقانونية المشتركة، ليبرز ضمن هذا التحرك، ملف التعاون الثنائي لتتبع الأصول المنهوبة وتجميدها تمهيدا لاسترجاعها.

وتتزامن الزيارة مع اعتماد الجزائر على شراكات ثنائية مع عدد من الدول الأوروبية، إلى جانب تفعيل آليات دولية متخصصة، على غرار مجموعة العمل المالي ومبادرة ستار، وهي مقاربة معززة بإصلاحات تشريعية حديثة تسمح بتسريع إجراءات الاسترداد، بما في ذلك مبدأ التسوية مقابل استرجاع الأموال الذي يهدف إلى تقليص مدة التقاضي ورفع فعالية استرداد العائدات الإجرامية.

وضمن هذا الاتجاه، تشكل الدبلوماسية ركيزة أساسية في هذه الجهود، خاصة في ما يتعلق بتتبع الأموال المنهوبة، حيث تعمل الجزائر على توظيف علاقاتها الثنائية وشبكات التعاون الدولي لتعقب الأصول المهربة وتجميدها واستعادتها ضمن مقاربة متكاملة تجمع بين التحرك السياسي وتكييف الأدوات القضائية.

وتراهن الحكومة على توسيع انخراطها في الشبكات الدولية المتخصصة، من خلال الانضمام إلى مبادرات ومنصات متعددة، مثل مبادرة ستار التابعة للبنك الدولي، والمنتدى العالمي لاسترداد الموجودات، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات، والشبكة العالمية العملياتية لهيئات إنفاذ القانون، والمركز الدولي للتنسيق في قضايا الفساد.

ولأجل ذلك انضمت الجزائر إلى الشبكة الإقليمية لاسترداد الاصول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو ما منح دفعة قوية لطلبات الاسترداد، حسب ما أكده وزير العدل لطفي بوجمعة، خاصة بعد تكثيف اللقاءات الثنائية على هامش المؤتمرات الدولية.

ففي كل تحرك دولي أو ثنائي، تدعو الجزائر شركاءها الدوليين، لاسيما ضمن مبادرة ستار، لتقديم الدعم التقني والخبرات الضرورية لفائدة الهيئات الوطنية المختصة، وعلى رأسها الديوان المركزي لقمع الفساد، بما يعزز قدراته في تتبع الأموال المحولة إلى الخارج وتحديد أماكن تواجدها.

ورغم التقدم المسجل مع بعض الدول مثل إسبانيا، ما تزال الجزائر تواجه تحديات معقدة، منها ضعف تجاوب بعض الدول، خاصة تلك التي تشكل ملاذا ضريبيا أو تعتمد أنظمة مصرفية غير صارمة، إضافة إلى تعقيد مسارات تحويل الأموال، حيث لجأ الكثير من المدانين أو الفارين إلى استخدام حسابات بأسماء مستعارة أو تحويلها عبر عدة دول، ما يزيد من صعوبة تتبعها واسترجاعها.

وفي أحدث تصريح رسمي، كشف وزير العدل، لطفي بوجمعة، أواخر السنة المنقضية 2025، أن القضاء الجزائري وجه 335 إنابة قضائية دولية إلى 32 دولة، إلى جانب 53 طلبا رسميا لاسترجاع الموجودات من 11 دولة، وهي جهود مكنت من استرجاع عدد من الممتلكات والأصول، رغم تفاوت تجاوب بعض الدول. هذه الطلبات تخضع لمتابعة مستمرة بالتنسيق مع اللجنة الوطنية للخبراء المكلفة باسترجاع الأموال المنهوبة، التي تضطلع بدور محوري في توحيد الجهود بين مختلف الهيئات.

من جهته، أكد مدير الشؤون الجزائية وإجراءات العفو بوزارة العدل، بن سالم عبد الرزاق، أن التعاون غير الرسمي مع منصات دولية مثل الأنتربول والبنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة، عبر مبادرة ستار ومنتدى جيفار، يسمح بمعالجة كبرى قضايا الفساد من خلال تبادل المعلومات والاستعلام المالي، مشيرا إلى أن هذه الآليات تتيح تحديد مواقع الأموال المهربة تمهيدا لحجزها ومصادرتها واسترجاعها. كما أبرز اعتماد آليات جديدة لتعزيز هذا المسار، من خلال تفعيل التعاون مع شبكات دولية مثل غلوب نتوورك وآرين مينا، إلى جانب تكوين قضاة متخصصين في التعاون القضائي الدولي، ما يرفع فعالية ملاحقة الأصول المنهوبة ويسرع وتيرة استرجاعها.

وتعد سويسرا محورا أساسيا في القارة الأوروبية في جهود الجزائر لاسترجاع الأموال المنهوبة، نظرا لمكانتها كملاذ مالي دولي ووجهة لكبار رجال الأعمال ورموز الفساد المدانين أو الفارين من العدالة الجزائرية، وتشكل ركيزة هامة أيضا لتمتعها بإمكانات قضائية متقدمة تسمح بتجميد الحسابات ومصادرة الأصول في إطار التعاون الدولي الذي انخرطت فيه الجزائر بقوة في الفترة الأخيرة، كما تسهل عضويتها في الشبكات والمنصات الدولية تبادل المعلومات والتنسيق القضائي مع الجزائر.