مجتمع

الذهب.. خيار آمن للاستثمار العائلي

يجمع مختصون في الشأن الاقتصادي على أن هذا التوجه يعكس تغيرًا في الذهنيات.

  • 900
  • 2:16 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

رغم لهيب أسعار الذهب وبلوغه مستويات قياسية في السنوات الأخيرة، لم تعد المرأة الجزائرية تدخل محلات المجوهرات بحثا عن زينة لمناسبة سعيدة فقط، بل صارت تقصدها بعين المستثمر الواعي. ففي ظل تقلبات السوق، وتراجع قيمة العملة، اتجهت الكثير من النساء إلى اقتناء الذهب كوسيلة ادخار واستثمار آمن، يضمن لهن الحفاظ على قيمة المال على المدى المتوسط والطويل.

وللوقوف أكثر على هذا التحول في سلوك الاستهلاك والاستثمار، ارتأت "الخبر" القيام بجولة استطلاعية عبر عدد من محلات بيع الذهب بالعاصمة، لرصد آراء النساء، واستنطاق التجار، ومعرفة كيف أصبح الذهب جزءا من التخطيط المالي النسوي.

من الزينة إلى الحسابات الدقيقة

في محلات بيع الذهب بدرارية، غرب العاصمة، صادفنا السيدة فاطمة، موظفة وأم لطفلين، وهي تتفحص ميزان الذهب بعناية قبل اتخاذ قرار الشراء، تقول: "لم أعد أشتري الذهب للزينة فقط، بل أختار القطع الخفيفة التي يسهل بيعها لاحقا، فالذهب اليوم أكثر أمانا من ترك المال مجمدًا أو صرفه في أشياء تزول قيمتها".

هذا التحول في طريقة التفكير يعكس وعيًا متزايدًا لدى النساء بأهمية التخطيط المالي، خاصة في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما جعل الذهب خيارًا بديلاً عن الادخار النقدي.

وفي أحد محلات المجوهرات بالأبيار، أكد أحد التجار أن الإقبال النسوي على الذهب شهد تغيرا ملحوظا في السنوات الأخيرة، موضحا: "الزبونات أصبحن يسألن عن العيار، والوزن، وسعر إعادة البيع، وليس فقط عن الشكل والزخرفة، وهذا يدل على أن الذهب تحول إلى مشروع استثماري صغير بأيدي النساء".

وأضاف المتحدث أن الطلب يتركز غالبا على ذهب عيار 18 و21، نظرا لسهولة تداوله واستقرار قيمته مقارنة ببقية العيارات، فضلا عن ملاءمته لمختلف الميزانيات.

أسعار "تحرق".. وفضول لا ينطفئ

غير أن ارتفاع الأسعار يبقى عائقا حقيقيا أمام شريحة واسعة من النساء. صباح، ماكثة بالبيت، وجدناها تقف أمام واجهة أحد المحلات تكتفي بالنظر. تقول بابتسامة ممزوجة بالحسرة: "جئت فقط لأطلع على الموديلات الجديدة وأُمتع عيني، فالأسعار مرتفعة جدًا، وسعر الغرام من الذهب المستعمل وصل إلى مستويات غير مسبوقة.. لي شرا الذهب شراه بكري".

رغم ذلك، لا تخفي صباح قناعتها بأن الذهب يبقى الخيار الأفضل كلما توفرت الإمكانيات، حتى وإن اقتصر الأمر على شراء قطع صغيرة على فترات متباعدة.

ادخار للمستقبل وتحسب للطوارئ

بالنسبة للعديد من النساء، يمثل الذهب شبكة أمان يمكن اللجوء إليها عند الحاجة، سواء لمواجهة ظرف طارئ، أو تمويل مشروع صغير، أو حتى المساهمة في تعليم الأبناء أو تجهيزهم للزواج.

تقول السيدة سميرة، ربة بيت: "الذهب هو مدخراتي الخاصة، أستطيع بيعه متى احتجت، دون تعقيدات إدارية أو إجراءات بنكية، وهو شيء أحتفظ به بيدي وأشعر بالأمان تجاهه".

ويجمع مختصون في الشأن الاقتصادي على أن هذا التوجه يعكس تغيرًا في الذهنيات، حيث لم تعد المرأة مجرد مستهلك، بل فاعل اقتصادي يسعى إلى حماية مدخراته بوسائل تقليدية أثبتت نجاعتها عبر الزمن.

ورغم اختلاف الدوافع بين الزينة والادخار، يبقى الذهب جزءًا من الثقافة الاجتماعية الجزائرية، غير أن النظرة إليه اليوم تغيرت، حيث بات يُقتنى بعقلية استثمارية، تُراعي العيار، والوزن، وتوقيت الشراء، أكثر مما تهتم بالشكل فقط.

وهكذا، وبين واجهات المحلات اللامعة وميزان الذهب الدقيق، ترسم المرأة الجزائرية ملامح وعي مالي جديد، يجعل من الحلي درعا واقيا من تقلبات الزمن، وملاذًا آمنًا في عالم اقتصادي سريع التحول.