الوطن

توظيف زيارة البابا إلى الجزائر في قضية غليز

فرنسا تبحث عن مخرج عبر الفاتيكان.

  • 2894
  • 3:00 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تفيد أجندة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخاصة بأنشطته الرسمية والدولية، بأنه سيقوم بزيارة رسمية إلى دولة الفاتيكان يومي 9 و10 أفريل الجاري، أي عشية تنقل البابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر في زيارة توصف بالتاريخية، ما يضفي على هذا التحرك أبعادا تتجاوز طابعه البروتوكولي التقليدي.

تفيد معطيات متداولة بأن ماكرون يسعى، من خلال هذه الزيارة، إلى طلب وساطة البابا لدى الجزائر من أجل إطلاق سراح الصحفي الفرنسي كريستوف غليز، المحكوم عليه بالسجن في قضية تتعلق بجناية إرهابية، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة القنوات التي تحاول باريس تفعيلها في معالجة هذا الملف.

ويعزز توقيت الزيارة هذه القراءة، إذ تأتي قبل ثلاثة أيام فقط عن تنقل البابا إلى الجزائر يومي 12 و13 أفريل، ما يستبعد فرضية الصدفة، خاصة أن التحركات السياسية في مثل هذه السياقات نادرا ما تكون بريئة أو معزولة عن أهداف محددة.

كما يطرح ذلك علامات استفهام بشأن إمكانية توظيف الفضاء الديني في معالجة ملفات قضائية سيادية، في سابقة تبدو غير مألوفة في الأعراف الدبلوماسية.

ويأتي هذا التحرك في ظل وضع داخلي معقد يعيشه ماكرون، على وقع انتقادات متزايدة لسياساته وتراجع في شعبيته، بالتزامن مع اقتراب استحقاقات سياسية حساسة، وفي مقدمتها الانتخابات الرئاسية. ويرى متابعون أن الرئيس الفرنسي يسعى من خلال هذه الخطوة إلى تحقيق مكسب سياسي سريع، يمكن توظيفه داخليا لامتصاص الضغوط، وإعادة ترميم صورته لدى الرأي العام.

وفي هذا السياق، يثير لجوء ماكرون إلى وساطة دينية في ملف ذي طابع أمني وقضائي تساؤلات جدية، خاصة أن القضية تتعلق بشخص يشتبه في ارتباطه بجهة صنفتها الدولة الجزائرية في خانة التنظيمات الإرهابية، ما يجعل من الصعب فصل هذا التحرك عن حسابات سياسوية "ميكيافيلية" تتجاوز البعد الإنساني الذي قد يقدم كواجهة أو ذريعة.

كريستوف غليز.. بيدق "الماك" الإرهابي

تشير معطيات الملف إلى أن المدعو كريستوف غليز دخل الجزائر بتأشيرة سياحية، مع إخفاء صفته الصحفية، من أجل إنجاز عمل إعلامي دون المرور عبر الإجراءات القانونية المعمول بها. كما تفيد ذات المعطيات بأنه كان على تواصل مع عناصر مرتبطة بحركة "الماك" الإرهابية.

وتوجه إلى منطقة القبائل من أجل إعداد فيلم وثائقي حول ما يسمى بـ"المنتخب الوطني للقبائل"، حيث أجرى اتصالات مع أشخاص قدموا أنفسهم على أنهم لاعبون في هذا الفريق. غير أن هذه التحركات أثارت شبهات حول طبيعة النشاط، ليتم التبليغ عنه من قبل نفس الأشخاص، قبل أن تتدخل السلطات المختصة وتقوم بتوقيفه.

وخلال التحقيق، اعترف غليز بتفاصيل تتعلق بطبيعة اتصالاته ومشروعه الإعلامي، بما في ذلك علاقته بأطراف مرتبطة بالحركة الانفصالية، ومنهم الرجل الثاني في "الماك" أكسيل بلعباسي، وهو ما شكل أساسا للمتابعة القضائية.

وقد أصدرت العدالة الجزائرية حكما بإدانته استنادا إلى ما توفر لديها من أدلة واعترافات، في إطار تطبيق القوانين المتعلقة بحماية الأمن الوطني والوحدة الترابية.

وتعيد هذه القضية إلى الواجهة إشكالية التوازن بين حرية الصحافة ومتطلبات الأمن القومي، خاصة عندما تتقاطع الممارسة الإعلامية مع أنشطة أو جهات مصنفة إرهابية. إذ في الوقت الذي يقدم الجانب الفرنسي المعني كصحفي رياضي، تؤكد السلطات الجزائرية أن القضية تتعلق بمساس مباشر بالسيادة الوطنية.

ويرى متابعون أن التصعيد الفرنسي في هذا الملف يعكس توجها نحو توظيفه سياسيا وإعلاميا، من خلال خطاب يركز على حرية التعبير، مقابل تجاهل المعطيات الأمنية والقضائية المرتبطة بالقضية. كما يثير ذلك مسألة ازدواجية المعايير، خاصة في ظل مواقف فرنسية صارمة داخل أراضيها تجاه أي نشاط يشتبه في ارتباطه بقضايا أمنية أو انفصالية.

وفي السياق ذاته، تبرز تساؤلات حول موقف باريس من نشاط حركة الماك على أراضيها، حيث تستمر هذه الحركة الإرهابية في تنظيم فعاليات والدعوة إلى أطروحات انفصالية، في وقت تطالب الجزائر بوقف هذه الأنشطة باعتبارها تهديدا لوحدتها الوطنية.

وتجدر الإشارة إلى أن التعامل الجزائري مع هذه القضية ظل على الدوام محكوما بما أثبتته الوقائع أمام العدالة، بعيدا عن أي محاولات للتأثير أو التوظيف، وبقدر كبير من المسؤولية والانسجام في المواقف، لأن الأمر يتعلق بقضايا تمس الأمن والاستقرار، لا قضية يراد لها أن تكون مطية لتحقيق أهداف سياسوية وانتخابية.