أصدر بنك الجزائر تعليمة جديدة تحمل الرقم 04-26 مؤرخة في 30 أبريل سنة 2026، تنفيذا لأحكام النظام رقم 03-24 المؤرخ في 24 يوليو 2024 المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل ومكافحتهما، المعدل والمتمم. وتضع هذه التعليمة، إطارا قانونيا وتنظيميا دقيقا ومفصلا لإجراءات معرفة الزبون (KYC) المطبقة على البنوك والمؤسسات المالية والمصالح المالية لبريد الجزائر، التي يُشار إليها في نص التعليمة بعبارة "الخاضعون". وتشكل هذه الوثيقة نقلة نوعية في تكريس مبدأ "اعرف زبونك" عبر أربعة مستويات رقابية متكاملة، وتشديد القواعد المتعلقة بالمستفيدين الحقيقيين والأشخاص المعرضين سياسيا، مع إلزام المؤسسات المالية بتحديث دوري لملفات الزبائن ورفض أي علاقة أعمال لا تستوفي شروط الشفافية، تحت طائلة التبليغ الفوري عن العمليات المشبوهة إلى خلية معالجة الاستعلام المالي.
نطاق واسع للمراقبة وإمكانية فرض إجراءات أشد
تفرض التعليمة واجب تحديد الهوية والتحقق منها على طيف واسع يشمل الزبون المعتاد والزبون العرضي، والوكيل، والممثل القانوني، وكل شخص يدعي التصرف لحساب الزبون، وصولا إلى تحديد المستفيدين الحقيقيين الذين يمارسون السيطرة الفعلية على الشخص المعنوي. وأعطى البنك المركزي للخاضعين الحق في اعتماد إجراءات تحديد هوية أكثر صرامة مما ورد في التعليمية، بشرط أن تتناسب مع خصوصياتهم وطبيعة نشاطهم وحجمهم، مما يفتح الباب أمام بنوك تنتهج سياسات داخلية أشد من الحد الأدنى التنظيمي للوقاية من مخاطر تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
أربعة مستويات للرقابة وإلغاء الحسابات المجهولة
بنيت منظومة معرفة الزبون بموجب التعليمة على أربعة مستويات رقابية متسلسلة تهدف إلى القطع مع أي إمكانية لفتح حسابات بأسماء وهمية أو دون تدقيق كاف. يبدأ المسار بقيام العون المكلف بالاتصال التجاري بجمع المعلومات والوثائق المكونة لملف الزبون (الملحقان I وII وIII)، ويتم هذا التجميع حضوريا بحضور الزبون نفسه، أو بمناسبة أي عملية عرضية، حيث يوقع الزبون على كافة المستندات. ثم ينتقل العون إلى التحقق من تلك الوثائق من خلال مطابقتها مع مصادر رسمية ومستقلة، أبرزها السجل العمومي للمستفيدين الحقيقيين وقاعدة بيانات الأشخاص المعرضين سياسيا والقوائم الوطنية والدولية للعقوبات. بعد ذلك يصادق الرئيس المباشر للعون على عملية تحديد الهوية ونتائج التدقيق، متأكدا من تطابق العمليات مع المعايير المحددة سلفا. وأخيرا تمارس مصلحة العمليات الخلفية (Back Office) رقابة شاملة ومستقلة عن المصالح التجارية، وتوثّق مسار التدقيق الخاص بها، بما يضمن وجود عين ثانية غير معنية بالعلاقة التجارية لمراقبة الملف.
تحديد هوية الأفراد والمقاولين الذاتيين والشركات
بالنسبة للأشخاص الطبيعيين، تطلب التعليمة جمع الاسم واللقب وتاريخ الميلاد والجنسية وبلد الميلاد ووضعية الإقامة والعنوان ومصدر الأموال والتدفقات النقدية المتوقعة، والتحقق من الهوية عبر وثائق رسمية أصلية سارية (بطاقة التعريف الوطنية أو جواز السفر أو بطاقة الإقامة للأجانب)، مع إثبات الإقامة. وتلزم بالاطلاع على قوائم العقوبات الوطنية وقائمة الأمم المتحدة الموحدة، والتأكد مما إذا كان الزبون شخصا معرضا سياسيا قبل إقامة أي علاقة عمل. وفي حالة القاصرين يتم جمع بيانات أحد الوالدين أو الوصي القانوني. أما المقاولون الذاتيون فيعاملون كأشخاص طبيعيين مع اشتراط وثائق إضافية تثبت النشاط، مثل السجل التجاري أو بطاقة الحرفة أو الاعتماد المهني.
أما الأشخاص المعنويون، فيمتد الالتزام ليشمل التسمية الاجتماعية والشكل القانوني وعنوان المقر الاجتماعي والفروع، ورقم التعريف الجبائي والإحصائي، والقانون الأساسي، والسجل التجاري، وهويات المساهمين والمسيرين والمستفيدين الحقيقيين. وتوجب التعليمة الوصول إلى المستفيد الحقيقي عبر السجل العمومي للمستفيدين الحقيقيين والتأكد من عدم إدراجه أو إدراج الشخص المعنوي في قوائم العقوبات. وبالنسبة للمنظمات غير الهادفة للربح، ألحقت التعليمة ملحقا خاصا يفرض تقديم نسخ مطابقة من القانون الأساسي ومحضر تعيين أعضاء المكتب وهويات الرئيس وأمين الصندوق، إضافة إلى عقود الرعاية والمنح وتقارير النشاط لتبرير مصادر التمويل.
تقييم المخاطر ورفض العلاقات المشبوهة
نصت المادة 6 من التعليمة على وجوب تنفيذ الإجراءات بناء على مصفوفة مخاطر تأخذ في الاعتبار عوامل محددة: الزبون (مقيم، غير مقيم، شخص معرض سياسيا، السمعة)، المنتجات (التركيز على المنتجات التي تسمح بإخفاء الهوية كالنقد والحسابات المرقمة)، الجغرافيا (مراقبة التعاملات مع البلدان عالية المخاطر المصنفة من قبل مجموعة العمل المالي “فاتف”)، وقنوات التوزيع (التدقيق في العمليات التي تتم دون اتصال مادي مباشر). ويمنع منعا باتا تطبيق إجراءات العناية الواجبة المبسطة في حال وجود شبهة تبييض أموال أو تمويل إرهاب أو في الحالات الخاصة ذات المخاطر المرتفعة.
وأمرت التعليمة المؤسسات المالية بقطع أو رفض إقامة علاقة أعمال في حالات محددة، هي: تعذر تحديد هوية الزبون أو المستفيد الحقيقي، رفض الزبون تقديم المعلومات المطلوبة، وجود تناقض غير مبرر بين نشاط الزبون والعمليات المرتقبة، وجود تناقض غير مبرر بين المعلومات المصرح بها والمعلومات الرسمية، أو إدراج الزبون أو المستفيد الحقيقي في قوائم العقوبات الوطنية أو قائمة عقوبات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
تحديث دوري للملفات حسب مستوى المخاطر
أقرت التعليمة نظاما دقيقا لتحديث بيانات الزبائن، حيث تُراجع ملفات المخاطر المرتفعة سنويا كحد أدنى، وملفات المخاطر المتوسطة كل ثلاث سنوات كحد أقصى، وملفات المخاطر المنخفضة كل خمس سنوات كحد أقصى. ويجب التحديث أيضا بشكل فوري عند حدوث تغيير جوهري في علاقة الأعمال، كارتفاع السقف أو تغيير النشاط أو هيكل المساهمين، أو عندما تصبح طبيعة العمليات غير متسقة مع موضوع الحساب المصرح به سابقا، أو عند وجود شبهة تبييض أموال أو تمويل إرهاب، أو عند صدور إنذارات بعمليات غير اعتيادية. وفي كل عملية تحديث تجري إعادة تحقق من هوية الزبون والوكلاء والمستفيدين الحقيقيين بنفس معايير التحديد الأولي.
إجراءات استثنائية للأشخاص المعرضين سياسيا
أولت التعليمة عناية خاصة للأشخاص المعرضين سياسيا وأفراد عائلاتهم والمقربين منهم، حيث يمنع إقامة أو مواصلة علاقة أعمال معهم دون الحصول على ترخيص مسبق من المديرية العامة أو مجلس الإدارة أو مجلس المديرين للمؤسسة الخاضعة. ويجب اتخاذ جميع التدابير المعقولة لتحديد مصدر الأموال ومصدر الثروة، مع فرض رقابة معززة ومستمرة على الحساب، وتدوين النتائج في سجلات خاصة. وفي حال وجود أي شبهة، يتوجب إبلاغ خلية معالجة الاستعلام المالي (CTRF) فورا، بما في ذلك العمليات التي يرفضها البنك بسبب سلوك الزبون أو محاولات إجراء عمليات مشبوهة.
واجب التبليغ عن العمليات المشبوهة
أكدت التعليمة على أن كل عملية لا تتسق مع ملف الزبون يجب أن تخضع للتحقق، وعند الاقتضاء يُبلغ عن الاشتباه لخلية معالجة الاستعلام المالي دون تأخير. وهذا الالتزام يشمل الحالات التي يتم فيها رفض إقامة العلاقة أو إنهاؤها نتيجة تصرفات مريبة، مما يغلق الباب أمام محاولات التهرب أو التفاف على الرقابة.
بهذه المنظومة المتكاملة التي تدمج الرقابة المستقلة وتتبع المستفيد الحقيقي وتصنيف المخاطر والإبلاغ الفوري، ترسخ تعليمة بنك الجزائر الجديدة معايير دولية صارمة في مكافحة الجريمة المالية، وتؤسس لعلاقة مصرفية أكثر شفافية تبدأ من أول اتصال بالزبون ولا تنتهي طيلة فترة التعامل، في خطوة من شأنها تعزيز الثقة في القطاع المالي الجزائري ومواءمته مع متطلبات الهيئات الدولية المتخصصة.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال