استقبل مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالشؤون السياسية والعلاقات مع الشباب والمجتمع المدني والأحزاب السياسية، مصطفى صايج، قادة الأحزاب السياسية في جولة جديدة من المشاورات، تتعلق بمشروع تعديل الدستور وقانون الانتخابات، في وقت يرتقب أن تستدعى الهيئة الناخبة شهر أفريل القادم لإجراء التشريعيات المقبلة.
تندرج هذه الجولة ضمن مسار تكرس كتقليد سياسي بين رئاسة الجمهورية والأحزاب، حيث أصبحت المشاورات آلية معتمدة لتبادل وجهات النظر بشأن القوانين ذات الطابع السياسي والسيادي، على رأسها الدستور والقانون العضوي للانتخابات.
وكان صايج قد التقى الأسبوع الماضي قادة عدة أحزاب ممثلة في المجالس المنتخبة لتوسيع النقاش حول مقترحاتها بخصوص مسودة الدستور وقانون الانتخابات.
وجاء ذلك بعدما قدمت الأحزاب التي شاركت في الندوة الوطنية لمشروعي التعديل التقني للدستور والقانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات مقترحاتها لرئاسة الجمهورية كتابيا، لتتكفل لجنة الصياغة على مستوى الرئاسة بدراستها وإدراج ما يمكن منها في مسودة الدستور والقانون العضوي للانتخابات وفق ما نصت عليه مخرجات الندوة.
وخلال الندوة، قدم مدير الديوان الرئاسي، بوعلام بوعلام، مسودة التعديل الدستوري، التي تتضمن عشر نقاط، لعل أبرزها ما يتعلق بنص المادة 202 ذات الصلة بصلاحيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، حيث تتم إعادة النظر في توزيع المهام بينها وبين وزارة الداخلية.
ويعكس هذا المقترح توجها نحو إعادة ضبط العلاقة بين المؤسستين بما يضمن وضوح المسؤوليات وتفادي تداخل الصلاحيات الذي أفرز، حسب مبررات الحكومة، صعوبات ميدانية خلال الاستحقاقات السابقة.
وحسب عرض الأسباب الذي قدمته الحكومة، فإن التجربة الميدانية كشفت عن "عجز هيكلي" في قدرة السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات على إدارة العملية الانتخابية بمفردها، ما تسبب في ارتباك تنظيمي أثر سلبا على تدفق المعلومات وتجميع النتائج في الآجال القانونية.
وقد برز هذا الوضع بشكل لافت في رئاسيات 7 سبتمبر 2024، حيث ظهر الارتباك لحظة إعلان نسب المشاركة والنتائج المؤقتة وتسليم محاضر الفرز، وهو ما فتح الباب أمام قراءات إعلامية دولية وصفت المشهد بالمرتبك وألقت بظلالها على صورة العملية الانتخابية ككل.
وأدى ذلك إلى تصاعد انتقادات من داخل الطبقة السياسية نفسها، إذ دفعت التطورات مديريات الحملة الانتخابية للمرشحين الثلاثة في تلك الانتخابات، وهم الرئيس الحالي عبد المجيد تبون وعبد العالي حساني شريف ويوسف أوشيش، إلى الاحتجاج، كما طرحت دعوات لحل السلطة المستقلة وفتح تحقيق أمني وبرلماني بشأن أدائها في تلك الانتخابات.
ويستدعي تعديل صلاحيات سلطة الانتخابات بالضرورة تعديل قانون الانتخابات، وهو ما يفسر إدراج المشروعين في مسار واحد.
وكانت بعض الأحزاب السياسية قد شرعت منذ أشهر في إعداد مقترحاتها بخصوص تعديل قانون الانتخابات، على غرار الأفالان، الأرندي، المستقبل والبناء. وحسب ما تم تداوله، فإن أبرز الاقتراحات تتمثل في اعتماد رقم وطني في القائمة الانتخابية وتحديد طبيعة الأوراق الملغاة بدقة والتأكيد على ألا تنفرد السلطات بمسألة التعديل، بل أن يكون توافقيا ويأخذ بعين الاعتبار مقترحات الأحزاب السياسية، مع تحسين البيئة القانونية الناظمة للعملية الانتخابية وتنظيم حوار وطني شامل لتصحيح الاختلالات القانونية والتنظيمية المسجلة في الاستحقاقات السابقة.
كما طالبت أحزاب بإلغاء المادة 247 التي تشير إلى أنه "يعد تصريحا بالترشح لرئاسة الجمهورية إيداع طلب تسجيل من قبل المترشح شخصيا لدى رئيس السلطة المستقلة مقابل وصل استلام"، مقترحة الاكتفاء بقرار يصادق عليه مجلس السلطة المستقلة في تحديد شروط وكيفيات ضبط البطاقية الوطنية للهيئة الناخبة واستعمالها.
وشملت المقترحات كذلك وضع قوائم الناخبين أمام المواطنين بمقرات السلطة المستقلة ومقرات البلديات أو الولايات ومقرات البعثات الدبلوماسية أو القنصليات الجزائرية بالخارج، على أن تُنشر هذه القوائم بالموقع الإلكتروني الخاص بالسلطة المستقلة أو بأي طريقة أخرى تضمن إعلام المواطنين، إضافة إلى إلزامية نشر محاضر الفرز لمكاتب التصويت على الموقع الإلكتروني وتمكين المرشحين من الولوج إليها بكل حرية وفي أي وقت قبل الإعلان النهائي عن النتائج، بما يعزز مبدأ الشفافية.
وكان الرئيس عبد المجيد تبون قد كشف عن مراجعة قانون الانتخابات "في بعض أجزائه التقنية"، بعيدا عن بنوده المبدئية التي تعاقب التزوير وشراء الذمم والأصوات. ويأتي مشروع القانون العضوي الجديد للانتخابات كاستجابة حتمية لتصحيح اختلالات ولمطالب الأحزاب بإعادة الثقة في العملية الانتخابية، وهو ما أشارت إليه الحكومة في أرضية الإصلاح الجديد الذي عُرض على الأحزاب قبل أسابيع.
ويأتي هذا الترميم التشريعي عشية الانتخابات التشريعية المنتظرة الصيف القادم، ما يفرض ضغوطا زمنية قوية لإنجاز الإصلاح في وقت قياسي، إلى جانب تحدي اختيار فريق عمل ورئيس جديد للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات يكون أكثر إدراكا لتعقيدات الميدان وفهما لقواعد اللعبة والتوازنات السياسية.
وبين ضرورات الاستعجال ومتطلبات التوافق، تبدو المشاورات الجارية امتدادا لمسار مؤسساتي تحاول من خلاله الرئاسة تكريس ثقافة التشاور المنتظم مع الأحزاب، كآلية لإضفاء الشرعية السياسية على الإصلاحات وضمان حد أدنى من الإجماع قبل دخول البلاد محطة انتخابية جديدة.

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال