مجتمع

تغيرات لافتة في مجالس العزاء بالجزائر

يفترض أن يظل واجب العزاء مناسبة إنسانية خالصة، تراعى فيها مشاعر أهل الفقيد وتجسد من خلالها قيم التعاطف والمواساة.

  • 2201
  • 3:23 دقيقة
ح.م
ح.م

لم تعد مجالس العزاء تقتصر على التعبير عن الحزن ومواساة أهل الفقيد، إذ برزت في السنوات الأخيرة سلوكيات دخيلة غيرت من طابع هذه المناسبة الإنسانية. فحضور الجنازات لم يعد يخلو من مظاهر توحي أحيانا وكأن الأمر يتعلق بمناسبة احتفالية، من حيث الاهتمام المبالغ فيه بالمظهر، واستعمال مساحيق التجميل والعطور، وارتداء أحدث الأزياء والتباهي بالمجوهرات.

وتتجاوز هذه التحولات الشكلية إلى ممارسات أكثر إثارة للجدل، على غرار تداول الأحاديث الجانبية التي تصل أحيانا إلى حدود الغيبة والنميمة، إلى جانب لجوء بعض الحاضرين إلى تصوير فيديوهات للميت، في سلوك يتنافى مع حرمة المناسبة وخصوصيتها.

كما أضحت بعض العائلات تجد نفسها تحت ضغط اجتماعي متزايد، من خلال الدعوة إلى إقامة ولائم في اليوم الثالث، بل وأحيانا الاستجابة لطلبات ضمنية أو صريحة تتعلق بنوعية الأطعمة المقدمة، ما يضاعف الأعباء المالية ويزيد من وطأة الحزن النفسي.

يفترض أن يظل واجب العزاء مناسبة إنسانية خالصة، تراعى فيها مشاعر أهل الفقيد وتجسد من خلالها قيم التعاطف والمواساة. غير أن ما يسجل في بعض المجالس اليوم يعكس صورة مغايرة، حيث باتت تصرفات بعض المعزين تبتعد عن روح المناسبة، متجاهلة قدسيتها ودورها في التخفيف عن ذوي الميت.

في هذا السياق، يروي الشاب الياس، الذي فقد والده قبل عامين، موقفا وصفه بالصادم خلال الجنازة، حين أقدم أحد أقاربه على تصوير الجثمان أثناء وضعه في القبر، وكأنه يوثق حدثا عاديا. ويقول إن هذا التصرف أثار استياءه الشديد، ما دفعه إلى التدخل ومنع ذلك السلوك الذي اعتبره منافيا للأخلاق واحترام حرمة الموت.

ولا تتوقف هذه المظاهر عند هذا الحد، إذ برزت سلوكيات أخرى اعتبرها كثيرون دخيلة على مجالس العزاء، من بينها الحرص على الظهور في أبهى حلة، بتصفيف الشعر وارتداء ملابس أنيقة والتزين بالمجوهرات. وتحدثت إحدى السيدات عن شعورها بالحرج خلال حضورها إحدى الجنازات، بسبب ارتداء بعض المعزيات ألبسة لا تليق بالمقام، إلى جانب المبالغة في استعمال مساحيق التجميل، فضلا عن الانشغال بأحاديث جانبية وصلت إلى حد الغيبة والنميمة، وهو ما اعتبره أقارب الفقيد استخفافا بحرمة الموت وعدم مراعاة لظروفهم النفسية.

ومن بين أبرز التحولات التي طرأت على طقوس العزاء، انتشار تنظيم ولائم اليوم الثالث، والتي يفترض أن تكون في إطار الصدقة على روح الميت، لكنها تحولت في بعض الحالات إلى مناسبة توجه فيها دعوات صريحة للمعزين. وفي هذا اليوم، تحضر أطباق متنوعة تشمل الشوربة وأطباق اللحم والسلطات، إلى جانب المشروبات والفواكه.

وتروي إحدى الحاضرات مشهدا استغربت له خلال مشاركتها في عزاء قريبة لها، حيث لم يتردد بعض المعزين في المطالبة بزيادة حصص الطعام، بل وطلب قطع أكبر من اللحم، في تصرف يعكس، حسب قولها،تحول المناسبة من فضاء للتعزية إلى ما يشبه الولائم.

ولم تقف هذه الممارسات عند حدود الأكل، إذ أصبحت بعض مجالس العزاء تشهد أجواء أقرب إلى السهرات، مع تقديم الحلويات التقليدية مثل المقروط والقريوش وقلب اللوز، إلى جانب الشاي والمكسرات، في مشهد لا يختلف كثيرا عن حفلات الأفراح.

هذه التحولات تعكس تغيرا لافتا في نظرة بعض الأفراد لمجالس العزاء، التي تحول بعضها من فضاء للتضامن والتكافل إلى مناسبات يغلب عليها الطابع الاستهلاكي، وهو ما يثقل كاهل عائلات الفقيد، التي تجد نفسها بين وطأة الحزن وضغط التكاليف الاجتماعية.

تراجع سطوة المجتمع  

في الموضوع، يرى الدكتور نور الدين بكيس، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن المجتمع يتأثر بمنظومة الضبط الاجتماعي التي تنقسم إلى شقين: ضبط مؤسساتي قانوني قائم على الردع وتطبيق القوانين، وضبط معنوي يمارسه المجتمع للحفاظ على منظومة القيم والعادات والتقاليد.

وأوضح أن مظاهر الفرح والحزن، وعلى رأسها الأعراس والجنائز، تبقى مرتبطة بما تعارف عليه الناس من طقوس، غير أن هذه الممارسات ليست ثابتة، إذ تخضع بدورها لتحولات مستمرة تفرضها التغيرات الاجتماعية والاقتصادية وأنماط العيش الحديثة. وفي هذا السياق، أشار إلى أن انتشار النزعة الفردانية وتراجع قيم التضامن والتضحية بات لهما تأثير مباشر على طبيعة هذه المناسبات، خاصة الجنائز التي فقدت جزءا من طابعها الجماعي.

وأضاف المتحدث أن تحوّل الأحياء إلى تجمعات سكنية يغيب فيها التعارف بين السكان، صعّب الحفاظ على الأشكال التقليدية لإدارة الأحزان، لافتا إلى أن استقلالية الأسر الجديدة وابتعادها عن سلطة العائلة الممتدة جعلاها أقل التزاما بالأعراف الاجتماعية. وهو ما أفرز، حسبه، نوعا من التغير الواضح في طقوس المآتم والأعراس، نتيجة تحرر فئات واسعة من ضغط المجتمع وتراجع تأثير مفاهيم مثل "العيب" و"العار" التي كانت تضبط السلوك الجماعي.

وختم بالتأكيد على أن المجتمع يظل في حالة تحول دائم، خاصة مع تراجع آليات الضبط التقليدية، ما يفتح المجال أمام إعادة تشكيل القيم وأنماط التفاعل الاجتماعي.