جزائريون يهانون في غرفة التحقيقات بمطار القاهرة

روبورتاجات
12 يونيو 2015 () - القاهرة: مراسلة “الخبر” سهام بورسوتي
0 قراءة
+ -

أن تتعرض لمضايقات في بلد أجنبي أمر تعوّدنا عليه لدى بعض الدول، بسبب النظرة الاستعمارية وتخوفها من “الإسلاموفوبيا” وانتشار الإرهاب على أراضيها، لكن أن تتعرض لمضايقات في بلد عربي شقيق أمر “غير طبيعي” في كل الاتجاهات، ليتأكد لك أن البيانات والشعارات البراقة التي تخرج من رحم القمم والملتقيات العربية، كلها تسير نحو إجهاض مشروع القومية والوحدة العربية.

  سفير الجزائر بالقاهرة يشدد: كرامة الجزائريين مقدسة وفوق كل اعتبار


 “الهم العربي واحد”، “كلنا كعرب أشقاء وأخوة وهدفنا واحد”، وغيرها من العبارات والشعارات التي تجعلك تفكر وتؤمن لبرهة من الزمن بأن الهدف الذي حمله الزعيم الراحل جمال عبد الناصر قد يتحقق ونلغي فكرة التأشيرة بين الدول العربية، ونسير على درب الاتحاد الأوروبي، لكن ما نراه ونعيشه ويطبق على أرض الواقع يبدد كل تلك الآمال والأحلام.
في الجزائر عندما بدأ الإرهاب الوحشي المجرم يضرب البلاد فترة التسعينيات، ويحصد أرواح الجزائريين، قامت بعض الدول وبشكل فردي بفرض تأشيرة دخول على المواطنين الجزائريين إلى أراضيها، بما فيها الدول العربية الشقيقة، ظنا منها بأن فرض التأشيرة على المواطنين الجزائريين سيجنبها الإرهاب ويجعلها في منأى عنه، بل ذهب بعضها إلى فرض الموافقة الأمنية على الجزائريين بالإضافة إلى التأشيرة، منذ ما يقرب الثلاثين سنة، وخلال هذه المدة كان يتعرض المواطن الجزائري في المطارات إلى سوء المعاملة من قِبل شرطة وأمن الحدود، بالرغم من أنه كان يحمل تأشيرة الدخول، من الجهات المعنية لهذه الدول، بينما يدخل أبناء تلك الدول معززين مكرمين إلى الجزائر.

دخول مصر لم يعد آمنا!
«ادخلوا مصر إن شاء اللّه آمنين”.. لافتة تقابلك أينما تولي وجهك في مطار القاهرة الدولي، وحتى في الشوارع، لكن المعاملة التي يتعرض لها المواطن الجزائري تعارض معنى هذه الآية القرآنية الكريمة.
إجراءات كثيرة ومعقدة تواجه “الجزائري” في مطار القاهرة الدولي، نساء ورجالا لا يستثنى أحد منهم، ورغم حملك تأشيرة دخول البلد، إلا أنك ستتعرض حتما للسؤال والاستجواب والتحقيق معك، ولا تفرق كثيرا إن كانت أول زيارة لك لمصر أو العاشرة، المهم أن تكون قد حصلت على تأشيرة الدخول والموافقة الأمنية، ومن لم يحصل على الموافقة الأمنية سيضطر للبقاء لساعات في المطار، ويتعرض للاستجواب من شرطة المطار، ويرمونه بوابل من الأسئلة على شاكلة “من أنت؟ ماذا تعمل؟ كم سنك؟ (بالرغم من كل هذه البيانات موجودة في جواز السفر) ما الغرض من الزيارة؟ أين ستقيم؟ وكأنك في غرفة تحقيقات.

حتى الهلال الأحمر والكشافة لم يسلما!
«غرفة التحقيقات” في مطار القاهرة الدولي لم يستثن منها لا رجل ولا امرأة ولا وفد رسمي، حتى وفد من الهلال الأحمر الجزائري الرسمي الذي كان آتيا إلى مصر حاملا مساعدات إلى غزة، وبالرغم من حصوله على تأشيرة دخول من قِبل السفارة المصرية بالجزائر، دون موافقة أمنية، تعرض للمضايقات ذاتها وحققت معه شرطة المطار لمدة 4 ساعات، وبرفقتهم ممثلو السفارة الجزائرية بالقاهرة الذي كانوا ينتظرونهم في المطار، وهو الوضع نفسه الذي قابله وفد الكشافة الإسلامية بالرغم من أنه كان مدعوا من جهة رسمية مصرية. وفي كل الحالات يتدخل السفير شخصيا لدى السلطات المعنية لتمكينهم من الخروج من المطار.

جزائريو “النيف” لا يقبلون بالمهانة
«النيف والخسارة” هكذا هم الجزائريون.. وإن كان مقيما في الغربة فالنزعة الجزائرية تظل فيه وفي وجدانه أينما حل، وهنا حكاية مواطن جزائري مقيم بفرنسا وزوجته فرنسية الجنسية، كانا متوجهين إلى مدينة الغردقة الساحلية لقضاء أسبوع للراحة والاستجمام، وعندما وصلا إلى مطار الغردقة دخلت زوجته ببطاقة التعريف دون تأشيرة أو موافقة أمنية، أما هو فكان الوضع مختلفا تماما بالنسبة إليه، حيث لم تسمح له إدارة جوازات السفر بالمرور، وتم توجيهه إلى شرطة المطار للتحقيق معه، بالرغم من أنه كان يحمل تأشيرة الدخول، لكن دون موافقة أمنية، وبقي في المطار يستجوبونه لمدة 3 ساعات.. استجواب وتحقيق، وبعدما انتهت إجراءات المساءلة والبحث سمحوا له بالدخول، فشكرهم وطالب منهم إحضار زوجته، ورفض دخول الغردقة، وقال لهم إنه لا يريد البقاء لحظة في هذا البلد، وفعلا عاد مع زوجته في أول طائرة متجهة إلى فرنسا.

أنا والغريب على ابن عمي!
وهنا يجب أن نتساءل عن الازدواجية في التعامل من قبل السلطات الأمنية المصرية، فهل يعقل أن يدخل الأجنبي ببطاقة التعريف دون تأشيرة حتى، في حين أن الجزائري يتعرض لمضايقات لأنه “جزائري”، يحمل جواز السفر الخاص به وتأشيرة دخول من الجهات المصرية المختصة، ويتم استجوابه وتوقيفه لساعات بالمطارات المصرية، فقط لأنه لم يحصل على الموافقة الأمنية.

تدخلات السفير.. إلى متى؟
وفي خضم هذه الأوضاع المؤسفة، وأمام هذا الوضع غير الطبيعي، تدخل سفير الجزائر بالقاهرة، نذير العرباوي، لدى السلطات الأمنية المصرية من أجل عبور الجزائريين العالقين في المطار بسبب عدم حصولهم على الموافقة الأمنية، وخروجهم من المطار، واعتبر مثل هذه المواقف من شرطة المطار “سلوكات فردية”.
وقد حاول السفير على كل المستويات إلغاء الموافقة الأمنية، من مبدأ المعاملة بالمثل الإيجابية، وأكد العرباوي لـ«الخبر” أنه تحصل على وعود، لكن دار لقمان بقيت على حالها، وأضاف “أمام هذا الوضع وحفاظا على كرامة المواطنين، وفي انتظار إلغاء إجراء الموافقة الأمنية من قِبل المصالح المصرية المختصة قامت المصالح القنصلية بالسفارة بتشديد إجراءات منح التأشيرات على المواطنين المصريين ورجال الأعمال باستثناء العمال المصريين الذين يشتغلون في الجزائر وفق عقود عمل، وأيضا المسؤولين والزيارات الرسمية والتأشيرات العائلية والأشخاص المدعوين من قِبل مؤسسات جزائرية، والوفود الرسمية، أما رجال الأعمال وغيرهم، فينتظرون منح التأشيرة لمدة لا تقل عن أسبوعين، وقد تم إبلاغهم بذلك وتفهموا هذه الإجراءات، وباعتبار أن الجزائر تصدّر السلم والأمن، ولم يأت أي أذى من أبنائها إلى الدول حتى أثناء العشرية السوداء. وتقوم الممثلية الدبلوماسية الجزائرية في مصر بجهود من أجل إلغاء الموافقة الأمنية للمواطنين الجزائريين المفروضة منذ 35 سنة الذين يتعرضون أحيانا لمضايقات”، وتابع محدثنا “حتى في إطار وجود مصريين مقيمين بالجزائر بطريقة غير شرعية، ويعملون أيضا بطريقة غير شرعية لم تقم بلادنا بترحيلهم عكس الدول العربية الأخرى وذلك وفاء للتاريخ المشترك، كما أن الجزائر لم تطبق الموافقة الأمنية على المصريين حتى في ظل الأوضاع التي تعيشها مصر. أتمنى من اللّه أن يحميها”.

الجزائر تتبنى مبدأ “الند بالند” وتضيّق على المصريين
وقد قررت السفارة الجزائرية بالقاهرة منذ نحو أسبوعين تطبيق مبدأ “الند للند”، وإن كانت المعاملة بالمثل السلبية لا الإيجابية، فتعالت بعض الأصوات الرافضة في الجزائر ومصر، تحديدا طبقة رجال الأعمال، الذين أعربوا عن تذمرهم واستيائهم لتأخر حصولهم على التأشيرة في وقت وجيز، علما بأنهم كانوا يحصلون على التأشيرة في اليوم ذاته الذي يقدمون فيه أوراقهم لطلب التأشيرة، واعتبر رجال الأعمال الجزائريون، ممن لديهم مصالح مع الجانب المصري، أن مثل هذه القرارات ستؤثر على العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتأخر تنفيذ المشاريع وتؤجلها، ومارسوا ضغوطات على السفارة.

ترقية التعاون لا تكون على حساب الكرامة
وفي هذا الصدد، شدد العرباوي على أنه حريص على تعزيز العلاقات الاقتصادية والتواصل بين البلدين وعمل على الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مراتب متميزة، لكن لا يمكن أن يكون ذلك على حساب كرامة الجزائريين، وأنه لا يمكن أن يستمر على هذه الحالة وهو يشاهد الجزائري يعامل بهذه الطريقة، قبل أن يضيف “إذا خيرت بين العلاقات الاقتصادية وكرامة الجزائريين فإن اختاري واضح، وهو كرامة الجزائريين”، قائلا “نحن نواصل العمل مع الجانب المصري على إلغاء الموافقة الأمنية، وهم متفهمون للوضع واعتبروه غير طبيعي، وسنبقى على موقفنا إلى أن نصل إلى الوضع الطبيعي بالنظر للعلاقات التاريخية بين البلدين، لن يهدأ لي بال إلى أن يتم إلغاؤها، وقد حصلنا على وعود في هذا الشأن وإعادة تعليمات سلطات المطار لتسهيل الموافقة الأمنية، في الوقت نفسه أوجه الشكر لكل من تدخل بين الحين والآخر، حتى يخرجوا الجزائريين من المطار في ساعات متأخرة من الليل”.
واستطرد السفير قائلا “في الوقت الذي أتفهم تدخلات بعض المسؤولين المصريين لصالح المواطنين ورجال الأعمال وتدخل الجزائريين للحفاظ على مصالحهم، يجب أن يتفهم الجميع أن من ضمن تعليمات رئيس الجمهورية ووزير الدولة وزير الخارجية هي الحفاظ على كرامة الجزائريين في أي مكان”.  




شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول