ثقافة

عودة مرسيل خليفة إلى الجزائر…

مرسيل خليفة يعود إلى الجزائر، لكن الأهم أن الجزائر تعود معه إلى لحظة كانت فيها الأغنية سؤالًا واللحن موقفًا.

  • 900
  • 2:39 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

بعد غياب طويل، يعود الفنان اللبناني الكبير مرسيل خليفة إلى الجزائر، ليحيي سلسلة من السهرات الفنية تبدأ من أوبرا الجزائر  ثم وهران وقسنطينة، في لحظة ثقافية تتجاوز معنى الحفل الموسيقي إلى معنى اللقاء مع ذاكرة جيل كامل تربّى على أغانيه، وحفظها عن ظهر قلب في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين كان الفن رسالة، والكلمة موقفًا، والموسيقى فعل مقاومة.

لم يكن مرسيل خليفة يومًا مجرد موسيقي أو مغنٍ عابر في المشهد العربي. لقد مثّل منذ بداياته نموذج “الفنان الملتزم”، الذي اختار أن يجعل من العود صوتًا لقضايا الإنسان، ومن الأغنية فضاءً للشعر والحرية والكرامة. ارتبط اسمه بفلسطين، وبالعدالة، وبالإنسان البسيط، وبالأسئلة الكبرى التي طرحتها الهزائم والانكسارات والأحلام المؤجلة في العالم العربي. لذلك لم يكن حضوره في الجزائر في الماضي حضور فنان زائر فحسب، بل حضور رمز ثقافي يتقاطع مع تاريخ عرف بدوره معنى الثورة والتحرر.                        

تجربة مرسيل خليفة تميّزت بتعاونه العميق مع كبار الشعراء العرب، وفي مقدمتهم الشاعر الفلسطيني محمود درويش، حيث تحوّلت قصائده إلى أناشيد وجدان جماعي، مثل “جواز السفر” و“ريتا والبندقية” و“أحن إلى خبز أمي”، وجواز  السفر، وعصفور طل من الشباك،..... وهي أعمال لم تعد تُسمع فقط، بل تُستعاد كجزء من الذاكرة الثقافية العربية.                         

كما تعاون مع شعراء آخرين من أمثال أدونيس وسعدي يوسف، ليؤكد أن الأغنية يمكن أن تكون قصيدة، وأن الموسيقى يمكن أن تحمل الفكر دون أن تفقد جمالها.

في الجزائر، شكّلت أغاني مرسيل خليفة جزءًا من المشهد الثقافي للشباب والطلبة والمثقفين في زمن كانت فيه الأغنية الملتزمة نافذة على العالم العربي، ووسيلة للتعبير عن التضامن مع القضايا الكبرى، خاصة القضية الفلسطينية. كانت أغانيه تُتداول في الأشرطة، وتُردَّد في الجامعات والمقاهي الثقافية، وترافق النقاشات الفكرية والسياسية، حتى صار صوته مألوفًا في البيوت والذاكرة، كأنه صوت من الداخل لا من الخارج.                    

 تجربة مرسيل خليفة لم تتوقف عند حدود الأغنية السياسية أو العاطفية. فقد خاض مسارًا موسيقيًا أكثر تركيبًا عبر أعمال سيمفونية ومقطوعات آلية، حاول فيها المزج بين الموسيقى العربية الكلاسيكية والتقنيات الغربية، مؤسسًا لنوع من الموسيقى العربية الحديثة التي تحترم المقام والروح الشرقية، دون أن تنغلق على نفسها. من أبرز أعماله في هذا المجال السيمفونيات والمقطوعات الأوركسترالية التي قدّمها في مسارح عالمية، والتي أكدت أن الفنان الملتزم يمكنه ان يكون مجددا في  الشكل كما هو ثابت في الموقف.            

إن عودة مرسيل خليفة إلى الجزائر اليوم، عبر حفلاته في أوبرا الجزائر ثم في مدينتي وهران وقسنطينة، تحمل أكثر من دلالة. فهي عودة لفنان إلى جمهور لم ينسه، وعودة لزمن كانت فيه الأغنية جزءًا من الوعي الجمعي لا مجرد منتج استهلاكي سريع. كما أنها فرصة للأجيال الجديدة كي تتعرف على تجربة فنية مختلفة، ترى في الفن موقفًا أخلاقيًا وثقافيًا، لا مجرد وسيلة للترفيه.                                                        .   

في زمن تتراجع فيه الأغنية ذات المعنى أمام سطوة الصورة والاستهلاك السريع، تبدو حفلات مرسيل خليفة كنوع من المقاومة الجمالية، تذكيرًا بأن الفن يمكن أن يكون عميقًا ومؤثرًا في آن واحد، وأن الموسيقى ليست فقط إيقاعًا بل فكرة ، وليست فقط صوتًا بل ذاكرة. إن هذه العودة لا تعني استعادة الماضي بقدر ما تعني فتح حوار جديد بين جيل الأمس وجيل اليوم، بين القصيدة والمدينة، وبين العود والجمهور.

مرسيل خليفة يعود إلى الجزائر، لكن الأهم أن الجزائر تعود معه إلى لحظة كانت فيها الأغنية سؤالًا واللحن موقفًا. إنها ليست مجرد سهرات فنية، بل حدث ثقافي يعيد الاعتبار للفن الملتزم، ويؤكد أن الذاكرة لا تموت، وأن بعض الأصوات لا تغيب مهما طال الغياب.