إن تقدم الأمم ليس مسألة عفوية تأتي صدفة، فهي ليست عملية سهلة ولا بالمستحيلة، بل إن تقدم أي أمة من الأمم مرهون بمدى جدية وجودة مشروعها الحضاري، وإدارتها للموارد والوقت واستثمارها في الإنسان، ونجاحها يكون نتيجة لعوامل متداخلة تعمل في نسق متناغم لبناء حضارة مستدامة.
وقد أصبحت التقنية في عصرنا تشكل جانبا مهما في حياة الناس، والتحول الرقمي من أبرز معايير التقدم. فالدول التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي تحقق نموا نوعيا، كما هو الحال في كوريا واليابان. ومن ثم، كان لزاما على المنظومة التربوية والتعليمية في أي دولة تبغي التقدم إدراج المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي في التعليم الثانوي والجامعي بشكل خاص مع مهارات القرن الحادي والعشرين.
وتكمن أهمية التقنية في نهضة الأمم في كونها محركا أساسيا للتنمية الشاملة، إذ تعزز الابتكار، وتحسن التعليم والصحة، وتسرّع النمو الاقتصادي عبر توفير فرص عمل، وتعزز التواصل العالمي، وتمكن من حل التحديات المعقدة، وتحسن جودة الحياة، من خلال الأتمتة والوصول السهل للمعلومات والخدمات، ما يجعلها أداة لا غنى عنها لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وإن التقنية أساسية لنهضة الأمم بتطوير التعليم والصحة والاقتصاد ورفع الإنتاجية.
وديننا الإسلامي يحث عليها بقوة عبر الحث على العلم والابتكار وإعمار الأرض، كما في قوله: {إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا}، مما يدفع المسلمين للتفوق في كافة العلوم والتكنولوجيا لتحقيق الكفاية الذاتية والازدهار، وهو ما جسده المسلمون الأوائل في حضارتهم عبر العلوم التطبيقية والنظرية.
نعم، لقد حث الدين الإسلامي بشدة على الأخذ بأسباب التقدم والتطور (التقنية) كجزء من التوكل على الله، عبر التشجيع على طلب العلم، والعمل الجاد لتحقيق القوة والحضارة، كما في قصة النبي داود عليه السلام في صنع الدروع، والآية الكريمة: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}، وكونه فريضة كما جاء في الحديث الشريف: “طلب العلم فريضة على كل مسلم” يشمل العلوم الدنيوية والتقنية، وضرورة مواكبة العصر واللحاق بركب الأمم المتقدمة، مما يدعو المسلمين أن يكونوا منتجين للحضارة وليسوا مجرد مستهلكين لها، باستخدام التقنية بما يعود بالخير ويحقق المقاصد الشرعية.
إن سنن الله في كونه وشرعه تحتم علينا الأخذ بالأسباب كما فعل ذلك أقوى الناس إيمانا بالله وقضائه وقدره وهو رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لقد قاوم الفقر بالعمل، وقاوم الجهل بالعلم، وقاوم المرضى بالعلاج. إن استخدام التقنيات الحديثة أصبح جزءا رئيسيا من الحياة اليومية، مما جعل هناك كثيرا من الفوائد على البشرية بالكامل، ومن هذه الفوائد تسهيل العمل على كل الأفراد، وفي مجالات عديدة، منها الزراعة والطب والصناعة... وغيرها، مما نتج عنه تقدم هائل في كافة المجالات، ولعب التقدم التكنولوجي دورا فعالا في التقريب بين البشر، فلم تعُد رسائل البريد هي السبيل الوحيد للتواصل بين الناس، وحل محلها المكالمات المرئية والصوتية المجانية، مما أمّن راحة واتصالا أكثر بين الأفراد. إننا نؤكد أن فوائد التكنولوجيا كثيرة ومتنوعة، وليست هذه الفوائد مقتصرة فقط على ما وصلنا إليه من استخدام الهاتف الذكي أو الدخول إلى الإنترنت، لكن هذا التطور مستمر منذ العصر الحجري إلى الآن، وسوف يستمر إلى الأبد.
ومما لا شك فيه أن للدولة دورا أساسيا في التقدم الشامل للمجتمع، من خلال الحكم الرشيد، ومحاربة الفساد، وترسيخ سياسات عادلة. ويتحقق مشروع النهضة لأي دولة من خلال الاستثمار في الإنسان، وتكامل وانسجام الدولة مع أفراد المجتمع، وذلك بتحسين جودة التعليم والبحث العلمي، وترسيخ القيم والمبادئ الفطرية والأخلاقية مثل الحرية، والعدالة، والإبداع والابتكار. وتطوير طرق ووسائل التعليم، بحيث تكون أهم أهدافه تطوير مهارات الشباب حتى تتوافق مع مهارات القرن الحادي والعشرين كمهارة التفكير النقدي، ونقد الذات، وإدارة الوقت، ومهارة حل المشكلات ومهارة الاتصال والتواصل مع الآخرين في مجتمعه ومجتمعات أخرى مختلفة، وبتطوير المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي كأدوات مساعدة على تطور المجتمع. وعندما تتكامل هذه العوامل كلها وتصب في مشروع النهضة بشكل متكامل ومتوازن، تخرج الحضارة من طور الجمود وتنهض الأمة من سباتها العميق إلى فضاء الإبداع والتقدم.
إن عملية بناء تكنولوجيا متطورة في البلدان التي تفتقر إليها تعتمد على ناحيتين مهمتين: فكرية أيديولوجية وعملية تكنولوجية، الأولى وهي الأساس في إيجاد وعي دقيق على ضرورة إحداث ثورة صناعة في بلد ما، كما هي ضرورية في تحديد الغاية من امتلاك التكنولوجيا؛ وذلك من أجل توجيه الصناعة بالوجهة المطلوبة؛ وبلدان العالم الثالث ومنه العالم الإسلامي والعربي لا زالت تفتقر إلى الفكرة الدافعة. لذلك، كان لزاما على الدولة التي تريد بناء قاعدة تكنولوجية حديثة أن تتبنى فكرة أساسية فيها قوة الدفع، وفيها المقدرة على التفاعل مع المجتمع لتحمله على تحمل ما يلزم من أجل امتلاك التكنولوجيا النوعية. أما الثانية، فتسير في ثلاثة محاور رئيسية هي: المعرفة والتمويل والنقلة النوعية.
ولا بد أن يُعلم أن التكنولوجيا ليست بضاعة تشحن، إنما هي عملية معقدة تُبنى وتُنشأ، ويستخدم في بنائها العمل والمال والطاقة والمادة الخام، ولها قاعدة وبناء، وتعتبر شكلا من أشكال قوة الدول التي تحافظ الدول عليها وتحول دون أن ينالها غيرها.
الخبر
02/02/2026 - 01:05
الخبر
02/02/2026 - 01:05
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال