حظي نص قانون تجريم الاستعمار بدعم أعضاء مجلس الأمة، وسط مطالب بإعادة صياغته وتعديل أحكام فيه، لإضفاء مزيد من الانسجام عليها والتناغم مع رؤية الدولة الجزائرية للملف.
عرض وزير المجاهدين وذوي الحقوق عبد المالك تاشريفت، نص مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر المصادق عليه قبل أيام في المجلس الشعبي الوطني، مؤكدا بأن ما تعرضت له الجزائر من جرائم استعمارية "لا يسقط بالتقادم وفق كل المبادئ والمواثيق الدولية، ولا يمكن طيه بالتناسي، بل تتم معالجته بالاعتراف بهذه الجرائم، لأنه لا عدالة إنسانية دون اعتراف، ولا مستقبل كريم بدون انصاف".
وأضاف تاشريفت أن النص "يجسد التزام الدولة الجزائرية بصون ذاكرتها الوطنية وترسيخ الحقيقة التاريخية، ويؤكد حق الشعب الجزائري غير القابل للتصرف في الاعتراف بجرائم الاستعمار والمطالبة بالاعتراف والاعتذار والانصاف، بما يعزز العدالة التاريخية ويكرس علاقات قائمة على الاحترام المتبادل".
وفي هذ السياق، أبرز عضو المجلس حمزة ال الشيخ في تدخله خلال جلسة المناقشة التي شارك فيها البرلمانيون أعضاء الأسرة الثورية من مجاهدين وأبناء شهداء ومجاهدين، أن التشريع الجديد يعد التزاما سياسيا دستوريا وليس خيارا سياسيا ظرفيا، مستدلا بأحكام في الدستور (المواد 7، 8، 65 و75) توجب على الدولة حماية الشهداء والرموز الوطنية والذاكرة الجماعية.
وشدد على أن التجريم ليس موجها للخارج بل وفاء دستوريا وممارسة مشروعة لسيادة الدولة على ذاكرتها، غير أنه نبه إلى أن الصياغة الحالية تستوجب تدقيقا وتحيينا لأحكامه بإدراج المقاومة الشعبية التي شكلت الامتداد الطبيعي لثورة التحرير.
وشدد الوزير على أنه يوثق الالتزام السياسي والقانوني بأن "الجزائر لا تساوم أبدا على ذاكرتها الوطنية، ولا تقبل المساس بحقائق تاريخها ولا التنازل عنها تحت أي ظرف أو مبرر"، مبرزا الأهمية الخاصة التي توليها الجزائر، بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، للحفاظ على الذاكرة الوطنية.
وأكد الوزير في السياق ذاته أن التشريع الأول من نوعه يعد خطوة نوعية تعزز المنظومة التشريعية الوطنية التي تعنى بحماية الذاكرة الوطنية، وتؤكد أن الدولة بكل مؤسساتها الدستورية متمسكة بحقها السيادي في صون تاريخها الوطني والدفاع عن ذاكرتها بكل الوسائل والآليات.
واستدرك بأن التذكير بجرائم الاستعمار الفرنسي ليس استحضارا للماضي فحسب، بل هو واجب اخلاقي وتاريخي بالنظر الى ما اقترفه المستعمر من جرائم فاقت في فظاعتها وهولها كل الحدود، وخلفت ملايين الشهداء، كما لا تزال اثارها المادية والنفسية والبيئية ماثلة للعيان وقائمة الى اليوم.
وفي السياق ذاته أشار عيسى بورقبة عضو المجلس عن الثلث الرئاسي إلى أن الجزائر "لا تطلب اعتذارا لأن دم الشهداء لا يقوم، ولا اعتذارا شكليا لأن الكرامة لا تدار بالعبارات، بل تطلب اعترافا يحرر الذاكرة من الانكار ويحرر المستقبل من الكذب". ورفض القراءات القائلة بأن التشريع جاء متأخرا، بل انتظر لحظته الطبيعية وهي اشتداد عود الدولة واكتمال الوعي السيادي.
ولفت زميله في الكتلة رضا أوسهلة إلى أهمية التشريع الذي يعد لبنة لمسار مستقبلي يهدف إلى التجريم الدولي للاستعمار.
وسارت أغلب التدخلات في المسار الذي رسمته لجنة الدفاع بالمجلس، والتي عبرت عن تحفظاتها على أحكام في التشريع، فيما عبر تيار في المجلس عن تأييدهم للمشروع، مشددين على أهميته باعتباره يؤسس لمطالب الاعتراف الرسمي، وتقديم الاعتذار، والتعويض الشامل عن الأضرار.
وأعلن يوسف ايدر، عضو مجلس الأمة عن حركة مجتمع السلم، دعم حزبه للقانون، وإقرار مسؤولية الدولة المستعمرة عن هذه الأضرار، وإلزامها بتسليم جميع الخرائط والمعطيات التقنية المتعلقة بمواقع التفجيرات والتجارب النووية، وتنظيف وتطهير مواقع التجارب النووية وفق المعايير الدولية للسلامة البيئية، مستحضرا معاناة أبناء منطقته من آثار التفجيرات النووية الفرنسية.
وفي تقريرها التمهيدي أشارت لجنة الدفاع الوطني إلى أهمية التشريع الذي يعزز حماية الذاكرة وينقلها من مجرد استحضار رمزي أو أخلاقي إلى التزام قانوني ومؤسساتي صريح يحفظ التاريخ الوطني ويصون الكرامة الوطنية ، غير أنها عبرت عن تحفظات على الأحكام التي وردت فيها إشارة إلى التعويض والاعتذار، مسجلة عدم انسجام أحكام فيه مع التوجه الوطني الذي أرساه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، والقائم على المطالبة بالاعتراف بالجرائم الاستعمارية لا بالتعويضات والاعتذار.
وسيترجم هذا الموقف في جلسة الخميس القادم المخصصة للتصويت على النص، تمهيدا لاستدعاء اللجنة متساوية الأعضاء لتجهيز الصياغة الجديدة للنص.
ونبهت اللجنة إلى أن أحكاما في النص تستدعي إعادة ضبط وترتيب بما يقتضي إدراج تحسينات كفيلة بتعزيز جودة التشريع وضمان تماسك النص. وفي هذه السياق أشارت مصادر من المجلس إلى الحاجة لحذف عديد المواد منها المادة الأولى لكونها عامة، وتصبح المادة الثانية هي المادة الأولى، وكذا حذف المادتين 20 و25 من المشروع.
كما يترقب حذف عبارة الاعتذار من المادة التاسعة من النص بهدف الانسجام مع الخطاب الرسمي للدولة في هذا المجال، وإلغاء المادة العاشرة التي تتحدث عن التعويض الشامل والمنصف للمبرر ذاته.
كما يترقب إعادة ترتيب وترقيم مواد منها مواد الأحكام الجزائية، وإعادة صياغة أحكام أخرى.
ويعتقد أعضاء في المجلس أن مراجعة أحكام القانون رغم قوته تندرج ضمن توجه جودة التشريع، لافتين إلى أن قانون تمجيد الاستعمار الذي أصدره الجانب الفرنسي خضع للمراجعة والتمحيص والتعديل، لتلطيف أحكامه وإسقاط أحكام وخصوصا مادة أساسية فيه.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال