طرح تعديل قانون الجنسية على مستوى طاولة المجلس الشعبي الوطني، في خطوة تشريعية تعكس توجها نحو تحيين أحد أكثر النصوص القانونية ارتباطا بالسيادة الوطنية والهوية الدستورية للدولة، موازاة مع المساعي التي تبنتها السلطات العمومية مؤخرا من خلال فتح ورشة الإصلاحات التشريعية المختلفة.
وفي عرض الأسباب، يستند النائب هشام صفر، صاحب المقترح، حسب ما جاء في الوثيقة التي اطلعت "الخبر" على نسخة منها، إلى جملة من التحولات الدستورية والقانونية التي عرفتها الجزائر منذ صدور القانون الحالي قبل أكثر من خمسة عقود، معتبرا أن التطورات السياسية والاجتماعية والأمنية، فضلا عن التزامات الجزائر الدولية، أفرزت واقعا جديدا يستوجب مراجعة دقيقة لبعض أحكام قانون الجنسية، دون المساس بجوهره السيادي.
وبناء على هذا، يؤكد مقترح القانون الذي يرمي لتعديل الأمر رقم 70-86 المتضمن قانون الجنسية الجزائرية، على أن الجنسية ليست مجرد وضعية إدارية، بل هي رابطة قانونية وسياسية وأخلاقية دائمة بين الفرد والدولة، يترتب عنها تمتع المعني بحقوق أساسية يقابلها الالتزام بواجبات دستورية. ومن هذا المنطلق، شدّد النص على ضرورة أن يكون اكتساب الجنسية الجزائرية مبنيا على روابط فعلية وحقيقية مع الدولة، سواء من حيث الانتماء أو الاندماج أو احترام القيم الدستورية والثوابت الوطنية.
إعادة ضبط شروط الاكتساب والتجريد منها
يركز المقترح على مراجعة شروط اكتساب الجنسية، سواء عن طريق الأصل أو عن طريق التجنس، من خلال إدخال صياغات أكثر دقة تهدف إلى الحد من التأويلات الواسعة التي أفرزتها بعض مواد القانون الحالي. ويقترح تبعا لذلك تعزيز متطلبات الإقامة الفعلية، والتحقّق من حسن السيرة والسلوك، وضمان الاندماج الاجتماعي واللغوي، بما ينسجم مع التشريعات المقارنة في عدد من الدول.
كما يولي المقترح أهمية خاصة لتدعيم صلاحيات الإدارة في التحري والتحقق من الملفات، مع إخضاع قراراتها للرقابة القضائية، بما يحقق التوازن بين حماية حقوق الأفراد وصيانة المصلحة العامة.
ومن بين النقاط البارزة التي تناولها مقترح القانون، إعادة تنظيم الحالات المتعلقة بفقدان أو إسقاط الجنسية الجزائرية، حيث يقترح ربط هذه الحالات بأفعال تمس بشكل مباشر بالمصالح الأساسية للدولة أو بأمنها، مع التأكيد على احترام الضمانات الإجرائية ومبادئ المحاكمة العادلة.
ومن أجل ذلك ينص المقترح على إمكانية التجريد من الجنسية الجزائرية الأصلية، كل جزائري يقوم خارج الجزائر بمجموعة من الأفعال، على غرار التصرف على نحو من شأنه إلحاق ضررا جسيما بمصالح الدولة الجزائرية أو محاولة المساس بالوحدة الوطنية، أو إظهار الولاء لدولة أخرى بأي شكل من أشكال التعبير، مع الإصرار على نبذ الولاء للدولة الجزائرية، إلى جانب القيام بخدمات لدولة أخرى بنية الإضرار بمصالح الدولة الجزائرية، مع الاستمرار في ذلك بالرغم من إنذاره من قبل الحكومة الجزائرية، وكذا استمرار العمل لدى قوات عسكرية أو أمنية أجنبية أو تقديم مساعدات لها، رغم إنذاره من قبل الحكومة الجزائرية أو تعامل مع دولة أو كيان معادي للدولة الجزائرية.
كما يقترح التعديل أيضا، ضمن نفس الإطار، تجريد من الجنسية في حالة تورط المعني في النشاط أو الانخراط في الخارج ضمن جماعة أو منظمة إرهابية أو تخريبية مهما كان شكلها أو تسميتها أو قام بتمويلها أو بالدعاية لصالحها، إضرارا بمصالح الدولة الجزائرية. ويتعلق الأمر بالتجريد من الجنسية الجزائرية المكتسبة في حالة ارتكاب هذه الأفعال في الجزائر.
وفي المقابل، تشير التعديلات المقترحة إلى أنّ إجراءات التجريد من الجنسية تتم بموجب مرسوم رئاسي، بينما تفرض وجوب إنذار الشخص بالتوقف عن القيام بفعل أول أكثر من الأفعال المشار إليها في أجل لا يتعدى 60 يوما، بعدها يتم تبليغ المعني بالتجريد بكل الطرق القانونية بما في ذلك وسائل الاتصال الإلكترونية والنشر في الصحافة، مع تمكينه من تقديم ملاحظاته، على أنه يمكن استرداد الجنسية الجزائرية الأصلية، بعد أربعة وعشرين (24) شهرا على الأقل من تاريخ التجريد منها.
انسجام مع الدستور والمنظومة القانونية
يهدف هذا التعديل، حسب المقترح، إلى سد الفراغات القانونية القائمة وتفادي أي غموض قد يؤدي إلى تعارض في التطبيق أو اختلاف في الاجتهاد القضائي، مع الحفاظ على الطابع الاستثنائي لإجراءات إسقاط الجنسية.
وعلى الرغم من هذا، يُبرز المقترح حرصا واضحا على مواءمة قانون الجنسية مع أحكام الدستور الجزائري، خاصة تلك المتعلقة بالسيادة الوطنية والمساواة أمام القانون وحماية الحقوق والحريات. كما يستند إلى نصوص تشريعية لاحقة صدرت بعد سنة 1970، ما يجعل التعديل المقترح جزء من مسار أوسع لتحديث المنظومة القانونية الوطنية.
ويرى صاحب المقترح أن تحيين قانون الجنسية سيساهم في تعزيز الأمن القانوني وتوفير إطار أوضح للإدارة والقضاء في معالجة ملفات الجنسية والحد من النزاعات المرتبطة بها.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال