قانون مالية 2016.. بداية السنوات العجاف في الجزائر

الملفات
23 أكتوبر 2015 () - إعداد: حفيظ صواليلي
0 قراءة
+ -

تكشف المؤشرات المعتمدة في مشروع قانون مالية 2016 وأهم التدابير المتخذة، عن حجم التحديات التي تنتظر الجزائر بداية بالسنة الجديدة، مع اتساع العجز في الميزانية والخزينة وتداعيات الانخفاض الكبير في أسعار النفط، حيث فقد برميل النفط الجزائري سنة 2015 حوالي 43 دولارا مقارنة بالمعدل المسجل في سنة 2014، ويرتقب أن يصل متوسط سعر ”صحاري بلند” الجزائري هذه السنة 57 دولارا للبرميل، مقابل 100 دولار العام الذي سبقه، وهو مؤشر يبرز لوحده مدى الرهانات التي يتعين على حكومة عبد المالك سلال رفعها في ظل محدودية البدائل المتاحة، في اقتصاد تعرف حصة القطاع الصناعي فيه تراجعا، حيث تمثل حسب تقدير الحكومة 3.2% من الناتج المحلي الخام برسم قانون المالية 2016، في وقت تتوقع الحكومة صادرات محروقات بـ26.370 مليار دولار، مقابل عجز في ميزان المدفوعات بـ30.3 مليار دولار، وعجز في الميزانية والخزينة بأكثر من 53.8 مليار دولار. هذه المؤشرات تستدعي دق ناقوس الخطر، حيث تعبر عن ملامح أزمة وصلنا إليها لغياب استراتيجية تنمية واضحة الملامح خلال العشريتين الماضيتين، رغم توفر موارد مالية قاربت 1000 مليار دولار.


الحكومة تعود إلى خيار الجباية لتعويض خسائرها
أسعار السيارات والوقود إلى أعلى

 أمام معضلة الانخفاض الحاد لعائدات البلاد نتيجة فقدان برميل النفط 45% من قيمته، اضطرت الحكومة لتحميل المواطن جزءا من الأعباء والعودة إلى فرض ضرائب جديدة أو رفع أخرى.

أقر مشروع قانون المالية 2016 سلسلة من التدابير الجبائية التي ستساهم في ارتفاع أسعار بعض المنتجات، منها السيارات والوقود وأجهزة الإعلام الآلي. وهذه الزيادات ستمس أيضا قطاعات متصلة، مثل النقل العمومي بالنسبة لرفع سعر المازوت، والخدمات بالنسبة لأسعار أجهزة الإعلام الآلي، فضلا عن تسقيف استهلاك الطاقة الكهربائية للأسر.

وعلى ضوء هذه المعطيات، سيجد الجزائريون أنفسهم في مواجهة ارتفاع تكاليف العيش خارج ارتفاع أسعار مواد الاستهلاك والمواد الغذائية التي تواجه سنويا موجة تضخمية، حيث يتعين عليهم تسديد تذكرة أعلى في نقل عمومي لا يفي بالغرض أساسا نتيجة ارتفاع سعر المازوت، وزيادة أسعار المركبات نتيجة زيادة في قسيمات السيارات، فضلا عن خدمات الإنترنت وأسعار الكهرباء وأعباء الهاتف النقال. ومن الواضح أن حكومة عبد المالك سلال وجدت نفسها أمام عدة خيارات صعبة، وتوازنات يتعين التعامل معها مع انهيار أسعار النفط بأكثر من 45% خلال سنة، وانخفاض الإيرادات، وارتفاع العجز في الميزانية والخزينة إلى حوالي 54 مليار دولار، مع تسجيل ارتفاع معتبر للتحويلات الاجتماعية التي بلغت في قانون المالية 2016 حوالي 17.2 مليار دولار، أو ما نسبته 9.8% من الناتج المحلي الخام، والجدل القائم حول مسألة الدعم المباشر وغير المباشر.وأمام هذه المعادلة الصعبة، ارتأت حكومة سلال اعتماد نظام التسقيف في استهلاك المواد الطاقوية من كهرباء ووقود، ما يعني أنه من الآن فصاعدا من يستهلك أكثر سيدفع أكثر حسب الحكومة. وإن كان نظام التسقيف معتمدا من قبل في الكهرباء.

ويكشف قانون مالية 2016 عن توجه ”اضطراري” للحكومة، أمام توقعات استمرار تدني أسعار المحروقات والعائدات، فقد انخفضت نفقات الميزانية المقدرة بـ7984.2 مليار دينار بنسبة 8.8%، كما انخفض تقدير ميزانية التسيير بنسبة 3.3%، وانخفضت ميزانية التجهيز بنسبة 16%. ولجأت حكومة سلال إلى بدائل من بينها الضغط على ميزانية التجهيز، من خلال تعليق وإلغاء عدد من مشاريع البنى التحتية، منها مشاريع ترامواي ومستشفيات، وتقليص الواردات بقرارات إدارية، مع فرض رخص الاستيراد على منتجات منها السيارات والإسمنت، بعد توقع عجز في الميزان التجاري يفوق 12 مليار دولار، إذ يتوقع قانون مالية 2016 انخفاض صادرات المحروقات التي تمثل حوالي 96%، وقيمة الصادرات إلى 26.4 مليار دولار، بتراجع نسبته 21.9%، مقابل واردات تصل إلى 54.7 مليار دولار دون حساب الخدمات.

كما تم اتخاذ قرار بوقف عمليات التوظيف في الوظيف العمومي والقطاع التابع للدولة، وتفعيل عملية الإحالة على التقاعد بعد سن 60 سنة. علما أن كتلة أجور الوظيف العمومي تقدر بحوالي 35 مليار دولار.

التخلص التدريجي من الدعم الاجتماعي
وتتجه حكومة سلال تدريجيا إلى مراجعة سياسة الدعم والتخلي عنها جزئيا، مع اعتماد نظام التسقيف خاصة في مجال استهلاك الطاقة، وإن كان قائما في مجال استهلاك الكهرباء من قبل، ففي مشروع قانون مالية 2016، تم تأكيد نظام التسقيف في استهلاك الكهرباء، مع فرض رسم على القيمة المضافة بـ7% لاستهلاك لا يتجاوز 125 كيلووات في الساعة، وهو معدل الأسر والعائلات على العموم، ورفع القيمة إلى 17% في حالة تجاوز السقف المذكور، وفي الواقع لا يختلف النظام المقترح عن ذلك الموجود حاليا، فبالنسبة للزبائن المستهلكين العاديين من الأسر فإن قيمة 125 كيلووات في الساعة تُفوتر بقيمة 1779 دينار جزائري دون حساب الرسوم، بالمقابل تتم فوترة باقي الاستهلاك بـ4179 دينار للكيلووات في الساعة، والمستجد هو فرض 17% على المستهلكين الكبار، وعليه فإن المواطن العادي غير معني إجمالا بالإجراء.

بالمقابل، فإن الحكومة تسعى، من خلال رفع الرسم على القيمة المضافة، لبيع ”المازوت” بتقليص الفارق بين السعر الدولي والمحلي المدعم، وبتجميد السعر منذ سنوات، حيث نص قانون المالية 2016 على تعديل معدل الرسم على القيمة المضافة من 7 إلى 17%. فضلا عن ذلك تم تعديل الرسم على المنتجات البترولية من 0.01 دينار للتر حاليا إلى 5 دينار للتر بالنسبة للبنزين الممتاز ودون رصاص، وإلى 4 دينار للبنزين العادي وتعديل الرسم بالنسبة للمازوت من 0.01 دينار للتر حاليا إلى 2 دينار للتر، وهو ما سيرفع البنزين بأنواعه من 1 دينار إلى 1.3 دينار في اللتر الواحد حسب الأنواع تقريبا، ولكن ارتفاع السعر يمكن أن تكون له انعكاسات على قطاعات النقل التي تستخدم هذا الوقود، فضلا عن الفلاحة، علما أن سعر المازوت يقدر حاليا بـ13.7 دينار للتر، بينما يقدر سعر البنزين الممتاز بـ23 دينار و21.2 دينار للبنزين العادي.

بالمقابل، قررت الحكومة فرض حقوق جمركية بـ15% على أجهزة الإعلام الآلي المستوردة، في محاولة منها تقليص الواردات للمادة النهائية والتوجه إلى التركيب والتجميع. تجدر الإشارة إلى أن التجهيزات المصنفة ضمن الموقع التعريفي الجمركي 8471، والذي يشمل تجهيزات الإعلام الآلي والكمبيوتر، تفرض عليها حقوق جمركية بـ5% ورسم على القيمة المضافة بـ17%.

فضلا عن ذلك، فإن استهلاك الإنترنت يمكن أن يعرف ارتفاعا بالنسبة للجيل الثالث للهاتف النقال، بفعل فرض رسم على قيمة مضافة تقدر بـ17%. وعلى العموم، فإن هناك زيادات ستطبق تمس المواطن بالدرجة الأولى، مثل الإنترنت والنقال، وقسيمة السيارات والضريبة على شراء السيارات التي ترتفع لثاني مرة، والتي يفرضها وكلاء السيارات على المستهلك في السعر النهائي، حيث تم تحديد تسعيرة القسيمة حسب قوتها ونوعها وسنة استغلالها، وتتراوح ما بين 6 آلاف إلى 18 ألف دينار، بينما تتراوح بالنسبة للسيارات النفعية التي تفوق 5 سنوات ما بين 3 آلاف و8 آلاف دينار، مقابل ما بين 5 آلاف و18 ألف دينار لمركبات النقل لأقل من 5 سنوات، وما بين 3 آلاف إلى 9 آلاف دينار لمركبات نقل لأكثر من 5 سنوات، وحددت تسعيرة قسيمة السيارات السياحية ما بين ألفي و10 آلاف دينار بحساب قوة السيارة.


الحكومة تضطر لتعديل سعر صرف العملة الوطنية أمام الدولار
الدينار يواصل الانهيــــار

 اعتمدت الحكومة في مشروع قانون المالية 2016 على سعر صرف معدل يقدر بـ98 دينارا لدولار واحد، بعد أن كان سعر الصرف في 2012 يقدر بـ77.55 دينار لكل دولار. ويتضح أن الحكومة تلجأ إلى تخفيض سعر صرف الدينار أمام زيادة العجز في الميزانية وميزان المدفوعات، فضلا عن محاولة ضبط الواردات، حيث فقد الدينار حوالي 20% من قيمته أمام الورقة الخضراء.

تبيّن الإحصائيات المعتمدة في عرض قانون مالية 2016، أن مراجعة صرف الدينار الجزائري مقابل الدولار كان معتبرا خلال الفترة الممتدة بين 2012 و2015، وتعدى توقعات قوانين المالية التي اعتمدت على معدل سعر صرف يقدر بحوالي 79 دينارا لكل دولارا في قانون مالية 2015.

واستنادا إلى الأرقام المقدمة، فإن معدل سعر صرف الدينار عام 2012 بلغ 77.55 دينار، بينما بلغ المتوسط عام 2013 حوالي 79.38 دينار، ليرتفع إلى الصرف إلى 80.56 دينار للدولار الواحد عام 2014، ويتضح أن تقلبات صرف الدولار أمام الأورو انعكست على الدينار الجزائري الذي يعتمد على سلة من العملات لتقدير سعر صرفه، ومع ذلك، فإنه عرف أكبر فارق مع الدولار، ولكن انزلاق الدينار ينم أيضا عن توجه حكومي في محاولة لتقليص حجم وقيمة العجز المتنامي ولو حسابيا.

بالمقابل سعت الحكومة، مع قرار اعتماد قروض الاستهلاك، إلى تخفيف الأعباء وإنعاش الطلب المحلي، حيث يتم تحويل الاستدانة إلى الأسر، على غرار ما يتم في الدول الصاعدة والصناعية، أي تفعيل الاستهلاك عن طريق الاستدانة. وهو ما يخفف التزامات الحكومات ويفيدها من حيث تحفيز الطلب الداخلي، وإن كانت مخاطر استدانة الأسر معتبرة.

وإلى جانب هذه التدابير التي تبقى غير كافية لتغطية العجز الناتج عن ارتفاع النفقات مقابل انخفاض حاد في الإيرادات، فإن السلطات العمومية تتجه إلى تبني خيارات ستمس جيب المواطن، مع تخفيض قيمة الدينار الجزائري الذي فقد 20% من قيمته في ظرف سنة، وهو ما سينتج عنه ارتفاع في نسب التضخم الذي بلغ خلال النصف الأول من 2015، حسب تقديرات وزارة المالية، حوالي 5,32%، رغم أن معدي قانون مالية 2016 قدروها بـ4%، على غرار قانون المالية التكميلي 2015، مقابل 3% في قانون مالية 2015، وسينعكس هذا الوضع على القدرة الشرائية للمواطنين، لاسيما ذوي الدخل الضعيف، فضلا عن تآكل قدرة الدينار الشرائية.

وأمام صعوبة القيام بتعديلات للأجور، خاصة أن الحكومة تعتبر أن سقف كتلة الأجور مرهق، فحسب قانون مالية 2016 فإن ميزانية التسيير تقدر بـ4807.3 مليار دينار (45,544 مليار دولار)، وستفوق إيرادات المحروقات التي لا تتجاوز 26.4 مليار دولار.

الدولة تريد الحد من مضاعفات البيروقراطية
تحفيزات لاستقطاب الاستثمارات وفتح الباب للاستدانة الخارجية

 حاولت الدولة من خلال مشروع قانون المالية 2016 اعتماد تدابير ترمي إلى تسهيل الإجراءات، وأخرى متصلة بتحفيز الاستثمارات التي تواجه عقبات كبيرة نتيجة ترسخ الأساليب البيروقراطية في الإدارة الجزائرية وتعقيدات مناخ الأعمال، ما جعل الجزائر من بين أضعف البلدان استقطابا لرؤوس الأموال الأجنبية والاستثمارات الخارجية، والمحلية أيضا. كما فتحت الباب إلى إمكانية الاستدانة من الخارج، وهو الباب الذي أغلقته منذ سنة 2009.

ومن بين التدابير المنصوص عليها في القانون إجراءات تحفيزية لتشجيع الاستثمارات، خاصة المنتجة وتلك التابعة للصناعات الناشئة. كما تم إقرار تدابير تتعلق بتسهيل الوصول إلى العقار الاقتصادي والتمويل وتبسيط الإجراءات الجبائية، حيث سيسمح للمتعاملين الخواص بتهيئة وتسيير مناطق النشاط والمناطق الصناعية. هذه الأخيرة التي عُهدت خلال السنوات الماضية إلى وكالة الضبط والوساطة العقارية. هذه الأخيرة ستعرف ”إعادة تنظيم معمقة” لتتمكن من التركيز على مهمتها الرئيسية، وهي تسهيل حصول المستمرين على العقار. وشدد النص القانوني على ضرورة إقامة المناطق الصناعية من قبل الخواص على أساس دراسات مسبقة، مع الأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات المتعلقة بسياسة تهيئة الإقليم.

كما تم اقتراح إلغاء إجبارية إعادة استثمار من الفوائد المحققة في الامتيازات الممنوحة في إطار إجراءات دعم الاستثمار، وهي التدابير التي كانت تمس المستثمرين الأجانب.
في نفس السياق، تم تحديد 3% كأقصى حد نسبة فوائد الخزينة العمومية عن القروض البنكية الممنوحة للاستثمارات خارج الاستثمارات المنجزة في إطار أجهزة الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب والصندوق الوطني للتأمين عن البطالة والوكالة الوطنية لتسيير القرض المصغر أو الاستثمارات المنجزة في المناطق الخاصة (الجنوب والهضاب العليا).

وفي سياق تداعيات نقص الموارد المالية، أعادت الحكومة إقرار إمكانية الاستدانة واللجوء إلى الإقراض الخارجي، وهو ما لم يكن متاحا منذ سنوات، على خلفية المشاكل المالية التي تعاني منها الجزائر، والتي تحد أيضا من القدرة التمويلية للمؤسسات. وعلى هذا الأساس، تم السماح باللجوء إلى التمويلات الخارجية اللازمة لإنجاز المشاريع الاستراتيجية من طرف مؤسسات خاضعة للقانون الجزائري، أي المحلية أو تلك القائمة بالشراكة، مع الإبقاء على التمويل المحلي كأولوية.


لم تحقق عدالة اجتماعية ولا تحسينا في نمط المعيشة
أكثر من 42 مليار دولار.. كلفة السلم الاجتماعي

 لا تزال الحكومات المتعاقبة عاجزة عن اعتماد سياسة اجتماعية واضحة المعالم، يتم من خلالها ضمان عدالة اجتماعية وتنمية فعلية لنمط المعيشة للسكان، رغم الموارد المالية المتنامية التي تخصص برسم التحويلات الاجتماعية والدعم المباشر والضمني، حيث تبقى الآليات المعتمدة عقيمة لأن كافة الفئات معنية بالدعم دون تمييز، ولتسرب جزء معتبر منه دون أن يحقق الأهداف المنشودة، سوى محاولات السلطة استعماله ”مسكّنا” يقي من أية هزات اجتماعية، ويضمن سلما اجتماعيا وهدنة ولو إلى حين.

ووفقا للتقديرات الإحصائية التي يكشفها تقرير عرض مشروع قانون المالية لسنة 2016، فإن السلطات العمومية رصدت سنة 2014 ما لا يقل عن 42 مليار دولار، ما يعادل 4552.1 مليار دينار، كتحويلات اجتماعية ودعم مباشر وضمني، منها 1991.3 مليار دينار، أو ما يعادل 18.897 مليار دولار، تحويلات اجتماعية و2560.8 مليار دينار، أو ما يعادل 24.264 مليار دولار، على شكل دعم ضمني. ورغم المبالغ الكبيرة التي رصدت من قبل الحكومة، فإن المشاكل التي يعاني منها المواطن لا تزال قائمة. فمستوى الرعاية الصحية يبقى سيئا للغاية، بل كارثيا في بعض المناطق، كما أن الحظيرة السكنية تعاني نقائص بالجملة رغم اعتماد الحكومات المتعاقبة مقاربة كمية في محاولة لامتصاص الطلب المتزايد، دون مراعاة للجانب المتصل بالصيانة والتسيير، ما جعل الحكومة تواجه مظاهر ”الأريفة” (من الريف) في الأحياء الجديدة. كما أن الدعم العام لمواد غذائية واستهلاكية وضع الدولة أمام واقع عسير، يحتم استمراره تفاديا لأي ثورات، والقبول بتسرب جزء كبير منه سواء للفئات الميسورة أو لشبكات التهريب، ولم تجد الحكومة الحل لمعادلة صعبة ظلت قائمة لسنوات. ويشير عرض الحكومة إلى تخصيص 1840.5 مليار دينار، ما يعادل 17.423 مليار دولار، كتحويلات اجتماعية برسم سنة 2016، ورغم تسجيل القيمة الإجمالية تراجعا مقارنة بسنة 2014 بحوالي 150 مليار دينار، فإنها تبقى أعلى من توقعات قانون المالية التكميلي 2015، بنسبة نمو بلغت 7.5%، و128.78 مليار دينار. كما أنها تعادل 9.8% من الناتج المحلي الخام، وهي مستويات قلّما تسجل في معظم الدول النامية والصاعدة، لكنها في الواقع لا تحل المشاكل التي تعاني منها الجزائر، لغياب رؤية واضحة حول مفهوم ”الدولة الراعية” والبعد الاجتماعي. ولا يتعلق القصور بمجال الدعم المباشر، بل إن السياسات المندرجة في إطار التشغيل الذي نتج عنه دعم ضمني، من خلال إعفاءات ضريبية لمختلف أجهزة التشغيل وتخفيض الإتاوات العقارية وأسعار الطاقة، لم تساهم في تحقيق نقلة على مستوى النسيج الصناعي ونوعية الخدمات المقدمة، بل إن نسبة الإخفاقات تبقى معتبرة. فإلى جانب توقف المئات من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمصغّرة عن النشاط، فإن العديد منها أيضا يواجه عسرا في التسديد لدى البنوك وعدم ملاءمة وعدم قدرة على التسديد، ما أبقى الوضع يراوح مكانه، وتظل الحكومة تتبنى سياسة ”المسكنات” الظرفية.


 السعر المرجعي: 37 دولارا للبرميل
السعر المتوسط للنفط لإعداد الميزانية: 45 دولارا للبرميل
 سعر صرف الدينار: 98 دينارا لكل دولار واحد
 صادرات المحروقات: 26.4 مليار دولار
 واردات السلع والبضائع: 54.7 مليار دولار
 التضخم: 4%
 الناتج المحلي الخام: 18743.5 مليار دينار (177,355 مليار دولار)
 نمو الناتج المحلي الخام: 4.6%
 إيرادات الميزانية: 4747.4 مليار دينار (44,969 مليار دولار)
 نفقات الميزانية: 7984.2 مليار دينار (75,641 مليار دولار)
 ميزانية التسيير: 4807.3 مليار دينار (45,544 مليار دولار)
 ميزانية التجهيز: 3176.8 مليار دينار (30,096 مليار دولار)
 رصيد صندوق ضبط الايرادات نهاية 2016: 1797.4 مليار دينار (17,028 مليار دولار)
 قيمة التحويلات الاجتماعية والدعم الضمني نهاية 2014: 4552.1 مليار دينار (42,957 مليار دولار)
 قيمة التحويلات الاجتماعية 2016: 1840.5 مليار دينار (17,423 مليار دولار)
 عجز الميزانية: 3236.8 مليار دينار (30.64 مليار دولار)
 عجز الخزينة العمومية: 2451.7 مليار دينار (23.20 مليار دولار)
 ناتج احتياطي الصرف نهاية 2016: 121.2 مليار دولار (23 شهر واردات)

بينما انخفضت ميزانيتا الداخلية والصحة
ارتفاع ميزانيتي الدفاع والتربية

 تمثل ميزانية التسيير للدفاع الوطني أهم الميزانيات المرصودة في قانون مالية 2016، حيث قدرت بـ1118.2 مليار دينار، أو ما يعادل 10.588 مليار دولار، بينما بلغت ميزانية تسيير قطاع التربية التي تعد الثانية من حيث الأهمية 765.05 مليار دينار، أو ما يعادل 7.201 مليار دولار.
وعرفت ميزانية الدفاع ارتفاعا بنسبة 6.12%، وهي التي كانت 9.939 مليار دولار أو 1047.9 مليار دينار، بينما قدرت نسبة نمو ميزانية تسيير قطاع التربية 1.64%، وكانت 7.082 مليار دولار أو 746.6 مليار دينار.
أما ثالث ميزانيات التسيير فتعود لوزارة الداخلية والجماعات المحلية التي بلغت 426.10 مليار دينار أو ما يعادل 4.04 مليار دولار، يليها قطاع الصحة وإصلاح المستشفيات بـ379.4 مليار دينار أو 3.59 مليار دولار، وعلى عكس ميزانيتي الدفاع والتربية، فإن الداخلية والصحة عرفت انخفاضا في ميزانيتهما للتسيير، إذ كانتا تقدران بـ586.8 و381.9 مليار دينار على التوالي.


دكتور الاقتصاد في جامعة الجزائر عبد الرحمن عية لـ ”الخبر”
 ”الحكومة لا تملك خطة عملية للخروج من الأزمة”


 اعتبر دكتور الاقتصاد في جامعة الجزائر عبد الرحمن عية أن اعتماد الحكومة على سعر مرجعي بـ45 دولارا للبرميل في ميزانية 2016 لن يعالج أبدا مشكلة نقص المداخيل، بل على العكس سيكرس سياسة العجز الكبير في الميزانية. وأشار عية لـ ”الخبر” إلى أن ”إعلان وزير التجارة (بدل الوزير الأول أو وزير المالية أو محافظ بنك الجزائر المخولين لذلك مبدئيا) إمكانية طلب الجزائر ديونا من الصين، يعتبر استنساخا لطريقة معالجة أزمة 1986 عندما لجأت الحكومة آنذاك إلى الاستدانة لمواجهة تبعات العجز المالي الكبير الناتج عن انهيار أسعار البترول، فزاد ذلك من تأزيم الوضع، حيث تطلب تدخل صندوق النقد الدولي الذي اقترح وصفة أدت إلى انهيار القطاع الصناعي، وكلفت الخزينة مبلغ 120 مليار دولار سددت للدائنين، منها 80 مليار دولار تمثلت في فوائد”. وأوضح دكتور الاقتصاد ”بدل أن تتجه الحكومة إلى تطوير الصناعات الاستراتيجية على غرار صناعة المواد الغذائية لتأمين جزء من الاكتفاء الذاتي، ها هي تعلن أنها ستطلق مشروع صناعة سيارات صينية، وهو ما يكرس غياب رؤية واضحة متعلقة بتنويع الاقتصاد الوطني. كيف لهذه الصناعة أن تجد موقعا لها في الاقتصاد الوطني؟ علما أن وزير الصناعة والمناجم برر عدم الاتفاق مع المصنع الألماني لوجود عيوب في ماركة فولسفاكن. فهل المنتج الصيني أفضل من المنتج الألماني؟”. في نفس السياق، أكد عية أن اعتماد الحكومة على سعر مرجعي بـ45 دولارا للبرميل في ميزانية 2016 لن يعالج أبدا مشكلة نقص المداخيل، بل على العكس سيكرس سياسة العجز الكبير في الميزانية. ففي ظل مبلغ النفقات المقترح في مشروع القانون المالية 2016 بـ7 آلاف مليار دينار، قد يبلغ العجز 2500 مليار دينار (باعتبار أن ميزانيتي 2012 و2014 مثلا كانتا تعتمدان على 37 دولارا كسعر مرجعي، وبلغت بهما النفقات 7000 مليار دينار، وخلفتا عجزا بأزيد من 3000 مليار دينار). وعليه فحسب تصريحات محافظ بنك الجزائر وبيانات الواردة في قانون المالية التكميلي 2015، سيبقي في صندوق ضبط الإيرادات نهاية هذه السنة 1500 مليار دينار، فكيف سيتم تغطية باقي العجز؟ ولم تم استخدام كل النفقات المعتمدة في قانون المالية لسنة 2016؟ متسائلا: هل تأمل الحكومة من خلال هذه السياسات الترقيعية عودة أسعار البترول إلى الارتفاع؟


رئيس لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني محجوب بدة لـ ”الخبر”
 ”سنقترح إصلاحات جبائية والاستدانة الداخلية بدل  الخارجية”

 اعتبر رئيس لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني، محجوب بدة، أن الظرف غير مناسب للجوء الجزائر إلى استدانة خارجية عمومية، خاصة في ظل ارتفاع معدلات الفائدة وتوفر الموارد المالية إذا تم ترشيدها، منبها إلى أنه سيتم تقديم مقترحات وتصورات لإصلاحات جبائية، لاسيما فيما يتعلق بالرسم على النشاط المهني، لتفادي استمرار حالة التهرب الضريبي. وأوضح بدة لـ ”الخبر” أن مقترحات ستقدم في مشروع قانون مالية 2016، قائلا ”نعتبر أن الضرورة تقتضي مراجعة صيغة تطبيق الرسم على النشاط المهني، والذي يشجع التهرب الضريبي أو يفرضه للعديد من المتدخلين في السوق، وعليه وجب النظر في كيفية الحفاظ على مستوى من النسبة للمنتجين، على أن تقلص بصورة كبيرة أو تلغى على الوسطاء التجاريين في سلسلة التسويق”، مضيفا أن ”مثل هذا الإجراء سيجعل المتعاملين يسددون ضرائبهم، وسيسمح أيضا بالحفاظ على التوازنات والهوامش، ويمكِّن من تطبيق التدابير الخاصة بالفوترة والدفع بالصكوك وتوضيح دائرة النشاطات التجارية والاقتصادية، كما يضمن تفادي ارتفاع أسعار المواد والمنتجات في السوق”.

بالمقابل، نبه رئيس اللجنة على ضرورة ضمان ترشيد فعلي للنفقات، مشيرا إلى أن ناتج صندوق ضبط الإيرادات في حالة استمرار تدني أسعار النفط لسنتين سينضب تقريبا، حيث تعرف الاقتطاعات منه ارتفاعا، مقابل عدم القدرة على ضخ موارد إضافية، حيث تم اقتطاع حوالي 11 مليار دولار منه ما بين 2013 و2014، إذ كان يبلغ 52.4 مليار دولار، لينخفض إلى 41.8 مليار دولار. ويفوق مستوى الاقتطاع هذه السنة معدل عام 2014، ليتدنى دون 30 مليار دولار. بالمقابل، أكد نفس المسؤول أن من النقاط الجوهرية التي يمكن التنبيه إليها، هي إمكانية التوجه مجددا إلى الأسواق الدولية والاستدانة كأحد البدائل المتاحة، لاسيما أن مستوى المديونية الخارجية الجزائرية متواضع ويقدر بحوالي 3.4 مليار دولار، ”ورغم امتلاكنا لهوامش حركة في هذا المجال، إلا أن المخاطرة بالإسراع في اللجوء إلى هذا الخيار يبقى في نظرنا سلبيا، ويتضمن مضاعفات يمكن أن تبرز سريعا، بالنظر إلى الظروف السائدة في الأسواق المالية التي تعاني أزمة حادة، والتي انعكست أساسا على نسب الفوائد المتداولة، وهي وفق تقديراتنا بين 3 إلى 3.6%، وهو ما يجعل اللجوء إلى الاستدانة حاليا أو القروض الخارجية، خاصة على المدى القصير، غير مناسب في نظرنا، حتى إن تعلق الأمر بالمؤسسات، بينما هناك آليات الاستدانة الداخلية المباشرة أو غير المباشرة من خلال إطلاق سندات خزينة، فضلا عن تفعيل دور السوق المالي، حيث لا يستساغ أنه بعد أكثر من عشريتين من إقامتها في الجزائر، تبقى بورصة القيم دون هدف محدد وتظل أضعف الأسواق في المنطقة، من حيث قلة الأسهم وكذا قلة التداولات أو السندات”.

وأكد محدثنا وفقا للتقديرات المتاحة، وعلى اعتبار استمرار تقلبات أسعار النفط على امتداد سنة 2016 و2017، بتسجيل معدل متوقع لا يتجاوز 65 إلى 70 دولارا، فإن صندوق ضبط الإيرادات سينضب مع السنة الثانية المذكورة، فيما يسجل ناتجا بحوالي 17 مليار دولار مع نهاية سنة 2016، كما سيعرف احتياطي الصرف أيضا تراجعا، بعد أن فقد 30 مليار دولار في 2015 و58 مليار دولار في 2014، ومع ملاحظة الانخفاض المحسوس لأسعار النفط، وتوقع معدل سعر بترول السنة الحالية بأقل من 57 دولارا للبرميل بالنسبة لصحاري بلند الجزائري، وبلوغ هذا الأخير إلى نهاية سبتمبر 2015 ما قيمته 55.60 دولار للبرميل، وهو من أدنى المعدلات المسجلة للبترول الجزائري خلال عشرية من الزمن، إذ قدر معدل سعر البترول الجزائري سنة 2005 ما قيمته 54.64 دولار للبرميل، وعليه فإن الضرورة تقتضي تسييرا عقلانيا للموارد المالية المتاحة، بما يضمن امتصاص الصدمات المتوقعة خلال السنة المقبلة 2016.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول