اسلاميات

السقوط الأخلاقي للحضارة الغربية المعاصرة

عرّت التقارير السرية لجزيرة إبستين الحضارة الغربية وكشفت سوءاتها وقذاراتها العفنة

  • 137
  • 3:39 دقيقة
الدكتور عبدالحق حميش
الدكتور عبدالحق حميش

عرّت التقارير السرية لجزيرة إبستين الحضارة الغربية وكشفت سوءاتها وقذاراتها العفنة، فلقد كشفت ملفات إبستين عن المبادئ الحقيقية لما يسمى (الحضارة الغربية)، أو بالأحرى حضارة المجاري، كشفت عن كمية الزور والبهتان الذي تحمله هذه الحضارة المزيفة، وهي شاهد على انحطاط اليهود وسقوط الحضارة الغربية.

إن «تسريبات إبستين» عبارة عن وثائق قضائية، وشهادات لضحايا تتهم الملياردير الأمريكي جيفري إبستين وعددا كبيرا من النخب الشهيرة عالميا بإدارة شبكات عالمية لاستغلال القاصرات في القيام بأعمال منافية للأخلاق والآداب. وكل من يطلع على هذه الملفات، يجد نفسه أمام كابوس حقيقي؛ عالم مليء بالفاسدين الكافرين بالله والإنسانية الذين يتلذذون بعذابات الطفولة، ويصوّرون ويروّجون لأفعالهم المروّعة كما لو أنها حق مكتسب.

هذه الجرائم ليست فقط انحطاطا أخلاقيا، بل الأدهى من ذلك أنهم يتاجرون بالمبادئ الإنسانية، ويصوّرون للعالم الخارجي بأنهم دعاة سلام وإصلاح، بينما هم في الواقع يحكمون بالفساد والقتل وسحق المرأة والطفولة.
وإذا لم تكن هذه بداية سقوط الحضارة الغربية، فهي بلا شك إعلان انهيار أخلاقي وسياسي، يكشف الوجه القبيح لعالم مزيف يتباهى بالقيم لكنه يستغل المرأة ويقتل الأطفال ويتلذذ بعذابهم. هذا درس مرعب للعالم كله، الذي يجب أن يدرك أن أي حضارة تتستر على جرائم ضد الطفولة ستسقط عاجلا أم آجلا، وأن نور الحقيقة سيكشف كل ما خبأوه تحت أقنعة النفاق والسلطة.
تتجاوز قضية جزيرة إبستين مجرد الجرائم الأخلاقية، لتكشف عن منهجية “الدولة العميقة” في السيطرة على المسؤولين. تظهر القراءة التحليلية للملفات أن الجزيرة كانت بمثابة “مصيدة” لتسجيل خطايا النخبة وكبار المسؤولين، لضمان ولائهم وتحريك قراراتهم مستقبلا تحت تهديد الابتزاز. وبينما تنشغل الآلة الإعلامية الغربية بتصوير المنظومات القيمية الأخرى كـ«تهديد للحضارة”، تكشف ملايين الصفحات المسربة أن “الشرور” الحقيقية كانت تُصنع في جزر معزولة خلف ستار الديمقراطية، حيث تحوّلت دماء الضحايا القاصرين إلى وقود لمحركات السلطة والمال.
وفي الوقت الذي يقدم فيه الغرب نفسه كوصي حصري على القيم الإنسانية وحقوق المرأة والطفل، تأتي “بالوعة” فضائح جيفري إبستين لتكشف العورة القبيحة لنظام عالمي لا يُدار بالسياسة فحسب، بل بالابتزاز الأخلاقي والجريمة المنظمة. وإن ما يتكشف اليوم من “صندوق الأسرار الأسود” ليس مجرد انحرافات فردية، بل هو تجسيد لشبكة شيطانية محكمة، تتقاطع فيها المصالح الصهيونية مع أقذر أنواع السقوط البشري، لتشكل أداة لتركيع الزعماء والسيطرة على الشعوب.
إن فضائح إبستين ليست خروجا عن القيم الغربية الحديثة، بل هي الثمرة المرة لعدة ركائز قامت عليها الحضارة المادية: -العقيدة العلمانية التي فصلت الدين عن الحياة، وجرّدت القيم من مصدرها الإلهي الملزم. -تأليه اللذة، حيث صُوِّرت السعادة كقدرة على إشباع الغرائز بلا حدود، مما شرعن الشذوذ تحت مسمى “الحرية الشخصية”. -البراغماتية المتوحشة، حيث المنفعة هي المعيار الوحيد، والقانون يطبق على الضعفاء ويجمّد عند عتبات الأقوياء. فكل ما يحدث في العالم اليوم من “خزي في الدنيا” هو تصديق لقوله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس}، هذا الفساد المنظم يمثل اختبارا وجوديا للمواثيق الغربية.
لقد كشفت الوثائق كيف أن المواثيق الدولية “حقوق الطفل” و«كرامة المرأة” التي يرفعها الغرب كشعارات للتدخل في شؤون الآخرين، تُطبق فقط على (الضعفاء)، والحضارة الغربية بكل إنجازاتها التي حققتها بتقدمها العلمي والتكنولوجي والصناعي.. تسير الآن نحو الزوال، بعد أن فقدت بوصلة الأخلاق فيها، الأمر الذي يؤدي لا محالة إلى اندثارها وفنائها. واليوم، تقف البشرية أمام مفترق طرق، إما الانزلاق في مستنقع السقوط الحضاري الغربي الذي تقوده عصابات إبستين واللوبي الصهيوني، وإما العودة إلى المنهج القرآني الذي يصون الكرامة ويحفظ الفطرة.
تشهد البشرية عبر تاريخها الطويل صراعا متجددا بين تيارين: تيار يُفسِد في الأرض ويُهلك الحرث والنسل، وتيار يتطهَّر ويتمسك بفطرة الله القويمة. وليست قصة قوم لوط في سدوم سوى النموذج الأبرز لهذا الصراع، حيث تجمَّع الشر في “قرية” وأسّس لمنظومة فاحشة ترفض الفطرة وتنكر الطهر.
لكن عجلة التاريخ لا تتوقف، واليوم، تطلُّ علينا “وثائق إبستين” لتكشف عن “سدوم العصر الحديث”، ليس في قرية صغيرة، بل في قلب الحضارة التي تدّعي القيادة الأخلاقية للعالم.
وتعدّ الحضارة الإسلامية نموذجا فريدا للحضارات الأخلاقية، حيث لم تقتصر على التطور المادي والعمراني فحسب، بل تأسّست على مبادئ وقيم إنسانية خالدة؛ دمجت بين الروح والمادة، محققة توازنا في السلوك، الاقتصاد، والاجتماع، مما جعل العدل والأمانة والسمو الأخلاقي ركيزة أصيلة في تشييد أمجادها الإنسانية. كما أن فلسفة الأخلاق في الإسلام تتكئ على الأصل المعرفي من أن الله قد خلق الناس وهو أعلم بهم من أنفسهم: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}، وقد اختُصر مفهوم الشريعة في هذا البُعد الأخلاقي؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “بُعِثت لأتمّم صالح الأخلاق”.
وللمتأمل أن يقارن بين أخلاقيات هذه الحضارة الإسلامية التي حفظت الفرد والمجتمع والبيئة والإنسانية جمعاء، وما أنتجته الحضارة المادية الحديثة الآن من تيه للأفراد والمجتمعات وفساد لأخلاقهم ولبيئتهم، وحروب ونزاعات مفتعلة، وذلك ليعلم أن الخير كل الخير في الإسلام العظيم وما يُلزم به من فضائل، بخلاف غيره ممن يُعلي من القيم النفعية القاصرة ولو كانت على حساب نفسه وروحه حتى قبل غيره من الناس والجمادات من حوله.