مجتمع

قلق الأولياء ينتقل إلى التلاميذ في امتحان "البيام"

في محيط مراكز الامتحان، اصطف الأولياء وخلال ساعات اليوم في انتظار خروج أبنائهم، بعضهم كان يحمل قوارير الماء والعصائر والحلويات.

  • 119
  • 3:37 دقيقة
الصورة: حمزة كالي "الخبر"
الصورة: حمزة كالي "الخبر"

انطلقت، أمس، امتحانات شهادة التعليم المتوسط على مستوى جميع ولايات الوطن في ظروف مناخية معتدلة، مع تحول بعض مداخل مراكز الإجراء إلى فضاءات تعج بالأولياء، خاصة الأمهات اللواتي رافقن أبناءهن وبناتهن منذ الساعات الأولى من الصباح، وبقي بعضهن ينتظرن لساعات في مشهد أصبح مألوفا أمام المؤسسات التربوية عبر مختلف ولايات الوطن، سيما بالمدن الكبرى.

باشر تلاميذ السنة الرابعة متوسط اجتياز امتحان شهادة التعليم المتوسط وسط بروز ظاهرة مرافقة الأولياء لأبنائهم، خصوصا الأمهات، باعتبارها دعما نفسيا ووسيلة لطمأنة التلاميذ، لكنها في المقابل تعكس حالة من القلق المفرط والضغط الاجتماعي داخل المجتمع الجزائري.

وفي محيط عدة مراكز امتحان على المستوى الوطني، اصطفت الأمهات والآباء بعد مرافقة أبنائهم في الصباح وخلال ساعات اليوم في انتظار خروج أبنائهم، بعضهم كان يحمل قوارير الماء والعصائر والحلويات، فيما كان آخرون يرددون عبارات التشجيع والدعاء، بينما بدت علامات التوتر والقلق واضحة على الوجوه، وكأن الأولياء أنفسهم هم من يجتازون الامتحان.

وأكدت العديد من الأمهات اللواتي التقت بهن "الخبر" أن مرافقة الأبناء خلال امتحان "البيام" أصبحت واجبا معنويا لا يمكن التخلي عنه، ما دفع بعض العائلات إلى التغيب عن العمل أو طلب عطلة قصيرة وحتى عطلة مرضية لمدة ثلاثة أيام بسبب هذه الامتحانات.

وتقول أم التلميذة "ليان"، التي كانت تنتظر ابنتها أمام أحد مراكز الامتحان، أنها موظفة بمصالح الضرائب واضطرت إلى إيداع عطلة مرضية لمدة ثلاثة أيام لمرافقة ابنتها التي كانت متوترة جدا ليلة الامتحان، مضيفة أنها فضلت البقاء إلى جانبها حتى تشعر بالأمان والثقة، مؤكدة لها أنها لن تغادر المكان إلى غاية انتهاء الامتحان، لأن وجود الأم يمنح الابن راحة نفسية كبيرة.

أما ولي آخر، فأوضح أن المنافسة الدراسية وارتفاع سقف طموحات العائلات جعلا الامتحانات مصدرا حقيقيا للضغط النفسي، مضيفا: "نعيش مع أبنائنا مرحلة حساسة، خاصة مع تقديم موعد الامتحانات هذا العام وصغر سنهم، إضافة إلى كثرة الحديث عن الحجم الكبير للبرنامج الدراسي، لذلك نحاول الوقوف إلى جانبهم وتحفيزهم".

ومن جهتها، أكدت سيدة أخرى أن تغيير المؤسسة التربوية والحراس، باعتباره فضاء جديدا بالنسبة للتلميذ، جعلها مضطرة لمرافقة ابنها دعما له نفسيا، مشيرة إلى أن مكوث عدد من السيدات أمام مركز الامتحان دفعها للبقاء معهن وتبادل أطراف الحديث حول الدراسة والامتحانات ومواضيع أخرى، حتى أنها تحصلت على وصفة "البطاطا في الفرن" التي يشتهيها ابنها من إحدى السيدات اللواتي كن ينتظرن بدورهن خروج أبنائهن.

الدعم العاطفي ضروري

وكشف رئيس أحد مراكز الامتحان أن هذه الظاهرة تعكس طبيعة الأسرة الجزائرية القائمة على الترابط العاطفي والتكافل، حيث تتحول الامتحانات الرسمية إلى حدث عائلي تشارك فيه الأسرة كاملة، سواء بالدعاء أو المرافقة أو توفير الظروف المناسبة للمراجعة. لكنه أشار في المقابل إلى أن بعض مظاهر المرافقة أصبحت مبالغاً فيها، خاصة عندما تتحول إلى ضغط إضافي على التلميذ بدل دعمه، بسبب إظهار بعض الأولياء لقلقهم المفرط أو طرح الأسئلة مباشرة بعد الخروج من الامتحان حول الأجوبة وطبيعة الأسئلة، ما يزيد من توتر الأبناء خلال بقية الاختبارات.

وفي هذا السياق، أوضح الأستاذ لخذاري طه، المختص في علم النفس بجامعة جامعة زيان عاشور، أن مرافقة الأولياء لأبنائهم ليست ظاهرة سلبية في حد ذاتها، بل ترتبط بطريقة تعامل الأسرة مع الامتحان، موضحا أن الدعم العاطفي يساهم في تخفيف القلق ورفع الثقة بالنفس لدى التلميذ، خاصة في مرحلة المراهقة التي تتميز بالحساسية النفسية والخوف من الفشل.

وأضاف المتحدث أن المشكلة تظهر عندما ينقل الأولياء توترهم الشخصي إلى الأبناء، فيتحول الامتحان إلى مصدر خوف جماعي داخل الأسرة، مشيرا إلى أن بعض التلاميذ يشعرون بأن نجاحهم أو فشلهم أصبح مرتبطا بصورة العائلة أمام المجتمع، ما يولد ضغطا نفسيا كبيرا.

كما لفت إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي وبعض القنوات تساهم بدورها في تضخيم هذه الظاهرة، من خلال نشر صور وفيديوهات للأولياء أمام مراكز الامتحان، وتحويل الامتحانات الرسمية إلى حدث اجتماعي واسع التفاعل، ما يدفع كثيرا من العائلات إلى تقليد هذا السلوك.

وأكد الأستاذ أن المطلوب اليوم هو تحقيق التوازن بين المرافقة الإيجابية والدعم النفسي الهادئ بعيدا عن المبالغة والضغط، مع التركيز على بث الطمأنينة والثقة داخل الأسرة، كما نصح الأولياء بتجنب مناقشة الأجوبة مباشرة بعد الامتحان وترك الأبناء يستعيدون هدوءهم النفسي استعدادا للاختبارات الموالية.

ومن جهته، أوضح الأستاذ علي عون من جامعة عمار ثليجي أن وقوف الأمهات والآباء أمام مراكز الامتحان يعد تعبيرا صادقا عن تعلق الأسرة الجزائرية بأبنائها وحرصها على مرافقتهم في أهم المحطات الدراسية، في مشهد تختلط فيه مشاعر الخوف والأمل والدعاء بنجاح الأبناء وتحقيق مستقبل أفضل لهم.

وأضاف أن الأولياء يعيشون بدورهم ضغطا نفسيا بسبب اعتبار هذه الامتحانات مصيرية، ما يولد لديهم ارتباكا ينعكس سلبا على الأبناء، في وقت يحتاج فيه التلميذ إلى أجواء عائلية هادئة وطبيعية تمنحه الراحة النفسية، داعيا إلى مراجعة طريقة تعامل الأولياء مع الامتحانات، وجعلها محطة عادية غير مصيرية، مع اعتماد أسلوب نفسي وتربوي متوازن.