اسلاميات

مظاهر كثيرة يؤثر بها شهر الصيام على السلوك الاستهلاكي

لا بد من تحسيس الناس بحقيقة الشهر الكريم

  • 11
  • 4:42 دقيقة
الأستاذ الدكتور عبد المجيد قدي
الأستاذ الدكتور عبد المجيد قدي

ذكر أستاذ الاقتصاد بجامعة الجزائر والخبير في الاقتصاد الإسلامي، البروفيسور عبد المجيد قدي، في حوار لـ”الخبر”، أن شهر رمضان المبارك يشهد مفارقة لافتة في سلوك كثير من الأسر، إذ يتحوّل من شهر للتزكية والتهذيب وضبط النفس إلى موسم يرتفع فيه الاستهلاك وتتضاعف فيه مظاهر الإسراف والتبذير.

كيف تنظرون إلى مشكلة الإسراف والتبذير التي تزداد مع دخول الشهر الفضيل؟
 مشكلة الإسراف التي تزداد في شهر رمضان منها ما يعود إلى جانب نفسي، إذ كثير من الناس يعتقد أن شهر رمضان شهر الحرمان؛ وبالتالي يسعون إلى تعويض ما فاتهم من استهلاك ذلك اليوم إلى استهلاك أكبر. وهذا في الحقيقة راجع إلى عدم معرفتهم بمقاصد الصيام، لأن أحد مقاصد الصيام هو كيفية التعايش أو تدريب المسلم على التعايش مع حالة الجوع والعطش لاعتبارين اثنين: الأول هو الشعور بمعاناة الفقراء والمساكين والثاني تدريب المسلم على التكيف على الحياة مع الأوضاع الصعبة التي يمكن أن تحل بالمجتمع الإسلامي.

ولعل الحصار الذي فرض على الرسول صلى الله عليه وسلم في شِعَب مكة نموذج من النماذج التي يمكن أن يتعرض لها المسلمون، كما نشاهد اليوم في الأوضاع الحالية بالنسبة للمجتمعات الإسلامية، حيث عاشت شعوب الحصار من قبل الدول الغربية، كما كان الحال في ليبيا والعراق وغيرها من الدول الإسلامية، وبالتالي فإن الموارد المحلية قد لا تكون كافية لإشباع حاجات الساكنة. لهذا يسعى الإسلام إلى تعويد المسلمين على التكيف مع ظروف الحياة الصعبة بالتقليل من استهلاكهم، وبالتالي يصنعون المواجهة.
ولقد عبّر أحد شعراء الإسلام “لقد صام هندي فدوّخ أمة”، فالهندي المهاتما غاندي عندما صام أو أحجم عن الأكل، وهو في الحقيقة لم يصم وإنما أقلع عن استهلاك منتجات المستعمر الإنجليزي، كان إحدى وسائل المقاومة، وبالتالي فإن الصوم في حد ذاته هو وسيلة من وسائل المقاومة التي يقصد منها أن نلجأ إليها عندما تكون الأمور صعبة. إذن، الأمر مرتبط بالطبيعة النفسية للأفراد. وكذلك الجانب الثاني أنه مرتبط بعدم إدراك مقاصد الإسلام من الصوم.

أين الخلل في تكرار الظاهرة رغم الحملات التوعوية في المساجد والمؤسسات التربوية والإعلامية وغيرها؟
 الحقيقة أن هذه الحملات التوعوية لا يفترض أن تكون ظرفية، بل أن تكون طوال العام أو على الأقل أن تكون لها محطات في العام يتم تكرارها وتركيزها وتشديدها وقياس أثرها باعتبار أن الآن ليس الجدوى أن نقوم بحملات توعوية وإنما هل الحملة التوعوية تتوفر فيها الشروط المناسبة لإيصال الرسائل التي نريد أن نوصلها إلى الغير، ومن ثم لا بد من قياس أثر الحملة التوعوية، فالحملة التوعوية ليست غاية في ذاتها.
ثمة أمر آخر يرتبط بالوضعية التي يعيشها الفرد الجزائري، نجد أن المواد الأساسية التي تستهلك في شهر رمضان عادة أسعارها مدعمة، وطالما أنها مدعمة فإن الشعور بالأثر الذي تتركه زيادة الاستهلاك أو زيادة الطلب في شهر رمضان قد يكون قليلا، فلو كان الأثر الذي تتركه زيادة الاستهلاك أو زيادة الطلب في شهر رمضان كبيرا على ميزانية الأسرة ربما موضوعيا، فإن الاستهلاك سوف يتم كبحه، وبالتالي فإن الأسعار المدعمة لا تعبّر عن حقيقة سعر الأشياء التي يتم استهلاكها، وطالما لا يعبر السعر عن الحقيقة فالسعر يدفع إلى التبذير وإلى زيادة الطلب. وهناك جانب آخر وهو أنه أحيانا قائمة المواد الموجودة أو التي يقتنيها الفرد قد تكون محدودة، وبالتالي طالما أن الفرد لا يستطيع تعويض منتجات بمنتجات أخرى فإنه يعمل على زيادة استهلاكه من المنتجات القائمة، وهذا ما يعرف بقانون أو مفارقة ڤيفن.

كيف يؤثر شهر رمضان على ميزانية الأسرة الجزائرية؟
 شهر رمضان يؤثر على ميزانية الأسرة بشكل كبير، وهذا ما نلاحظه من خلال السلوكات التي نرصدها في الشارع، حيث نجد كثيرا من العائلات اليوم تتجه إلى رهن مصوغاتها لدى البنوك والكثير من الأفراد يقترضون وهناك أيضا كثير من الأفراد يأخذون المنتجات على الحساب من الدكاكين، خاصة في الأحياء الشعبية. كما أن هناك جانبا آخر وهو أن الكثير من الأسر تخرج بعد رمضان في ضائقة مالية كبيرة، وبالتالي تأثير ذلك على الميزانية كبير.

كيف يؤثر الشهر الفضيل في تشكيل سلوك المستهلك؟
 الحقيقة أن تأثير رمضان على سلوك المستهلك إنما يمكن رصده من خلال مجموعة من المتغيرات، منها أن تغيير رزنامة الاستهلاك اليومي يعني أنه قبل رمضان كان هناك فطور صباح وغداء وعشاء وما إلى ذلك، وفي رمضان أصبح هناك سحور قبل الفجر وفطور عند المغرب، وفي الجانب الثاني تغيير تشكيلة المواد المستهلكة، على سبيل المثال: الحريرة أو الشربة، إلى جانب الإقبال على استهلاك الكثير من الحلويات والمشروبات.

أما الجانب الثاني وهو إقبال الأفراد في شهر رمضان على التقرب إلى الله بالطاعات، من خلال إخراج الصدقات اقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلم، باعتبار أن الرسول “كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان”، فلا تكاد تخلو عائلة من العائلات من وجود شيوخ كبار أو مرضى لا يستطيعون الصوم، ومثل هذه العائلة تجد نفسها مضطرة لإخراج الفديات.

كما أنه في رمضان تكثر الزيارات بين الأهل والأقارب، وهذا أيضا مناسبة لإحياء الليالي بالسهرات التي تستهلك فيها الحلويات بأنواعها وكذا المشروبات. وهناك أمر آخر وهو أن يختتم هذا الشهر باحتفال أو بعيد هو عيد الفطر، وهذا العيد إنما هو مناسبة للإنفاق على شراء الألبسة وعلى إعداد أو اقتناء الحلويات.

ثمّ إن مظاهر كثيرة يؤثر بها شهر الصيام على السلوك الاستهلاكي، فيها أيضا تحضير جزء من الميزانية لإخراج زكاة الفطر وهذا أيضا متغير أساسي من متغيرات رمضان.

كيف السبيل للتخلص من ظاهرة الإسراف والتبذير في رمضان وغيره؟
 أولا، لا بد من تحسيس الناس بحقيقة الشهر الكريم، وهذا عمل بيداغوجي تشارك فيه الجمعيات والمدارس والمساجد ووسائل الإعلام. الآن شبكة التواصل الاجتماعي يمكن أن تستخدم في هذا المجال. الجانب الثاني، لا بد من توعية الناس على أساس أن يعيشوا وفق قدراتهم، لماذا؟ لأن المستهلك الجزائري اليوم يعيش فوق قدراته بشكل كبير، في ظل وجود المواد أو الأسعار المدعومة، وهذه الأسعار المدعومة تؤدي إلى الهدر والتبذير. هناك جانب آخر وهو أن الأفراد غير مدركين لتكلفة التبذير، وبالتالي لابد أن تكون هناك حملة موازية لتحسيس الناس بتكلفة التبذير، من قبيل أن الأموال المهدورة الضائعة كان بإمكان المجتمع أن يستفيد منها لو لم يتم إضاعتها وهدرها وتبذيرها.

للأسف، الاقتصاد المنزلي غائب، فلا بد من تعليم الأسرة قبل الزواج كيفية تسيير الميزانية والاستعداد للمستقبل، وبالتالي مثل هذه الثقافة من شأنها أن تنمي لدينا ثقافة الاقتصاد وثقافة رفض التبذير والإسراف حتى يعيش المسلم بشكل متوازن.