الوطن

الجزائر ومالي... صفحة جديدة

زيارة مايغا محطة سياسية لإعادة ضبط العلاقات بعد عامين من التوتر.

  • 322
  • 3:30 دقيقة
ح.م
ح.م

انتهت القطيعة بين الجزائر وبماكو عمليا، أمس الاثنين، إثر زيارة أجراها الوزير الأول المالي عبد الله مايغا في إطار الديناميكية الرامية إلى تعزيز أواصر التعاون والعلاقات التاريخية بما ينسجم مع روح الأخوة وحسن الجوار والاحترام المتبادل.

تكتسي الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى مسار العلاقات خلال العامين الماضيين، إذ لم يكن الخلاف مجرد تباين عابر في المواقف، بل تحول إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة، انتقلت من إجهاض جهود الوساطة الجزائرية في مالي إلى التراشق السياسي ثم إلى إجراءات دبلوماسية وأمنية متبادلة.

وكانت نقطة التحول الأولى قد تمثلت في قرار السلطات المالية إنهاء العمل باتفاق السلام والمصالحة الموقع سنة 2015 في الجزائر، وهو الاتفاق الذي شكل لسنوات الإطار الرئيسي للوساطة بين الحكومة المالية والجماعات المسلحة في شمال البلاد.

واعتبرت الجزائر القرار تراجعا عن مسار سياسي ساهمت في رعايته لسنوات، بينما رأت باماكو أن الظروف التي أبرم فيها الاتفاق لم تعد قائمة.

وتصاعدت حدة الخطاب بين الطرفين خلال 2024، وكان عبد الله مايغا، حينها بوصفه وزيرا للخارجية، أحد أبرز المسؤولين الماليين الذين وجهوا انتقادات حادّة للجزائر، غير أن الأزمة بلغت ذروتها في أفريل 2025، بعد حادثة إسقاط الطائرة المسيرة المالية بعدما اخترقت المجال الجوي وأدت الحادثة إلى إجراءات تصعيدية متبادلة شملت استدعاء السفراء، قبل أن تمتد الأزمة إلى غلق المجال الجوي من الطرفين ولم يتوقف الخلاف عند مستوى العلاقات الثنائية، إذ انتقل إلى المنابر الدولية. لكن الأشهر الأخيرة حملت مؤشرات متتالية على تغير الموقف، حيث أكد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أن الأزمة المالية لا يمكن أن تعالج أمنيا فقط، مشددا على أهمية الحوار، كما أشار إلى أن الرئيس الانتقالي أسيمي غويتا لم يصدر عنه خطاب مسيء تجاه الجزائر.

وتوج هذا المسار في جويلية الماضي بإجراءات عملية بعدما أعلنت الجزائر إعادة فتح المجال الجوي بالكامل أمام حركة الطيران المالي، بالتزامن مع عودة السفير إلى باماكو، وردت الحكومة المالية بإعادة سفيرها إلى الجزائر وإعادة فتح مجالها الجوي أمام الطائرات المدنية والعسكرية.

وفي موقف لافت عكس التحول الواضح في خطاب السلطات تجاه الجزائر، ردد رئيس حكومة مالي عبد الله مايغا مقاطع من النشيد الوطني "قسما" خلال خطاب ألقاه في باماكو بداية الشهر الجاري وتحدث عن العلاقات مع الجزائر، مؤكدا أن البلدين تجاوزا مرحلة الخلاف السابقة، وأن هناك إرادة مشتركة لإعادة بناء العلاقات على أساس الاحترام المتبادل والحوار والمصالح المشتركة. كما أكد وجود تقارب في المواقف بين رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون والرئيس الانتقالي المالي أسيمي غويتا، خصوصا بشأن احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

ويبدو أن الهزات الأمنية التي تعرضت لها مالي، سواء في العاصمة باماكو أو في المناطق الشمالية، دفعتها إلى مراجعة مواقفها والاتجاه نحو خفض التصعيد والعودة إلى الحوار مع الجزائر، خاصة وأن الأخيرة لم تستغل الوضع الأمني الدرامي الذي عاشته مالي، وهو ما بعث برسائل طمأنة إلى السلطات المالية بأن الجزائر ليست لديها أي نية لزعزعة استقرار البلاد أو دعم وصول التنظيمات المسلحة إلى السلطة في الجارة الجنوبية.

ويرى محللون أن مالي قرأت المشهد جيدا وهو أن الإنذار الذي وجهته العديد من التنظيمات المسلحة كان بمثابة الإنذار الأخير، وأن النظام كان بالإمكان أن يسقط لأنه يفتقد إلى حاضنة شعبية كبيرة، كما أن استمرار الخلافات مع دولة محورية ومهمة مثل الجزائر يمكن كذلك أن يسرع بطريقة غير مباشرة في هذا المنحى من الانزلاق السياسي والأمني ولا يمكن لدولة مثل مالي أن تستمر في علاقاتها الدبلوماسية وهي ملتفتة على أهمية الجوار مع الجزائر.

كما أن استمرار الخلاف، حسب محللين، مخالف لحتميات الجغرافيا السياسية فلا يمكن لبلدين يتقاسما أكثر من 1300 كيلومتر أن يبقيا على جفاء وعلى خلاف سياسي وأمني لديه ارتدادات مباشرة على أمن الدولتين وأبقت الجزائر رغم الخلاف لهجة الخطاب السياسي مفتوحة على أي تفاعل إيجابي من قبل باماكو.

كما رأت باماكو كذلك بأن دولة مثل النيجر المهتمة بخط الأنبوب الغازي، وكذلك بوركينا فاسو وتشاد، التي تعتبر دولا ساحلية مهمة كذلك، وطدت من علاقاتها مع الجزائر وبقيت هي في النهاية على الهامش، ولذلك وصلت إلى قناعة مفادها أنه لا بد من العودة إلى الحوار مع الجزائر، وأن ما يميز الجزائر الاتفاقيات الخاصة بمالي والتي تعتبر مرجعا أساسيا مهما."

وفي المحصلة، تتجاوز زيارة عبد الله مايغا إلى الجزائر بعدها البروتوكولي، لتشكل محطة سياسية لإعادة ضبط العلاقات بين البلدين وفتح صفحة جديدة بعد عامين من التوتر. غير أن تجاوز القطيعة رسميا لا يعني بالضرورة انتهاء جميع نقاط الخلاف، بقدر ما يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الحوار وإدارة الخلافات، في ظل واقع جغرافي وأمني يفرض على الجزائر ومالي البحث عن أرضية مشتركة تضمن مصالح البلدين واستقرار المنطقة، وتعيد العلاقات الثنائية إلى مسارها الطبيعي.