أقلام الخبر

اليامين زروال.. رجل فضّل مصلحة الجزائر على مجد السلطة

  • 62
  • 2:22 دقيقة

برحيل الرئيس الجزائري الأسبق، المجاهد اليامين زروال، تطوي الجزائر صفحة من صفحات رجال الدولة الذين جمعوا بين الصرامة العسكرية والإنسانية الهادئة. فقد كان زروال واحدا من الشخصيات التي فضّلت العمل بصمت بعيدا عن الأضواء، تاركا أثره في المواقف أكثر مما تركه في الخطب والشعارات.

عرفه الجزائريون رئيسا في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها البلاد، حيث تولى رئاسة الجمهورية بين عامي 1994 و1999، في زمن كانت فيه الجزائر تبحث عن طريق للخروج من سنوات الألم والاضطراب. غير أن ما ميّز زروال لم يكن فقط موقعه السياسي، بل طبعه الإنساني المتواضع وشعوره العميق بالمسؤولية تجاه الوطن.

انتخب بطريقة ديمقراطية في 16 نوفمبر 1995، حيث فاز بأول انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ الجزائر. وفي 11 سبتمبر 1998 أعلن إجراء انتخابات رئاسية مسبقة وأنهى عهدته في 27 أفريل 1999، تاركا المجال لخلفه عبد العزيز بوتفليقة.

كان رجلا قليل الكلام، لكنه واضح المواقف، وقد عبّر ذات مرة عن فلسفته في الحكم حين قال إنه "لم يأتِ إلى السلطة بحثا عن المجد أو المنصب"، بل لخدمة الجزائر في ظرف صعب، وأنه سيغادرها عندما يرى أن مصلحة البلاد تقتضي ذلك. وقد جسّد هذا القول فعلا حين اختار مغادرة الحكم بإرادته، في سلوك نادر في الحياة السياسية.

يتذكره كثير من الجزائريين كرجل دولة هادئ، نزيه، وقريب من الناس. لم يكن من الذين يسعون إلى الظهور الإعلامي، بل من أولئك الذين يتركون أعمالهم تتحدث عنهم، لذلك بقيت صورته في الذاكرة الوطنية مرتبطة بالوقار والصدق والالتزام.

ولعل أكثر ما ميز شخصية اليامين زروال هو ذلك التوازن النادر بين صلابة القائد وهدوء الإنسان، فقد ظل، حتى في أعلى هرم السلطة، قريبا من بساطة الجزائريين ومن قيمهم اليومية القائمة على الكرامة والعمل والصبر، كان حضوره هادئا ونبرته متزنة وكأن الرجل اختار أن يقود بلاده بعقل الدولة لا بضجيج السياسة. ولم يكن زروال من السياسيين الذين يسعون إلى صناعة صورة إعلامية لأنفسهم، بل كان يعتقد أن قيمة المسؤول تُقاس بقدر ما يقدمه لوطنه لا بقدر ما يظهر في المنابر، لذلك بقيت صورته في المخيال الشعبي مرتبطة بالنزاهة والتعفف عن الامتيازات، وهي صفات جعلت كثيرا من الجزائريين ينظرون إليه كرجل دولة قبل أن يكون مجرد رئيس. وعُرف الرجل بمواقفه الوطنية القوية، حيث رفض لقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك في ظل شروط مهينة، ورفض الرضوخ للكثير من مطالب صندوق النقد الدولي.

ومع مرور السنوات، ازدادت تلك الصورة رسوخا، فالرجل الذي غادر الحكم بهدوء، اختار بعد ذلك حياة بعيدة عن الأضواء، مكتفيا بمتابعة شؤون وطنه بصمت واهتمام. وربما في هذا الصمت ذاته يكمن سر احترام الجزائريين له. فقد أثبت أن خدمة الوطن يمكن أن تكون موقفا أخلاقيا قبل أن تكون منصبا سياسيا. وظل زروال يحظى بشعبية كبيرة، وأظهر دعمه للحراك الشعبي في 2019، معتبرا أن مطالب الشعب السلمية "شرفت الأمة".

اليوم، وقد غاب الرجل، تبقى سيرته شاهدة على مرحلة دقيقة من تاريخ الجزائر، وعلى نموذج لرجل اختار خدمة وطنه بصدق ثم الانسحاب بهدوء، تاركا خلفه احتراما واسعا وسمعة طيبة في قلوب كل الجزائريين.

رحم الله اليامين زروال وجعل مسيرته جزءا من ذاكرة وطن لا ينسى رجاله.