الوطن

من جفاف الساورة إلى إنجاز غارا جبيلات

قبل بضع سنوات، كانت هذه المنطقة هدفا لمؤامرة تجفيف دبرها جارها الغربي، الذي استخدم كل الوسائل المتاحة لإجبار سكان الساورة على النزوح بحرمانهم من مياه سد جرف التربة والأراضي الرطبة المحيطة به.

  • 8826
  • 4:08 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لا شك أن الحياة عادت إلى منطقة جنوب غرب الجزائر، التي يحلم سكانها بـ "إلدورادو"، وذلك بعد إطلاق المشروع الضخم لاستغلال منجم الحديد في غارا جبيلات وخط السكة الحديدية الذي يربط غارا جبيلات-تندوف إلى بشار.

ويتعلق الأمر بالطبع بتحدٍّ كبير نجحت فيه الجزائر، التي تمكنت من قلب الموازين بتجاوزها الظروف المناخية للمنطقة، وقبل كل شيء، إحباطها للمؤامرة التي دبرتها قوى معادية لم تهضم يوما بأن الجزائر، أرض الشهداء، هي معقل المقاومة والنصر والمجد.

قبل بضع سنوات، كانت هذه المنطقة هدفا لمؤامرة تجفيف دبرها جارها الغربي، الذي استخدم كل الوسائل المتاحة لإجبار سكان الساورة على النزوح بحرمانهم من مياه سد جرف التربة والأراضي الرطبة المحيطة به. إستراتيجية شيطانية وعدائية كان الهدف منها حرمان سكان الساورة من هذا المورد الحيوي والنادر: الماء، مصدر الحياة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية. وفي انتهاك للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، بنى المغرب سدا على الحدود مع الجزائر، بتمويل من دول غربية.

إن قيام نظام المخزن بتشغيل سد قدوسة المغربي في عام 2021، في انتهاك للقانون الدولي غير القابل للتصرف في الحصول على مياه الشرب، يهدف إلى حرمان الجزائر من إمدادات مياه الشرب والمشاريع الاقتصادية.

وفي مواجهة ندرة المياه في هذه المناطق القاحلة، رفعت الجزائر قضيتها أمام الهيئات الدولية، وفقا لحقوقها المعترف بها بموجب ميثاق الأمم المتحدة. وفي هذا الصدد، شاركت الجزائر في المنتدى العالمي للمياه في بالي، إندونيسيا، في ماي 2024، ونجحت في الدفاع عن مبدأ السيادة الوطنية وحق الشعوب في الحصول على مياه الشرب، في مواجهة طموحات القوى الاستعمارية الجديدة للهيمنة وتحويل المياه إلى سلعة، بهدف حرمان مئات الملايين من الناس حول العالم من هذا المورد الحيوي.

إن الهدف من الخطة الشيطانية هذه لنظام مخزن هو حرمان الشعب الجزائري من أي إستراتيجية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وذلك من خلال بناء السدود على الجانب الآخر من الحدود في انتهاك للقانون الدولي والمعاهدات الدولية التي أبرمتها الأمم المتحدة.

معروفة بالتزامها واحترامها للقانون الدولي، كثفت الجزائر جهودها الدبلوماسية مع المجتمع الدولي. وكانت مشاركتها البارزة في المنتدى العالمي للمياه في بالي عام 2024، كخطوة أولى، جزءا من هذه الإستراتيجية لرفع مستوى الوعي لدى المجتمع الدولي بشأن مخاطر بناء وتشغيل أربعة سدود قرب الحدود الجزائرية من قبل المغرب.

وهو عمل عدائي متعمد، كما أشار إلى ذلك وزير الموارد المائية الجزائري، طه دربال، خلال كلمته أمام المشاركين في المنتدى العالمي في بالي الذي عقد بين نهاية ماي وبداية جوان 2024.

وقد تم التأكيد على هذا الموقف مجددا في الاجتماع العاشر للأطراف في اتفاقية حماية واستخدام المجاري المائية العابرة للحدود والبحيرات الدولية، والذي عقد في ليوبليانا، سلوفينيا، في الفترة من 23 إلى 25 أكتوبر 2024.

إن قرار المغرب ببناء وتشغيل أربعة سدود ليس مجرد عدوان على الجزائر، بل هو أيضا تعد على المجتمع الدولي وانتهاك لميثاق الأمم المتحدة. إن العداء الصارخ الذي يبديه نظام المخزن تجاه سكان هذه المنطقة الغالية في البلاد يُضاهي سياسات الإبادة الجماعية التي يُمارسها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، المحروم من مياه الشرب، وكل ذلك في ظل صمت متواطئ من المجتمع الدولي.

العدالة الإلهية

وبما أن هذه الأرض مباركة من السماء ومروية بدماء شهدائنا الأبرار، فإن الأمطار الغزيرة التي هطلت في سبتمبر 2024 منحت سكانها أملا جديدا. وخلال زيارة إلى هذه المنطقة في أبريل 2025، شهدنا عن كثب حب مزارعينا وتعلقهم بأرضهم، والذين تغلبوا على الظروف المناخية القاسية ونجحوا في إعادة الحياة إليها، كما يتضح من خلال مقابلة أجريناها مع أحد المزارعين.

بالنسبة للمزارعين الذين أجرينا معهم مقابلات في هذه المنطقة، فإن حياتهم تعتمد على الماء. قالوا: "نعيش بالماء، وبدونه نموت". هذا التعبير يشهد على ارتباطهم الوثيق بالأرض وبالجزائر. فكانت أمطار خريف عام 2024 بمثابة شريان حياة في عام 2025، بعد سنوات عديدة من الجفاف المرتبط بانخفاض معدل هطول الأمطار، وقبل كل شيء، بتعدي نظام المخزن، من خلال بناء وتشغيل أربعة سدود، في انتهاك للمعاهدات الدولية التي تنظم استخدام المجاري المائية العابرة للحدود.

وبالنسبة للمزارع طيب الهلالي، كانت السماء كريمة في عام 2025 مع هطول أمطار غزيرة في خريف عام 2024، مما سمح بحصاد يفوق التوقعات، وأعطى الأمل في أن تصبح هذه المساحة الشاسعة خزانا للحبوب في هذه المنطقة الواسعة.

غارا جبيلات.. من الحلم إلى التنفيذ لعملاق الصلب النائم

لقد انتصر تصميم الرئيس عبد المجيد تبون في تحقيق حلم الأجيال إلى عمل حضاري قبل أن يكون مشروعا اجتماعيا اقتصاديا ضخما، على منتقدي وأعداء الأمة الذين راهنوا لعقود على جعل الحلم مجرد وهم.

إن انطلاق استغلال منجم غارا جبيلات، وافتتاح خط السكة الحديدية الذي يربط محور غارا جبيلات-تندوف-بشار، يفتح الطريق أمام هذه المنطقة لتتنفس واقع التنمية في مواجهة العزلة والظروف المعيشية القاسية التي يفرضها النظام البيئي.

اليوم، هذه المنطقة مدعوة لتصبح منطقة رائدة في التبادلات الاقتصادية مع إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وغرب إفريقيا، نظرا لإمكانياتها اللوجستية ورغبة السلطات العمومية الجزائرية في تنويع الاقتصاد الجزائري.

كما أن استغلال الطريق الذي يربط تندوف بالزويرات، وإنشاء منطقة تجارة حرة، والعمود الفقري للألياف البصرية العابر للصحراء، والطريق العابر للصحراء، فضلا عن تجسيد مشاريع الطاقة الهيكلية، سيسمح بلا شك بالتكامل الإقليمي الفعال الذي يُمكّن من استقرار الشعوب، والحفاظ على الحق في التعليم والصحة لصالح الساكنة، وبالتالي مكافحة جميع أشكال التهميش والأمراض، وكذلك مكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر والاتجار بالمخدرات والإرهاب.

ختاما، إن عودة المياه إلى الساورة، وعودة القطار الذي أطلق صفيره مرة أخرى، ستسمح لهذه المنطقة بأن تصبح "إلدورادو" التي طالما تمنتها وحلمت بها الأجيال السابقة والحالية.