يتساءل العام والخاص عن اللغط ''الاقتصادوي'' الظرفي ذي الطابع التمظهري ''التكتوكي'' القائم بحدة، هذه الأيام، حول بداية استغلال منجم الحديد لـ ''غارا جبيلات'' وحول انطلاق تشغيل القطار الذي ينقل خامات هذا المنجم إلى وهران لتصنيعها، وذلك في مقابل، مظاهر فرحة المواطنين العارمة بهذه الإنجازات. فتسائلني، شخصيا، هذه الأحداث بصفتي وزيرا ساقا لقطاع النقل الذي تكرم بالمتابعة اللصيقة وبالتفاصيل الدقيقة لأهم مراحل إنجاز وتجديد خط السكة الحديدية ''أرزيو- وهران- سيدي بلعباس- رأس الماء- مشرية- النعامة-عين الصفراء- بني ونيف- بشار''، على مسافة حوالي 700 كيلومتر وذلك من جوان 2008 إلى غاية جويلية 2010 تاريخ تشغيل الخط الذي جاء اليوم الخط الجديد التاريخي الرابط بين بشار وتندوف و''غارا جبيلات'' بطول 950 كيلومتر والذي تم إنجازه في آجال خيالية وقهرا أسطوريا لتحديات المشككين من كل الأصناف.
كما تسائلني هذه الأحداث بصفتي رجل اقتصاد متخصص في السياسات الاقتصادية والاجتماعية المقارنة، وتحديدا في سياسة التصنيع في بلد، كالجزائر، يعيش مرحلة النشوء الاقتصادي الواعد.
الآن وقد دشن، ميدانيا، الخط الحديدي ''بشار-غارا جبيلات'' الذي يرتبط ، في بشار، بشبكة السكة الحديدية الوطنية، وقد بدأ، بالفعل، استغلال منجم الحديد لغارا جبيلات بوصول أولى القطارات الناقلة لخامات الحديد إلى وهران، هل ننام، سذاجة، ملء جفوننا، ظنا منا أن الحسابات الخسيسة المعادية للتنويع الحق للاقتصاد الجزائري والساعى بثبات ودون رجعة، إلى تجسيد قدسية السيادة الوطنية بمفهومها الأوسع، ستضع سلاح المناوءة والتشكيك؟
فدعاة الجزائر، دوما متخلفة، والجزائر، خلقا، تابعة ''للأجنبي''، لن يضعوا السلاح أبدا، وإنما سيغيرون، فقط، كتف حمله، طمعا في تحقيق إصابات أكثر إيلاما بخطاباتهم المضللة كلما باءت محاولاتهم بالفشل في ثني الجزائر عن إصرارها على المضي قدما على طريق تعزيز سيادتها.
ويستشف من قرائن عدة أنهم، من الآن فصاعدا، سيصوبون ضرباتهم تجاه الانتقاص من مزايا هذا الإنجاز التاريخي المحقق في آجال قياسية:
فبعض الأدلة الجاحدة تركز سياقها على نسبة الفوسفور في خامات الحديد التي تعتبرها مفرطة تضر، حسب حكمهم الجزئي المختل، بالجودة وباستعمال خام الحديد في صناعة الحديد والصلب،
وانبرى، تماديا، آخرون ممن تبرأت منهم الوقائع الصادمة ولم يقروا بتيهانهم الشامل ولم يتعضوا، فانقلبوا انتهازيا، إلى امتهان ''الاستشارة الاقتصادية'' و''الخبرة'' في ميدان الاقتصاد الجزئي محتكرين حتى الجزم باستحالة تحقيق مردودية البنايات القاعدية (التحتية) كخطوط السكة الحديدية بمحطاتها بما في ذلك تكاليف إصلاحها وصيانتها وحتى تلك المرتبطة بمختلف الطاقات وبمعالجة المياه وغيرها،
وظهر آخرون، سعيا منهم، يقينا، لامتصاص، ولو جزئيا، ثقل تسرعهم في إصدار أحكام رافضة للنجاح المسجل، فراحوا، انتهازيا، يقترحون تمديد خط السكة الحديدية ''وهران-غارا جبيلات'' إلى التراب الموريتاني لربطه مع خط السكة الحديدية المنجمي الذي ينقل خامات الحديد الموريتاني من ''زويرات'' إلى ميناء ''نواديبو''، وكأن السلطات العمومية الجزائرية قد أعوزتها الطموحات الاستشرافية المشرئبة إلى أعلى عليين.
وراح انتهازيون آخرون ممن يدعون إسداء الدروس للغير، مهزومين أمام النجاح الباهر الذي حققه إنجاز هذا المشروع العظيم، راحوا يفسرون مجمل هذا الإنجاز بلجوء الدولة الجزائرية إلى مبدأ'' السيادة الصناعية'' ضمن المفهوم الأوسع ''للسيادة الاقتصادية''، حسب فهمهم، بغرض زحزحة معيار ربحية المشروع المالية إلى المرتبة الثانية لاستحالة تحقيقها حسب مفهومهم ''البدائي'' تسترا على انتكاستهم في تنكر جذري لمفهوم الاندماج الشامل للاقتصاد، واستغلالا انتهازيا آخر بالمناسبة، يعيد آخرون من ذوي العقول المؤمنة بالإبداع الفجائي تيمنا بالمقولة الإغريقية ''أوريكا،(إني وجدتها)- Eurêka'' لأرخيميس، يعيدون إلى النقاش ما كان، يوما، من الأساسيات، وبالخصوص في الميثاق الوطني لسنة 1976 والقاضي بحشو كل شيء ضمن مفهوم ''المحافظة على الثروات الوطنية لفائدة أجيال المستقبل''، رغم كون هذا المفهوم يعد اليوم متجاوزا كما سبقت لنا مناقشته بإسهاب في مساهمتنا تحت عنوان » المعادن الصناعية، بين الاكتناز والاستغلال الآني « بتاريخ 5 يناير 2024، وذلك في قصد منهم مريب للعب على وتر الجزائريين الحساس في هذا المجال،لكن في جهل منهم بأن الواقعية النفعية باتت تطبع، في العمق تدريجيا، مقاييس الحكم على الأوضاع المعيشية عند الجزائريين.
وأخيرا وليس آخرا، فأولئك الذين يدعون إسداء الدروس في ميدان العلاقات الدولية، مصرون، هم أيضا، على حرمان الجزائر من كل ورقة رابحة في الدفاع وفي الهجوم حتى إنهم يذهبون إلى حد نعت بداية استغلال منجم الحديد، بالتهور غير محسوب العواقب الجيوسياسية والأمنية بوصفها، غابة، مصدرا لإذكاء التوترات في المنطقة. وكأننا بهم، بمآخذهم، بعملون على حرمان الجزائر من كل مقومات الدفاع عن النفس وتجريدها من كل سلاح هجومي فينصحونها، عجبا، بالتخلي عن ممتلكاتها المنجمية عن طريق التخلي عن استغلالها.
ففي هذا المنطق الغريب، ارتفعت، كذلك، أصوات مجحدة، معتدة بقراءة انتقائية مغرضة مختلة، لبنود الاتفاق الذي وقع في بداية السبعينات (1970) والمتعلق بترسيم الحدود الغربية للجزائر، رغم المصادقة عليها من قبل البلدين (الجزائر والمغرب) ورغم تسجيلها لدى الأمم المتحدة.
سنحاول جاهدين من خلال هذه المساهمة، الرد على مجموعة من هذا الزيف وتقديم الإنارة الضرورية حول الحدث التاريخي الذي تشكله بداية الاستغلال الفعلي لمنجم الحديد بغارا جبيلات وبداية تشغيل خط السكة الحديدية الرابط بين ''بشار وغارا جبيلات إعلانا عن بداية مرحلة رفيعة الوعود في تاريخ مستقبل الجزائر الاقتصادي والاجتماعي والجيوستراتيجي.
وبهذا الصدد، نعيد إلى الأذهان أن سنة 2022 قد عرفت، بالفعل، عزيمة أكيدة لرئيس الجمهورية الجزائرية للشروع في استغلال الثروات المعدنية للبلاد (بعد تراجع دام طويلا عن سياسة هواري بومدين في هذا الميدان)، على غرار منجم الحديد ''لغارا جبيلات'' بولاية تندوف، ومنجم الفوسفات ببلاد الحدبة- جبل العنق بولاية تبسة، ومنجم الزنك والرصاص بثالة حمزة- وادي أميزور بولاية بجاية، ومنجم البنتونيت ''بمغنية'' بولاية تلمسان، ومنجم الباريت ب''عين ميمون'' بولاية خنشلة و ''بوقايذ'' بولاية تسمسيلت، ومنجم ''قطارة'' للمنغــنيز بولاية بني عباس ومعادن الذهب المنتشرة، خصوصا، بولاية تمنراست. وسنأجل غيرها من المناجم المتواجدة بولايات أخرى والتي لم تدخل، بعد، مرحلة الاستغلال أو لم توضع، حتى، على الخارطة المنجمية للبلاد والتي قرر، بشأنها، مجلس الوزراء المنعقد بتاريخ 3 جويلية 2022، عند دراسة حالة معدن ''الباريت'' بتسمسيلت، ضرورة توسيع هذه الخارطة إلى مناطق الجنوب الكبير بالنسبة لمعدن الباريت لعلاقته بحفر آبار التنقيب على البترول، وغيره من الثروات الطبيعية الباطنية.
وقد أضيف مؤخرا، في سنة 2025، إلى هذه القائمة، استغلال معادن الأتربة النادرة مع إعطاء الأولوية لمعدن الليثيوم لصالح صناعة البطاريات الكهربائية بغرض مصاحبة طفرة صناعة السيارات التي تعرفها الجزائر حاليا، من جهة، وبغرض الاندماج في التوجه العالمي في هذا الميدان، مع الحرص، هنا، على المحافظة على الأهم من الأتربة النادرة الأخرى لفائدة الأجيال القادمة، من جهة أخرى.
وبهذا الصدد، سنقتصر، هنا،على الرد على ''الانتهازيات'' المعارضة لاستراتيجية قرار الشروع، فورا، في استغلال منجم الحديد ب''غارا جبيلات'' التي فاجأ الرأي العام بمجرد ظهور قرائن جدية عن إصرار السلطات العمومية الجزائرية تحت القيادة المباشرة لرئيس الجمهورية، على بناء خط السكة الحديدية ''يشار-غارا جبيلات'' على طول 950 كيلومترا والذي سينقل خامات الحديد إلى المناطق الشمالية للبلاد حيث تتواجد مصانع الحديد والصلب التي كانت تمون، إلى غاية اليوم، بمواد أولية مستوردة بالعملة الصعبة.
ونذكر أن هذا المنجم قد تم اكتشافه سنة 1952. وكان عدم استغلاله، إلى غاية 2021، يفسر، افتراضا، بأربعة عوائق متداولة اعتباطيا، بالتـناقل عند العامة والخاصة وهي: (أ) بعد المنجم عن مناطق التصنيع والتصدير بحوالي 1800 كلم عن سواحل الغرب الجزائري و حوالي 2400 كلم عن مصنع الحديد والصلب للحجار بعنابة، و(ب) المحتوى المنخفض، نسبيا، للحديد في خاماته، و(ج) ارتفاع محتوى الفسفور، نسبيا، في هذه الخامات، وذلك بالنظر إلى تكنولوجيات الاستخراج والاستخلاص المتوفرة المحدودة في مختلف المراحل السابقة، وإن كانت الجزائر زاهرة خلال عشرية 1970 في ميدان التصنيع ومنها تشييد مركب الحديد والصلب ''للحجار'' بعنابة ، وأخيرا (د) مقاربة التنمية الاقتصادية المتبعة منذ 1979 والتي تتعارض جذريا مع تلك التي كانت متبعة خلال الفترة 1967 -1978 تحت الرؤية الطموح للمرحوم الرئيس هواري بومدين.
أما التردد الانهزامي الذي ظهر على المعارضين لاستغلال منجم غارا جبيلات تحقيقا لهدف وحيد هو حرمان الجزائر من كل رافعة من شأنها مساعدتها على تنويع اقتصادها، وذلك بتجندهم خلف مخاطر انفجار الأوضاع الأمنية في منطقة تندوف. فيجد (هذا التردد) مقابله في الطفو إلى السطح لمن كان مندسا بخصوص العلاقات الجزائرية-المغربية. وذلك بالنظر إلى المعطيات الجيوسياسية المتعلقة بحق شعب الصحراء الغربية في تقرير مصيره ونيل استقلاله.
لكن هذا الحق قد شكل دائما خلفية متستر عليها عند المغرب في علاقات التعاون الاقتصادي مع الجزائر. ومن ذلك، على وجه الخصوص، تعامله مع الاتفاقية المبرمة في 15 جوان 1972 بين ملك المغرب الحسن الثاتي ورئيس مجلس الثورة، رئيس مجلس الوزراء للجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية هواري بومدين.
فالاختيار المكرس في اتفاقية 1972 بين البلدين بغرض إنشاء شركة مختلطة جزائرية-مغربية (ش.ج.م.) لاستغلال منجم الحديد لغارا جبيلات، ملكية الجزائر وتقع على ترابها، تندرج، بالإضافة إلى روح التعاون والإيثار للجزائر، ضمن الأجواء الجديدة للعلاقات بين البلدين التي كانت قد تضررت، في العمق، بعد الاعتداء التوسعي المغربي على التراب الجزائري في سنة 1963 في المنطقة.
وقد نشرت الاتفاقية، بعد التصديق عليها، بتاريخ 17 ماي 1973 (1) في شكل أمر، في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الصادرة بتاريخ 15 جوان 1973. وتنص هذه الاتفاقية، في حيثياتها في فقرتها الرابعة، على : » اعـتبارا ان الجزائر هي مالكة للمنجم المعدني للحديد لغارا جبيلات والواقع على ترابها والخاضع لسيادتها الكاملة« (2)
وهكذا فإن التضليل الإعلامي المستمر، بشكل مقصود من قبل الطرف الخصم غير الرسمي بإخفاء هذا البند المنارة الجوهري في هذه الاتفاقية، يمكن اعتباره تعبيرا صريحا عن سوء نية. لأن هذا البند يرفع، عاليا، الملكية الجزائرية الحصرية لمنجم غارا جبيلات لقطع الطريق على كل طمع كيفما كانت طبيعته.
ويجدر التنبيه إلى أن هذه الاتفاقية لم تتحدث عن تصنيع خامات حديد غارا جبيلات، بل ركزت على تصدير هذه الخامات من أحد موانئ المغرب الموجودة، آنذاك، على ساحله الأطلسي. بينما المتداول، آنذاك، عند الطرف الجزائري، هو، بالإضافة إلى تصدير جزء من الخامات بهذه الطريقة، هو تصنيع الجزء الآخر ضمن منطق سياسة التصنيع الثقيل التي كانت في أوجها خلال عشرية 1970، تحت إمرة المرحوم الرئيس ''هواري بومدين'' ووزيره للصناعة والطاقة والمناجم، المرحوم ''بلعيد عبد السلام.''
ويقدر مخزون المنجم من خامات الحديد، بحوالي 3,5 مليار طن ( واحد من أكبر ثلاثة مناجم حديد في العالم) للمساحة التي تمت دراستها فقط. وهو ما يمثل، نظريا، حوالي 10 إلى 14 مليار دولار من الصادرات سنويا بالتقريب، كمقابل لحوالي 40 إلى 50 مليون طن ستستخرج، سنويا بالتدريج ابتداء من 2026سنة . وهو ما يمثل حوالي 15 إلى 20 % من قيمة صادرات الجزائر السنوية من المحروقات، حاليا.
وبإضافة قيمة الصادرات من المنتجات الفوسفاتية من بلاد الحدبة-جبل العنق (ولاية تبسة) ابتداء من سنة 2027 والصادرات المنتظرة من الزنك والرصاص من مناجم ثالة حمزة-وادي أميزور (ولاية بجاية) ابتداء من نفس السنة، فإن كفة الميزان، بإضافة الصادرات من المنتجات الأخرى المسجلة حاليا، ستميل بأكثر من 50 % لصالح المنتجات من خارج صادرات المحروقات.
ويقدر أن ترتفع الاستثمارات الإجمالية، بغرض استغلال المنجم، إلى حوالي 20 مليار دولارا لاستخراج ,5 3 مليار طن المذكورة سابقا.
أما بخصوص نسبة الحديد ونسبة الفسفور في خامات الحديد، فقد أجريت دراسات متعددة تعود إلى غاية ،1964 ثم في 1966، وتكررت بين 1977 و 1979 و في 1988 وفي 2007 و 2008. وقد مكنت الدراسات التي اجريت داخل المخابر، من رفع نسبة الحديد من 57 % إلى 65 % وتنزيل نسبة الفسفور إلى ,30 0 % وحتى إلى ,170 % والتي ظلت، آنذاك، تعتبر غـير كافية، لا سيما في ما يخص نسبة الفسفور. لكن اليوم، فإن كـثيرا من الدول التي لها مناجم حديد هامة، استطاعت معاهد ومخابر البحث ان تركز على تطوير الطرق والمناهج المبتكرة في إتجاه تخصيب هذه المعادن بالحديد وتخليصها من الفسفور للوصول إلى المقاييس المأمولة. ولعل اختيار الجزائر (3) للصين كشريك لاستغلال هذا المنجم قد طور تكنولوجياته في مثل هذا الميدان، ليسعى إلى تحقيق هذا الهدف لإثراء نسبة الحديد وتخفيض نسبة الفسفور فيه.
كما أن الاتفاق بين المؤسسة العمومية الجزائرية ''سوناريم'' وشركة ''توصيالي'' التركية لإقامة مصنع في عين المكان ( بطيوة-أرزيو) لتخصيب أعلى للحديد وتنزيل أكبر لنسبة الفوسفور ابتداء عمليا من 2028، المعلن عنه في بداية فبراير 2026 خلال حضور الوزير الأول الجزائري تفريغ أول شحنة من خامات حديد غارا جبيلات نقلها القطار المنجمي. وهو ما يضيف ارتياحا آخر للجزائر وما يبخس أكثر أطروحات المناوئين والمشككين.
فتتوقف، هكذا، العربدات اللفظية المتطرفة لاختصاصيين وأشباههم في التكنولوجيات ولخبراء في الاقتصاد وأشباههم، متدافعين في إصدار أحكام أصيحت تفرض عليهم واجب تحيينها مشفوعة باستعذارات من الرأي العام للشعب الجزائري.
ولم تتخل الجزائر، إلى غاية اليوم، عن قناعتها الإستراتيجية لتصنيع جزء من خامات حديد ''غارا جبيلات'' وتصدير الجزء الآخر منها في انتظار التصنيع الكلي للكميات المستخرجة تناسبا مع استلام الطاقات التصنيعية حاليا حيز الإنجاز في ميدان صناعة الحديد والصلب، من جهة، ونتيحه، من جهة أخرى، لتزايد الطلب العالمي على خامات الحديد.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف:
1- فإن مركب الحديد والصلب المبرمج إنجازه في ''بشار'' لإنتاج سبائك وعوارض السكة الحديدية الضرورية لتلبية حاجيات المخطط الاستراتيجي الوطني الطموح لتوسيع شبكة السكة الحديدية على المستوى الوطني التي سيبلغ طولها حوالي 15000 كيلومتر في أفق 2030. وسيستهلك هذا المشروع الصناعي جزءا من خامات المنجم. وهو مبرمج لدخول مرحلة الإنتاج ابتداء من نفس السنة 2030.
وسيجر هذا المشروع، في حركيته، إحياء منجم الفحم الحجري المتواجد في منجم ''مينونات'' (4) بمنطقة العبادلة المجاورة لمدينة ''بشار'' والذي أغلق في 1962 مثل منجم ''القنادسة'' وغيرهما، لاعتبارات لها علاقة بتفضيل الكهرباء المنتجة عن طريق استعمال طاقة الغاز، على تلك المنتجة عن طريق استعمال الفحم الحجري. وتجدر الإشارة إلى أن مركب الحجار-عنابة للحديد والصلب الذي بعث أخيرا من جديد، يلجأ إلى استيراد الفحم الحجري، حاليا. مما يؤكد ضرورة إحياء مناجم الفحم الحجري المتواجدة في منطقة العبادلة، مع استبعاد فكرة استعمال هذا الفحم لإنتاج الكهرباء، عكس ما كانت تسوق له بعض الفرضيات في وقت مضى، إذ يمثل، اليوم، انتاج الكهرباء في الجزائر باستعمال الغاز الطبيعي، ما يبلغ نسبة 99% . (5)
2- وتتزايد حاجيات مركب الحديد والصلب التركي ''توصيالي'' المتواجد ب''بطيوة''-أرزيو بولاية وهران، إلى خامات الحديد، بعد توسيعه في سنة 2024 بمصنع لإنتاج الصلب المسطح، تماشيا مع الحاجات الجزائرية الجديدة التي تتطلبها صناعة السيارات المتنامية بقوة في الجزائر. فقد ارتغعت، تبعا لذلك، الطاقة الإجمالية لمجموع هذا المركب الصناعي، من ثلاثة ملايين طن (3 ملايين طن) إلى حوالي ستة ملايين طن ( 6 ملايين طن) في الوقت الحالي.
ويستخدم اليوم هذا المركب أكثر التكنولوجيات تطورا في العالم، لا سيما في إنتاج الحديد بالاختزال المباشر.
وقد ارتفعت العمالة في مجموع المركب، من 4000 عامل مباشر وغير مباشر، في 2023، إلى 6000 عامل في الوقت الحالي (2026)، علما أن بداية إنتاج المصنع الأول تعود إلى سنة 2013 بطاقة حوالي 1,2 مليون طن سنويا فقط.
كما تجدر الإشارة إلى أن صادرات هذا المركب الصناعي قد بلغت حوالي واحد مليار دولار ونصف (1,5) في سنة 2024 وفي اتجاهات مختلفة من العالم بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية التي فرضت عليها، ابتداء من 2026، رسوما جمركية عالية لتحمي منتجاتها من منافسة المنتجات الجزائرية
3- وتنضاف إلى هذه الطاقات، تلك التي يوفرها مركب الحديد والصلب الجزائري-القطري المتواجد بمنطقة ''بلارة'' قرب مدينة جيجل والذي يوفر، إلى غاية اليوم، طاقات انتاج بأكثر من مليونين ونصف مليون طن (2,5)، في انتظار استلام مثيلتها، قريبا، ليبلغ مجمل طاقاته، حوالي خمسة ملايين طن، علما أن مصنعي ''أرزيو'' و ''بلارة'' يستعملان كلاهما إلى غاية اليوم، كمواد أولية، خردوات الحديد المسترجع المستورد، بما يبلغ حوالي 12 مليون طن بقيمة حوالي واحد (1) مليار دولار، في انتظار استعمال خامات حديد ''غارا جبيلات،'' (6) نظرا لتراجع مردود منجم ''الونزة'' للحديد بولاية تبسة والذي لم يعد قادرا حتى على تلبية حاجيات مركب الحجار بعد أن يكون قد استعاد طاقاته الأصلية المنتظرة في السنة الجارية والتي تقدر بمليوني(2) طن في السنة من منتجات الصلب.
وهذا ما يرفع طاقات إنتاج الصلب القائمة حاليا في الجزائر، إلى حوالي 12 أو 13 مليون طن خارج طاقات الإنتاج المنتظرة من مركب بشار للحديد والصلب أو من وحدات الإنتاج الصغيرة المختلطة أو الفردية، كوحدة النعامة وعين تموشنت. مما يزيد، بالتناسب، مقابلها من الحاجات إلى معدن الحديد التي لا يمكن تلبيتها الا بالاستغلال الكلي لمنجم غارا جبيلات. وهذا ما يتنافى جذريا، مع روح الإيثار التي طبعت اتفاقية الشراكة الجزائرية-المغربية السالفة الذكر. فلا يعقل، من جهة، تصدير خام الحديد كمواد أولية واستيرادها كمواد أولية، من جهة أخرى.
أما السخافات الأخرى، ذات الصلة بما سمي بعدم ملاءمة عربات القطار مع نقل خامات الحديد، فترجع إلى جهل المروجين المسخرين استنقاصا من شأنهم من قبل رعاتهم أيضا الذين لا يزالون متشبثين بمفاهيم متجاوزة في هذا الميدان، جاهلين كلية للمراحل المعتمدة في استغلال معدز الحديد ونقله ومعالجته الصناعية والمتمثلة في ثلاثة مراحل :
- مصنع معالجة أولية لخامات الحديد على مستوى المنجم ذاته لتخليصها من الشوائب الكبرى،
- مصنع على مستوى ''بشار'' هو، أيضا، قيد الاستلام حسب رزنامة محددة صارمة موجهة لتحويل الحديد المعالج معالجة أولية في غارا جبيلات، إلى كريات عموما ما تكون دائرية بأحجام متساوية وبأقطار تتراوح عموما بين 8 و 18 ميليمتر والتي تشكل المواد الأولى الحقيقية، ثم، أخيرا،
- توجيه هذه الكريات نحو مركب الحديد والصلب لشركة ''توسصيالي'' بأرزيو-وهران بغرض مختلف الاستعمالات الصناعية في إنتاج الحديد والصلب.
فخلال هذه المراحل الثلاثة، هي مواد أولية تحتاج إلى عربة نقل مغلقة، بعيدة كل البعد عن نقل خامات معدنية مبعثرة دون تنظيم، كما كانت تظنه سخافات أولئك الذين تمظهروا عندما رفعت التحديات بشأن استحالة استغلال منجم الحديد ل''غارا جبيلات'' والتي انتكست في الواقع، علما أن القطارات الأولى لنقل خامات الحديد تعطي المصداقية للرهان الذي كان قد رفعه رئيس الجمهورية بشأن استغلال منجم الحديد وتشغيل القطار الناقل لمعدن الحديد إلى شمال البلاد.
فالمناوئون، ارتكابا في تهجماتهم لأخطاء بدائية، ظنا خاطئا منهم أن هذه البنيات التحتية مخصصة، حصريا، لاستغلال منجم الحديد، مما يبرهن عن جهلهم بأن البنيات التحتية، في المفهوم العالمي، ممولة على أوسع نطاق، ينفقات موازناتية نهائية للدول لصالح الاهتمامات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المجموعة الوطنية قاطبة. لا سيما عندما يتعلق الأمر بفك العزلة النسبية عن منطقة شاسعة من الوطن مع الأخذ في الحسبان، حساسيتها الجيوسياسية القصوى بخصوصياتها ذات الصلة بظروف حياة سكانها.
إنهم يرتكيون، كذلك، في تسرعهم لإصدار الأحكام الضالة المضللة، خطأ بدائيا بجهلهم أن خط السكة الحديدية سينقل الأشخاص ومختلف التموينات من منتجات المحروقات والمواد الغذائية وغيرها لصالح المدنيين والعسكريين وكذا مختلف الصادرات نحو إفريقيا الغربية حيث تحتدم الصراعات
التجارية وحيث تنجز الطاقات التخزينية والإسنادية الاستراتيجية .
وباتهامهم، من جهة أخرى، أن استغلال منجم الحديد يهمل حتمية الربحية المالية بصفته استثمارا، يرتكز المناوئون على مقاربة مختلة جزئية باعتمادها، حصريا، على الانعكاسات المالية لاستغلال منجم غارا جبيلات وعلى المدى القصير، بل الآني، جهلا بدائيا لطبيعة الاستثمارات القصيرة والمتوسطة والبعيدة الآجال وأحكامها المالية العالمية. رغم تعلق الأمر بحالة تعليمية بدائية عالمية مقارنة في العالم الغربي تستوقفنا باستمرار. وكأننا، في نفس الأشكال وحسب نفس الأعراف، يستبعد فيها استغلال المنجم هذه الحتمية التي يكرسها تلازما، قانون الاستثمار الجديد لسنة 2022 والقانون البنكي والمصرفي الجديد لسنة 2023 اللذين سنتهما الجزائر.
ولنفس الأسباب الجحودة، لا يغامرنا شك في أننا سنعود إلى نفس السجال في أقل من سنة بمناسبة بداية استغلال منجم الفوسفات لبلاد الحدبة-جبل العنق (تبسة) وبداية تشغيل خط السكة الحديدية المنجمي الشرقي المكهرب على طول 422 كيلومتر الجاري إنجازه في خطين متوازيين والذي، هو أيضا، سينقل معدن الفوسفات إلى عنابة لتحويله، صناعيا، في الولايات التي يقطعها، ولتصدير جزء منه من ميناء عنابة حيث يستكمل، حاليا، بناء الأرصفة الضرورية وكذا لنقل الأشخاص، بطبيعة الحال، من وإلى الولايات التي يقطعها.
وحتى إذا كنا نعلم، يقينا، أن التقييمات التي أصدرتها وسائط الإعلام الأروبية والأميركية المتخصصة بشأن منجزات الجزائر التاريخية، موضوع هذا المقال، لا تدخل ضمن شبكة قراءة مختلف أصناف المناوئين لها حتى وإن كانت دائما تشكل المراجع الحصرية لهم، فإننا ندعو، بالرغم من ذلك، الجميع إلى الاطلاع عليها. لأننا نعلم، جميعا، أن هذه الوسائط الإعلامية نادرا جدا ما تخطئ لقول كلمة حق في شأن بلادنا.
عمار تو، دكتور في الاقتصاد، وزير سابق
المراجع:
(1)- الأمر رقم 73-21 المؤرخ في 14 ربيع الثاتي 1393 الموافق 17 ماي 1973 القاضي بالتصديق عل اتفاقية التعاون بين الجزائر والمغرب لاستغلال منجم غارا جبيلات والموقع عليها في الرباط بتاريخ 3 جمادي الأولى 1392 الموافق 15 جوان 1972.
(2)- جريدة الشروق في حوار مع سفير جزائري سابق
(3)- وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. الوكالة الموضوعاتية للبحث في التكنولوجية. دائرة البرمجة مشاريع البحث : معالجة معدن ''غارا جبيلات. رمز المشروع: PEM012017:
(4) (Algérie Eco. Gisement Minounet- Béchar-facebook/ https//www.elmoudjahid
(5) - محمد عرقاب. الوزير الجزائري للطاقة والمناجم. وهران 24 في جوان 2019
https//www.algerie-eco.com .
(6) - سعر حديد الاسترجاع المستورد يبلغ0,19 أورو للكلغ (10) أو ما يعادل 190 أورو للطن الواحد أو 176,7 دولارا بسعر 6 دسمبر 2023.

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال