احتضنت الأكاديمية الإسلامية في بروكسل، قبل أيام، ندوة فكرية حول ترجمة القرآن الكريم، تناول فيها أستاذ الفلسفة بباريس والمدرّب السابق للأئمة في مسجد باريس الكبير (2009–2016)، الدكتور عمر مرزوق، مداخلة بعنوان “القرآن الكريم والترجمة والتفسير”، مقدّما قراءة عميقة في إشكالية ترجمة القرآن الكريم وتحدياتها اللغوية والفكرية.
واستهل الأستاذ مرزوق مداخلته بالتأكيد على المكانة المركزية للقرآن الكريم في الثقافة الإسلامية، باعتباره نصا جامعا للتشريع والأخلاق والروحانية. غير أن هذه العالمية تصطدم بعقبة أساسية، تتمثل في صعوبة فهم النص القرآني لغير الناطقين بالعربية، خاصة في ظل غياب الإلمام بالسياق اللغوي والثقافي الذي نزل فيه.
وعرّج المتحدث على الإشكالية اللغوية العميقة التي تواجه أي محاولة لترجمة القرآن، واصفا إياه بنص “شبه مستحيل للترجمة”، بسبب أسلوبه البلاغي، وتركيبته اللغوية الفريدة، والغموض المتعمد في بعض العبارات، حيث يصعب نقل المعنى، الأسلوب، والإعجاز اللغوي إلى لغات أخرى. وتناول تاريخ الترجمات الغربية للقرآن، مشيرا إلى أن محاولاتهم بدأت منذ القرن الثاني عشر، حين سعى المستشرقون والمترجمون الغربيون إلى نقله إلى لغات أوروبية كالفرنسية والإنجليزية والألمانية، كل بطريقته. غير أن كثيرا من هذه الترجمات الأولى شابها القصور، سواء بسبب ضعف الإحاطة بالبلاغة العربية أو بسبب محدودية المعرفة بالثقافة الإسلامية، الأمر الذي أدى في بعض الأحيان إلى سوء فهم النص القرآني أو تشويه دلالاته.
من منظور إسلامي، يُنظر إلى القرآن الكريم على أنه “معجزة لفظية”، أي أن أسلوبه ولغته لا يمكن محاكاتها، ورغم إمكانية نقل المعاني إلى لغات أخرى، إلا أن الجوهر البلاغي والروحي لا يُنقَل إلا بالعربية الأصلية، مما يفسر، بحسب بومرزوق، تحفّظ العلماء على الترجمات، واعتبارها شروحا تقريبية لا بدائل عن الأصل. واختتم الأستاذ مرزوق مداخلته بالإشارة إلى الجدل بين التقليديين والمعتزلة، والذي يُظهر أن الإعجاز اللغوي وحده لا يثبت صدقية الرسالة. موضحا أن ترجمة القرآن ليست مجرد عملية لغوية، بل هي مشروع فكري وثقافي معقّد، ينقل المعنى جزئيا فقط، ولا يمكنه أن ينقل الإعجاز الكامل للنص، ليبقى النص العربي الأصلي المرجع الأساسي لفهم القرآن كما أُنزِل.
عبد الحكيم قماز
05/02/2026 - 00:27
عبد الحكيم قماز
05/02/2026 - 00:27
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال