اسلاميات

ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟

انحطاط المسلمين وتقهقرهم عن قيادة العالم فسح المجال لأمثال (مجموعة إبستين للشذوذ والأمراض النفسية والعاهات العقلية)

  • 240
  • 3:57 دقيقة
الدكتور يوسف نواسة
الدكتور يوسف نواسة

هذا عنوان كتاب جليل من أهم الكتب التي صنعت روح وعقل جيل الصحوة الإسلامية، ومن أكثر الكتب تأثيرا في المجتمعات المسلمة في العقود الأخيرة، ومن خيرة ما دبّجته يراع مولانا الإمام الرباني المجدد أبي الحسن الندوي رحمه الله، وهو من صنف الكتب المميزة التي تؤثر في قارئها تأثيرا عميقا؛ لصدق مؤلفها ولا نزكيه على الله تعالى، ولجمال أسلوبها، ولعمق طرحها، ولفرادة موضوعها.

هذه الأخيرة -أعني فرادة الموضوع- التي هي معيار هام في التفاضل بين الكتب، فقد ألهم الله تعالى مولانا أبا الحسن الندوي التطرق إلى هذا الموضوع في وقت كانت فيه أغلب بلاد المسلمين مستعمرة، والهزيمة النفسية تسيطر على كثير من أعلام المسلمين ونخبهم، حتى وصل الأمر بطه حسين أن يقول في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” كما هو معلوم: “أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم؛ لنكون لهم أندادا؛ ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرِها وشرها، حلوِها ومرها، وما يُحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب”!
ومقابل هذا كان الغرب مُنتفشا بسيطرته على قارات العالم، مُنتشيا بسيرورة تطوره المتسارعة، يخطط لفرض نفوذه على العالمين، وفرض نموذجه في كل مناحي الحياة على الناس أجمعين، وسقط كثير من المسلمين أمام الانبهار بآلات الغرب، وبترف الغرب، وبلهو الغرب، والانهيار أمام قوة الغرب، وبطش الغرب، وإرهاب الغرب، وظن كثير منهم أن التطور المادي للغربين مرده إلى عبقرية الغربي الفطرية، وجهلوا أو غفلوا عن أن تمدن الغرب موله الاستعمار بما سرقه من شعوب القارات الثّلاث: أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ومن يعلم حجم الثروات التي نهبها الغربيون سيعلم أن نهب هذه الثورات سيجعل أي أمة غنية قوية متطورة!، كيف لا وقد ضمنت تمويلا سخيا لكل المشاريع التي تريدها!، فلا عبقرية ولا يهم يحزنون، وإنما هو النهب والاستغلال، بيد أن الأناسي المنهزمون نفسيا، المنبهرون المشدوهون لا تنتظر منهم أن يفكروا تفكيرا سليما؟، بل سبيلهم الانبطاح أمام الغرب وأفكاره ونموذج حياته، فصار الغرب معيار الحق والباطل، ومعيار الجمال والقبح، ومعيار الفضيلة والرذيلة، وعَشَت العيون عن قبائحه ورذائله وشذوذه وجرائمه.

في هذا الجو يكتب مولانا أبو الحسن ببصيرته الإيمانية وقيمه الربانية هذا الكتاب الجليل؛ ليقول للناس بشهادات الغربيين أنفسهم: أن الغرب قد رجع بكم إلى الجاهلية، وإن العالم قد خسر كثيرا حين انحط المسلمون، وضعف التزامهم بدينهم، ويبين للناس أن الغرب مادي إلحادي ظاهرا وباطنا في فصل: أوروبا المادية. ويبيّن لهم أن الغرب يهرول إلى نهايته في فصل: أوربا إلى الانتحار. ويؤكد لهم بعد ذلك أن شفاء أمراض البشرية في قيادة المسلمين للعالم.

يقول مولانا الندوي رحمه الله في كلمة جامعة: “تحولت أوربا النصرانية جاهلية مادية، تجردت من كل ما خلفته النبوة من تعاليم روحية، وفضائل خلقية، ومبادئ إنسانية، وأصبحت لا تؤمن في الحياة الشخصية إلا باللذة والمنفعة المادية، وفي الحياة السياسية إلا بالقوة والغلبة، وفي الحياة الاجتماعية إلا بالوطنية المعتدية والجنسية الغاشمة، وثارت على الطبيعة الإنسانية، والمبادئ الخلقية، وشغلت بالآلات، واستهانت بالغايات، ونسيت مقصد الحياة.. وأصبحت فيلا هائجا، يدوس الضعيف، ويهلك الحرث والنسل، وبانسحاب المسلمين من ميدان الحياة وتنازلهم عن قيادة العالم وإمامة الأمة، وبتفريطهم في الدين والدنيا، وجنايتهم على أنفسهم وعلى بني نوعهم، أخذت أوربا بناصية الأمم، وخلفتهم في قيادة العالم، وتسيير سفينة الحياة والمدنية التي اعتزل ربانها، وبذلك أصبح العالم كله –بأممه وشعوبه ومدنياته- قطارا سريعا تسير به قاطرة الجاهلية والمادية إلى غايتها، وأصبح المسلمون – كغيرهم من الأمم- كابا لا يملكون من أمرهم شيئا، وكلما تقدمت أوربا في القوة والسرعة، وكلما ازدادت وسائلها ووسائطها، ازداد هذا القطار البشري سرعة إلى الغاية الجاهلية حيث النار والدمار والاضطراب والتناحر والفوضى الاجتماعية والانحطاط الخلقي والقلق الاقتصادي والإفلاس”.

وتصور أن الإمام يكتب هذا الكلام عام 1945م، وهو في بداية الثلاثينات من عمره المبارك فقط!، فكيف لو كان في زمننا هذا الذي يعيش فيه الغرب أزمة إنسانية أخلاقية قيمية وجودية حادة ماذا كان سيكتب؟!. ويا ليت مثقفينا وشبابنا يطلعوا على هذا الكتاب الجليل ويمعنوا الفكر في أفكاره في هذا الوقت الحرج الذي تمر به البشرية والأمة الإسلامية.

نعم، أن انحطاط المسلمين وتقهقرهم عن قيادة العالم فسح المجال لأمثال (مجموعة إبستين للشذوذ والأمراض النفسية والعاهات العقلية) أن يعبثوا بشعوب العالم، وأن يطغوا في البلاد فيكثروا فيها الفساد، وإني على يقين أنه قد سبق هذه المجموعة العاهرة الداعرة من الوحوش الفاسقة الفاجرة أن تشكلت في تاريخ الغرب، ولكن لم يكن هناك توثيق لخزياهم كما وثقت خزايا هؤلاء المخبولين، فلم يعلم الناس إلا قليلا من فجورهم وتوحشهم وجرائمهم. وسنة الله في هؤلاء معلومة: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذي الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب * أن ربك لبالمرصاد}.

إن الغرب دمر الحياة البشرية بشذوذه وبطشه، وقد أعلن الحرب على الفطرة الإنسانية، وعاد بالعالم إلى الجاهلية، ولا يستبعد أن تفوق الجاهلية الأخيرة الجاهلية الأولى في الشذوذ والمروق، ولا منجى ولا ملجأ إلى الإسلام: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}، {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}. فهل نعي -نحن المسلمين- ذلك؟!.

* إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة