الوطن

نحو إعادة تشكيل الخارطة السياسية

أحدثت مسودة مشروع تعديل القانون العضوي للأحزاب نقاشا واسعا داخل الطبقة السياسية.

  • 1606
  • 3:02 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

باشرت السلطة التنفيذية، مع بداية سنة 2025، خطوة جديدة في مسار إصلاح المنظومة القانونية للأحزاب السياسية، من خلال توزيع رئاسة الجمهورية مسودة مشروع تعديل القانون العضوي للأحزاب على مختلف التشكيلات السياسية قصد إثرائها في إطار مقاربة تشاركية تهدف إلى إعداد نص توافقي قبل إحالته على البرلمان بغرفتيه.

أحدثت مسودة المشروع نقاشا واسعا داخل الطبقة السياسية، خاصة فيما تعلق بتحديد العهدات للقيادات الحزبية، حيث نص المشروع على عدم السماح بأكثر من عهدتين متتاليتين على رأس الحزب ويعني هذا التوجه، مستقبلا، نهاية الأحزاب المرتبطة بشخصية القائد التاريخي.

وقد انقسمت الآراء بين من يرى في هذا الإجراء خطوة تهدف إلى أخلقة وضبط العمل السياسي وفتح المجال أمام القيادات الشابة، بما يسمح بضخ دماء جديدة في الحياة الحزبية، وبين من يعتبره تهديدا لكفاءة الإطارات السياسية التي يتم إقصاؤها بعد سنوات من التكوين والتجربة.

حددت المسودة بوضوح ضرورة أن يتكوّن الحزب السياسي من جهاز مداولة وجهاز تنفيذي، وهو ما اعتبرته عدة أحزاب تدخلا مباشرا في تنظيمها الداخلي، على اعتبار أن الحزب السياسي ليس مؤسسة إدارية أو رسمية ذات هيكل موحد. كما قيّد المشروع علاقات الأحزاب بالتنظيمات الأخرى، حيث يمنع أي ارتباط عضوي أو تبعي مع النقابات أو الجمعيات أو أي تنظيم لا يحمل طابعا سياسيا.

وتنص المسودة كذلك على إمكانية حل الحزب آليا في حال عدم مشاركته في استحقاقين انتخابيين متتاليين، في خطوة تهدف إلى وضع حد للمقاطعة السياسية وإجبار الأحزاب على الانخراط في المسار الانتخابي. كما فرض المشروع تمثيلا جغرافيا واسعا عند تأسيس أي حزب جديد بنسبة لا تقل عن 50% من ولايات الوطن.

وألزم نص المادة 21 من المشروع التشكيلات السياسية بشطب العضو نهائيا من قوائم الحزب في حال تغييره لانتمائه السياسي. ويأتي هذا الإجراء استلهاما من الأحكام الدستورية التي تنص على شطب أي منتخب برلماني يغير انتماءه السياسي خلال عهدته الانتخابية.

وقد ساهمت الأحزاب السياسية في إثراء المسودة بنقل سواء اعتراضاتهم أو تثمينهم لبعض التعديلات إلى رئاسة الجمهورية، غير أن رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بدا غير راض عن مستوى التفاعل الحزبي مع المشروع، ما دفعه إلى إعادة فتح النقاش حول قانون الأحزاب الذي لم يعرف أي تعديل منذ سنة 2012 شهر أكتوبر الماضي، وجاء ذلك خلال لقائه الدوري مع وسائل الإعلام الوطنية، حيث شدد الرئيس تبون على أن القانون لن يمرر دون مشاركة الأحزاب، مؤكدا على الطابع التشاركي للإصلاح.

في هذا السياق، شرع مستشار رئيس الجمهورية للشؤون السياسية، البروفيسور مصطفى صايج، في عقد سلسلة لقاءات مع قيادات الأحزاب السياسية لاستطلاع مواقفها وآرائها حول المنظومة القانونية المؤطرة للعملية السياسية، وعلى رأسها قانونا الأحزاب، وذلك قبل صياغة المسودة النهائية للمشروع وعرضها على الحكومة.

وتعمل السلطات التنفيذية حاليا على إدخال التعديلات الأخيرة على مسودة المشروع، قبل المرور إلى المسار التشريعي الاعتيادي، الذي يبدأ بعرض النص على مجلس الحكومة، ثم مجلس الوزراء، ليحال بعدها إلى البرلمان بغرفتيه للمناقشة والمصادقة، وذلك قبل الموعد الدستوري المحدد لإجراء الانتخابات المقبلة.

وموازاة مع ذلك، استقبل رئيس الجمهورية قادة عدة أحزاب سياسية لدراسة الأوضاع السياسية الراهنة والقوانين الناظمة للاستحقاقات المقبلة، لكن الإهتمام الأكبر كان مركزا على قانون الانتخابات الذي لم يعدل منذ 2012، واستمع رئيس الجمهورية لمطالب التشكيلات السياسية بخصوص القانون الناظم لها، ويجمع عدد كبير من الفاعلين السياسيين على أن الأحزاب عرفت تراجعا ملحوظا في السنوات الأخيرة، وهو تراجع تفسّر أسبابه بعوامل متعددة، منها ما يرتبط بالهياكل الداخلية للأحزاب ونوعية الإطارات وأساليب التسيير، ومنها ما يرتبط بالظروف السياسية الوطنية وحتى الإقليمية والدولية.

وتأمل الطبقة السياسية أن يحمل مشروع قانون الأحزاب الجديد روحا جديدة تعيد الاعتبار للحياة الحزبية، باعتبار الأحزاب ركيزة أساسية تعتمد عليها الدولة في إيصال رسائلها، ومواجهة التحديات الخارجية، وتعزيز حضورها على الساحة الدولية كما عبرت العديد من القيادات الحزبية عن أملها في أن يكرس القانون المقبل مبادئ الديمقراطية ويضمن استقلالية حقيقية عن الإدارة. وهذه الاستقلالية، حسب تلك القيادات، لا تعني الانفصال عن الدولة أو التخلي عن الدفاع عن مصالحها، بل تعني تحرير العمل الحزبي من التدخلات الإدارية المباشرة مع الحفاظ على دوره الوطني.

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع