"غياب المرجعية أنتج تبعية فكرية وأشاع مقولة الجزائر ليس فيها علماء"

38serv

+ -

يرى الشيخ بن يونس آيت سالم، إمام دار الحديث ونائب رئيس جمعية العلماء المسلمين، في هذا الحوار الذي خصّ به “الخبر”، بأنه يستوجب التعاون لتجديد المرجعية وترميم صرحها المتصدع، مُبديا رأيه في قانون تجريم العنف ضد المرأة الذي أصدره المشرع في سياق التعديلات الأخيرة، وقضية دسترة حرية ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين.  “كان الأولى بالقانون أن يتحَدَّثَ عن تجريم العنف داخل الأسرة”يعاني المجتمع من استشراء ظاهرة العنف التي تكثر في شهر رمضان، من خلال سلوكيات تسيء للشهر الفضيل، رغم أن هذا الأخير تصفد فيه الشياطين. كيف ترون هذا الأمر؟ العنف تأباه الفطرة السّليمة، فضلا عن كون الإسلام يحرّمه بكلّ أشكاله، بل يُرغبُ في ضده، وفي الحديث الصحيح “ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نُزِع من شيء إلا شانه”، وتَعْظُم مصيبة العنف عندما يستشري في المجتمع ويصبح ظاهرة؛ إذ مع وجوده يغيب الأمن الذي هو من أعظم نعم الله على خلقه، ويصبح المجتمع يعيش في قلق تفقد معه الحياة طعمها. وإنّ ما نراه من استشراء للعنف مردّه إلى أشياء كثيرة، منها ضعف الوازع الدّيني؛ فالإيمان والأمن قرينان، بوجود الأوّل يوجد الثّاني، فضلا عن عدم رعاية النّاشئة بالقدر الكافي، وغياب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر (بشروطه وضوابطه)، وعدم الزّجر في العقوبة. ومن مبالغة الإسلام في المحافظة على سلامة الإنسان وحماية أمنه أنّه حرّم كلّ أنواع التّرويع، كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره “لا يحلّ لمسلم أن يروّع مسلماً”. ولمزيد بيان نورد قصّة اليهودي الذي جاء يستفزّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائلا له: أنتم آل عَبد المطّلب قوم مُطْل. فقام إليه عليّ رضي الله عنه، فنهاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائلا “كان عليك أن تأمره بحسن الطّلب، وتأمرني بحسن الأداء”، ثمّ أمرهم بأن يعطوه حقّه، وزيادة، مقابل ترويعهم له.وبممارسة العنف في رمضان تعظُم المصيبة؛ لأنّ في ذلك إفساداً لأجواء الرّحمة الخاصّة الّتي صبغ الله بها هذا الشّهر الكريم. أمّا عن سؤالكم كيف يحصل هذا، والشّياطين مصفّدة كما صرّحت بذلك أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فالجواب باختصار: إذا سلّمنا بالرّأي القائل بتصفيد جميع الشّياطين، فإنّ هناك أسباباً أخرى تدعو إلى الشرّ كالنّفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، وشياطين الإنس.تقود وزارة الشؤون الدينية حملة لتصحيح الخطاب الديني المسجدي بهدف تجفيف منابع التطرف والعنف. كيف تعلقون على المسعى؟ كوْنُ وزارة الشؤون الدّينية والأوقاف تعمل على الرّفع من مستوى الخطاب المسجدي هو من اهتماماتها الكبرى، وهي مشكورة على مساعيها في هذا السّبيل، وتحقيق هذا المبتغى لا يتوقّف على رفع المستوى المعرفي في الجانب العلمي فقط، بل لا بدّ أن يُضاف إليه رفع مستوى الوعي بواقع العصر، وكذلك الرّفع من مستوى الأداء، والمسجد وإن كان حجر الزّاوية في هذا الجانب، فإنّ هناك جهات أخرى تمارس الخطاب الديني، وعليه لا بدّ أن تُضاف إلى جهود وزارة الشّؤون الدّينية جهود كلّ المؤسّسات والهيئات الّتي لها صلة بهذا الموضوع. ثمّ لا بدّ من استغلال وسائل الاتّصال العصرية الاستغلال الأمثل في هذا الصّدد، ولا شك أننا نَنْشُدُ من وراء هذا كله خطابا إسلاميا واعيا مقنعا، يُصحح الفهوم ويُضَيِّقُ مجال الخلاف، ويقضي على التطرف، ضامنا بذلك سيرا متّزناً رشيدا للمجتمع.هل تعتقد بأن التيارات التي تتربص بالمرجعية الدينية الوطنية، وعلى رأسها التيار الشيعي، تشكل خطرا يجب التوجّس منه والتصدي له؟ أم أن هذه المرجعية لا خوف عليها؟غياب المرجعية أنتج تبعية فكرية، وأشاع بين الناس مقولة “الجزائر ليس فيها علماء”، وأصحاب هذه الإشاعة يريدون إحداث هزيمة نفسية، وشعور بالدّونية لدى العامّة، يدفعهم إلى البحث عن البدائل خارج الوطن، فالأفكار في نشأتها لا بد أن تكون محكومة بأطرها الاجتماعية. وكل إنزال قسري ينتج انتحارا فكريا تدريجيا لمقومات الشخصية. إن نظرة فاحصة في الساحة تجعلنا ندرك أن هناك تصديرا لمذاهب من جهات شتى، وليس من جهة واحدة، وهذا بلا شك يفرق شملنا، وينتهي بنا إلى الصراع، وشيء من ذلك حاصل. وللعلم فإن الجهات التي تسمح لنفسها بتصدير مذاهبها إلينا ترفض أن تقبل أي مذهب آخر تعصبا منها لمذهبها؛ وهذا يؤكد أن كل جهة من هذه الجهات: إما تعتقد أن مذهبها هو الأصح فتريد أن تعممه، ولا أظنّ أنّ هذا هو الدّافع، وإما تريد أن تسيطر على العالم الإسلامي أو جزء منه بفرض نوع من الوصاية الدينية، مسخّرة لذلك وسائل مادية ومعنوية. وجمعية العلماء إذ تدعو إلى التعاون من أجل تجديد المرجعية بترميم صرحها المتصدع، إنما ترمي إلى حماية الشخصية الجزائرية المسلمة بصفة خاصة، والشخصية المغاربية بصفة عامة، لضمان سير متزن، في إطار وحدة قوية.اعتبر وزير الشؤون الدينية بأن ما أصابنا من تطرف وعنف في وقت سابق، كان سببه الرئيسي الدعاة المتطوعون الذين مكنتهم الظروف من اعتلاء منابر مساجدنا. ما صحة هذا الطرح؟ كون الدّعاة المتطوّعين الذين سمحت لهم الظّروف في وقت سابق باعتلاء المنابر هم السّبب فيما أصابنا من تطرّف وعنف، طرحٌ نحترمه، غير أنّه مبنيّ على تقدير يسوغ الاختلاف فيه. أنا شخصياً أرى أنّ الدّعاة المتطوّعين ليسوا على شاكلة واحدة؛ فمنهم من خدم الدّعوة بخطابه الواعي المُتّزِن، ولعلّهم الأقلّية، ومنهم من كان على نقيض ذلك، وهؤلاء ينطبق عليهم الطّرح الذي نحن بصدد مناقشته، وأضيف إلى ما سبق أنّ كلّ خطاب باِسم الدّين يُمارسه من يُمارسه، إذا لم يقم على العلم بروح الشّريعة، مُضاف إليه قدر معتبرٌ من فقه النّص وفقه الواقع، مع قدرة على ترتيب الأولويات ومراعاة المآلات، يصحب ذلك نيّة صادقة، ورغبة قويّة في إصلاح البلاد والعباد، إذا لم يحوِ ذلك فإنه يؤدّي لا محالة إلى التطرّف والعنف، وكلّ ما يضرّ ولا ينفع، ويفرّق ولا يجمع.تم مؤخرا دسترة حرية ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين. هل هذا الأمر في صالحنا أم ستكون له نتائج عكسية؟ إنّ الإسلام يضمن حقوق أهل الذمّة، بما في ذلك حرّية المعتقد وحرّية ممارسة الشّعائر التعبّدية، ويصون معابدهم، وأساس هذا الحقّ قوله تعالى في سورة البقرة “لا إكراه في الدّين قد تبيّن الرّشد من الغيِّ”، جاء في تفسير ابن كثير “أيْ لا تُكرهوا أحداً على الدّخول في دين الإسلام، فإنّه واضح، جليّ دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يُكرَه أحد على الدّخول فيه”. وقد جاء في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى نصارى نجران، أنّ لهم جوار الله وذمّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم على أموالهم، وملّتهم، وبِيَعِهم. بل إنّ الشّريعة السّمحة زادت على ذلك أن أوصت بحسن معاملتهم. ولكن مع هذا لا بد أن يلتزموا وجوباً بعدم إظهار ما يسيء إلى مشاعر المسلمين، أو هو معدود عندهم من الفساد. كما يجب عليهم التقيّد بقوانين الدّولة المسلمة التي يعيشون تحت ظلّها، واجتناب كلّ ما يسيء إلى هَيْبتها، كترويج العقائد والأفكار المُنافية لعقيدتها، وكذا استعمال وسائل الإغراء المختلفة.بناء على تعديلات المشرع الأخيرة، تم تجريم أي شكل من أشكال العنف ضد المرأة. ألا تعتقدون بأن هذا الأمر يشكل تهديدا للأسرة؟ خاصة أن الشرع يرخص الضرب غير المبرح في بعض الحالات؟ في البدء أنوّه بأنّ الإسلام كرّم الانسان بشقّيْه الرجل والمرأة، وجعلهما شقيقين في الخلقة والتكاليف، وشريكين في البيت والحياة، أما ما كان من خصائصَ تميَّز بها الرجل أو تميزت بها المرأة فهو لصالح التكامل الذي لا تستقيم الحياة إلا به، وقد هيَّأت الشريعة السمحة كل الأسباب المواتية لحياة أسرية متّزنة، يسعد في ظلها الرجل والمرأة والأولاد، وكلّ سلوك يعكّر صَفْوَ الحياة الأسرية يُحَرِّمُهُ الإسلام. أمّا سؤالكم عن قانون تجريم أيّ شكل من أشكال العنف ضدّ المرأة، وما قد ينجرّ عنه إيجاباً أو سلباً، فرأيي أنّ العبارة في حدّ ذاتها تضع الرّجل في قفص الاتّهام، وهذا قد يُعرّض العلاقة بين الزوجين إلى التصدّع، وليس من فائدة الأسرة أن يحصل ذلك. وعليه أرى أنّه كان الأنسب أن يتحَدَّثَ عن قانون “تجريم العنف داخل الأسرة”.وفي الختام أؤكّد أنّ الإسلام يُحِيط الأسرة بسياجٍ من الآداب والأخلاق التي تجعلها في مَأْمَن، ولا يكتفي بذلك بل شرع أحكاماً لردع كلّ عنف قد يحصل داخلها. بقيَ على المؤسسات المعنِيَة، كلّ في مجال تخصّصه، أن تتعاون على تفعيل هذه الآداب والأخلاق والأحكام لتحقيق المُبتَغَى، والله المستعان.

مقال مؤرشف


هذا المقال مؤرشف, يتوجب عليك الإشتراك بخطة الممتاز+ لتتمكن من الإطلاع على المقالات المؤرشفة.

تسجيل الدخول باقة الاشتراكات
كلمات دلالية: